الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي والْعِشْرُون (2) النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِالْبَرَكَةِ لِلشَّامِ
امتدح رسول الله أهل اليمن بل خص بعض بطونها وقبائلها بالمدح والثناء وفي مواطن كثيرة امتدحهم جملة
الفتن أنواع ومنها فتنة الاختبار وفتنة المحنة وفتنة المال وفتنة الأولاد، وفتنة الكفر، وفتنة اختلاف الناس بالآراء
كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم؛ فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثاني والعشرون:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا»، وفي رواية: «اللهم بارك لنا في مكتنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا»، قالوا: يا رسول الله، وفي نَجْدِنَا! وفي رواية: «وفي عراقنا»، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا.قالوا: يا رسولَ الله، وفي نَجْدِنَا! فأظنه قَالَ في الثالثة: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا، وفي رواية: منها، يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَان», وفي رواية: «حَيْثُ يَطْلُعُ جِذْلُ الشَّيْطَانِ».
سبب التسمية اليمن
اليمن، بالتحريك، قال الشرقي: إنما سميت اليمن لتيامنهم إليها قال ابن عباس: تفرقت العرب فمن تيامن منهم سميت اليمن، ويقال إن الناس كثروا بمكة، فلم تحملهم فالتأمت بنو يمن إلى اليمن وهي أيمن الأرض فسميت بذلك.
حدود اليمن وموقعها
افتتحت اليمن في أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأيام أبي بكر والشام بعدها والعراق بعدها . ا.ه
أما حدها كما عرفت قديما فمن وراء تثليث، وما سامتها إلى صنعاء، وما قاربها إلى حضرموت، والشحر وعمان إلى عدن أبْيَن، وما يلي ذلك من التهائم والنجود واليمن تجمع ذلك كله، والنسبة إليهم يمني, حفظها الله وأهلها من شر أعدائها .
وجاء في كتاب مسالك الأبصار قال: اليمن إقليم مُتَّسِع وله ذكر قديم ذكر البكري أن عرضه ست عشرة مرحلة، وطوله عشرون مرحلة، المرحلة ست فراسخ وهي كرسي ملك التبابعة من حمير، وبه كانت سبأ، وفيه كانت بلقيس وعرشها المذكور في القرآن الكريم، وحدوده من القبلة الموضوع المعروف بطلحة الملك، ومن الشرق جاء وحكم، ومن الغرب حضر موت، ومن الجنوب عدن، وهو يشتمل على بلاد وقلاع وحصون حصينة عدة، ولكن مدنه يفصل البَرّ ما بين بعضها عن بعض وبلادها مختلفة نجود، وتهائم فالنجود باردة الهواء، طيبة المسكن، والتهائم حارة شديدة الحر. وقد امتدح رسول الله أهل اليمن بل خص بعض بطونها وقبائلها بالمدح والثناء وفي مواطن كثيرة امتدحهم جملة؛ ومما قاله فيهم صلى الله عليه وسلم : «أتاكم أهل اليمن, هم أرق قلوبًا،الإيمان يمان، الفقه يمان، الحكمة يمانية».
قالوا: يا رسول الله وفي نَجْدِنَا! قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا: نَجْد: بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة. بفتح النون وسكون الجيم ثم دال مهملة، ونجد إقليم من جزيرة العرب، وهو أوسعها وأكثرها صحاري وفجاجًا ورمالًا، والعرب تطلق اسم نجد على كل ما علا من الأرض، ففي اليمن يسمى كل ما بين السراة والربع الخالي نجدًا، وأبو طالب يقصد هنا (الطائف) وما حوله، أما (نجد العلم) فهو قلب الجزيرة العربية، تتوسطه مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية الآن، ويشمل أقاليم كثيرة منها: القصيم، وسدير، والأفلاج، واليمامة، والوشم وغيرها، ويتصل بالحجاز غربًا، وباليمن جنوبًا، وبإقليم الأحساء شرقًا، وببادية العرب شمالًا، وليست هناك حدود تحدد أقاليم الجزيرة بعضها من بعض، وكل ما قاله الأقدمون -يرحمهم الله- هو فرض وحدس.
وبين الشام والعراق فاضل ومفضول وهو ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، و عمل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصهم على هذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي بكر الصديق : «كانت له عناية بفتح الشام أكثر من عنايته بفتح العراق حتى قال : لكفر من كفور الشام أحب إليَّ من فتح مدينة بالعراق».
قال : قالوا: يا رسولَ الله، وفي نَجْدِنَا: (قالوا)، أي: بعض الصَّحابة «يا رسول اللَّه! وفي نجدنا»؟ عطف تلقين والتماس أي: قل: وفي نجدنا ليحصل البركة لنا من صوبه أيضا».
فأظنه قَالَ في الثالثة هُنَاكَ: «هُنَاكَ»، أي: غالبًا، في ناحيَة نَجدٍ وهو المعنى بقوله: نحو المشرقِ أي: تأتي من جهته؛ لأن أهله يومئذ أهل كفر. والمراد باختصاص المشرق به مزيد تسلط الشيطان على أهل المشرق. قال المهلب: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن.
فضل أهل الشام على أهل العراق
جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يفضلهم - أهل الشام- في مدة خلافته على أهل العراق، حتى قَدِم الشام غير مرة، وامتنع من الذهاب إلى العراق, واستشار فأشار عليه ألا يذهب إليها، وكذلك حين وفاته لما طعن، أُدخِل عليه أهل المدينة أولا، وكانوا إذ ذاك أفضل الأمة، ثم أدخل عليه أهل الشام، ثم أدخل عليه أهل العراق، وكانوا آخر من دخل عليه.
وكانت عائشة -رضي الله عنها- وأبوها, تقول لهم: «يا أهل العراق! أهل الشام خير منكم ،خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله كثير؛ فحدثونا بما نعرف، وخرج إليكم نفر من أصحاب رسول الله قليل؛ فحدثتمونا بما نعرف وما لا نعرف».
وخلاصة القول: إن ما جاء ذكره فيما سبق من فضل وخيرية إنما ذلك بالإجمال، ولا يلزم منه تفضيل من ليس من أهل الفضل والصلاح, وقد يكون من أهل الشام, أقل فضلا وصلاحا من بعض أهل العراق، وهذا ما جزم به سلمان الفارسي في توضيح هذا المفهوم بقوله: إن الأرض المقدسة لا تقدس أحدًا ،إنما يقدس الإنسان عمله، لقد وضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والنصوص التي في كتاب الله وسنة رسوله وأصحابه في فضل الشام, على نجد والعراق وسائر أهل المشرق أكثر من أن تذكر هنا، بل ورد عن النبيصلى الله عليه وسلم من النصوص الصحيحة والكثيرة في ذم المشرق ، وإخباره بأن الفتنة ورأس الكفر تطل منها على الأمة، وإنما كان فضل المشرق عليهم بوجود أمير المؤمنين علي، وذاك كان أمرًا عارضًا؛ ولهذا لما ذهب عَليّ ظهر منهم الفتن والنفاق والردة والبدع ما يعلم به أن أولئك كانوا أرجح .
وكذلك أيضًا لا أن في أعيانهم من العلماء والصالحين من هو أفضل من كثير من أهل الشام، كما كان عليّ وابن مسعود وعمار وحذيفة ونحوهم، أفضل من أكثر مَن بالشام من الصحابة، لكن مقابلة الجملة وترجيحها لا يمنع اختصاص الطائفة الأخرى بأمر راجح».
قوله :الزَّلَازِلُ: أي: الحسِيّة أو المعنويّة وهي تزلزل القُلوب واضطراب أهلها، إنباء النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور الزلازل فيها هو تحذير من دخولها، وأنها لا تحسن أن تكون أرض مقام واستقرار بها، وهي آيات يخوف الله بها لما يظهر الفساد وتنتهك الحرمات، قال تعالى: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا}(الإسراء: 59).
قوله : وَالْفِتَنُ : أي: البليَّات والمحن الموجبة لِضعفِ الدّين وقلَّة الدّيانة، فلا يناسبه دعوة البركة له مع كونه مقرًا للفتن ومبعثًا لها،وهذا مشاهد عبر التاريخ أن جل ما خرج من فتن وفرق كان منشؤها في ذلك المكان، فقد تعددت أنواع الفتن التي خرجت منها بتعدد تفسير معاني كلمة فتنة، وهي مما كثرت استعاذَتُهُ صلى الله عليه وسلم منها.
والفتن أنواع ومنها فتنة الاختبار،وفتنة المحنة، وفتنة المال، وفتنة الأولاد، وفتنة الكفر، وفتنة اختلاف الناس بالآراء، والفتنة الإحراق بالنار، وفتنة القبر، وفتنة الدّجّال، وفتنة المحيا والممات، وغير ذلك من الفتن,أعاذنا الله وإياكم من جميع مضلات الفتن.
والفتن تبدو من المشرق ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج والدجال، ومنها خرج الروافض والخوارج وجميع الفرق الباطلة كالجهمية والمعتزلة وغيرها, حتى قال بحقها كعب: بها الدّاء العضال وهو الهلاك في الدّين.
قوله: «وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»: «وَبِهَا»، أي: بتلك البقعة ونواحيها, «يَطْلُعُ»: بِضمّ اللام أي: يَظهر«قَرنُ الشَّيْطَان». أي: حزبُه وأهل وقته وزمانه وأعوانُهُ.
وأمّا قوله قرنُ الشَّمس فقال الدّاوديُّ للشَّمس قرنٌ حقيقةً، ويحتمل أن يريد بالقرن قُوَّة الشيطان وما يستعين به على الإِضلال وهذا أوجه، وقيل: إِنّ الشيطان يقرن رأسه بالشَّمس عند طلوعها ليقع سُجود عبدتها له, ويحتمل أن يكون للشَّمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه وقال الخطابيّ: القرن الأمّة من النَّاس يحدثون بعد فناء آخرين.
قال الخطابى: القرن فى الحيوان يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور، كقوله صلى الله عليه وسلم فى الفتنة وطلوعها من ناحية المشرق: «ومنه يطلع قرن الشيطان» وقال فى الشمس: إنها تطلع بين قرني الشيطان، والقرن: الأمة من الناس يُحدثون بعد فناء آخرين، كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبره صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك كانت الفتنة الكبرى التى كانت مفتاح فساد ذات البين، وهي مقتل عثمان، وكانت سبب وقعة الجمل وصفين، ثم ظهور الخوارج فى أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، ومعلوم أن البدع إنما ابتدأت من المشرق، وإن كان الذين اقتتلوا بالجمل وصفين بينهم كثير من أهل الشام والحجاز فإن الفتنة وقعت فى ناحية المشرق، وكان ذلك سببًا إلى افتراق كلمة المسلمين وفساد نيات كثير منهم إلى يوم القيامة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من ذلك ويعلمه قبل وقوعه، وذلك دليل على نبوّته.
من فوائد الحديث :
1- هذا الحديث من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ حيث أخبر عن حال نجد وما سيقع بها من فتن ونحوها.
2- يُفهم من دلالة ترتيب الأفضلية في الحديث أن الشام تسبق اليمن في الأفضلية .
3- لما نسب الرسول صلى الله عليه وسلم الشام واليمن إليه في قوله : «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا»، كان ذلك مزيد تشريف وفخر للبلدين.
4- من شدة هول ما يخرج من نجد لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم اسمها على لسانه واكتفى بقوله «هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان «.
5- لم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم زمناً ما يكون من فتن ونحوه في نجد وما مضى من تاريخها يشهد أن ذلك يكون في غالب زمانها و الله أعلم.
لاتوجد تعليقات