{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}
ذهب المحققون من العلماء كابن قدامة والزركشي، وابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي وغيرهم إلى أن النسيان عذر في المنهيات دون المأمورات
دلت النصوص الشرعية على أن النّسيان والخطأ لا يؤثّران في أهليّة الوجوب ولا في أهليّة الأداء لوجود العقل وهما عذران مقبولان في حقوق اللّه -تعالى-؛ من حيث عدم ترتب الإثم لعدم قصد المخالفة
رحمة الله -تعالى- واسعة، ومظاهرها في الخلق والتدبير واضحة، كما أن معالم رحمة الله -تعالى- في الأحكام والتكاليف ظاهرة، فقد قال سبحانه وتعالى:{يرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (سورة النساء:28) قال ابن كثير: «أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم»، ومن مظاهر رحمته -سبحانه- بعباده أن راعى أحوالهم البشرية فشرع من الأحكام ما يناسب أحوالهم الأصلية والاستثنائية.
فمن الأحوال الاستثنائية للإنسان (النسيان والخطأ)، فلا يخلو منهما أحد إلا من عصمه الله -تعالى- من الأنبياء في مقام الدعوة وتبليغ الرسالة.
فالنّسيان هو عدم استحضار صورة الشّيء في الذّهن وقت الحاجة إليه، فهو ذهول عن معلوم.
والخطأ هو فعل يصدر من الإنسان بلا قصدٍ إليه عند مباشرة أمرٍ مقصودٍ سواه، فهو فعل غير مقصود.
وقد دلت النصوص الشرعية والقواعد الكلية على أن النّسيان والخطأ لا يؤثّران في أهليّة الوجوب، ولا في أهليّة الأداء لوجود العقل، ومع ذلك فإنّ النّسيان والخطأ عذران مقبولان في حقوق اللّه -تعالى-؛ من حيث عدم ترتب الإثم لعدم قصد المخالفة، ويبقى حق المجني بالتعويض عن التلف الذي وقع بسبب النسيان أو الخطأ، سواء أكان التلف في الأبدان أم الأموال.
فمن الأدلة الشرعية على هذا الأصل قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}(سورة البقرة:286)
قال تعالى: «قد فعلت» أخرجه مسلم.
قال ابن كثير: وقوله: (لها ما كسبت) أي: من خير، (وعليها ما اكتسبت) أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف، ثم قال -تعالى- مرشدا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة، كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا}. أي: إن تركنا فرضاً على جهة النسيان، أو فعلنا حراماً كذلك، (أو أخطأنا) أي: الصواب في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي.
وبين الشيخ الشنقيطي أن الله -تعالى- أجاب دعاءهم هذا، وأشار إلى أنه أجابه بقوله في الخطأ:{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} الآية(الأحزاب:5)
وأشار إلى أنه أجابه في النسيان بقوله: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}(الأنعام:68)، فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك.
والمؤاخذة هي العقوبة مشتقة من الأخذ كقوله: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} والمعنى: لا تأخذنا بالنسيان والخطأ، أي: لا تعاقبنا.
وهنا يرد سؤال: إذا كان الخطأ والنسيان مغفورين غير مؤاخذ بهما، فما معنى الدعاء بذلك، فإنه من تحصيل الحاصل؟
قال الشوكاني مجيبا عن ذلك: «بأن المراد طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ، من التفريط وعدم المبالاة، لا من نفس النسيان والخطأ، فإنه لا مؤاخذة بهما كما يفيد ذلك قوله[: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان».
وقيل: المراد ما يترتب على النسيان والخطأ من فعل أو ترك لا يرضيان الله -تعالى.
وقيل: إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته».
ومن الأدلة الشرعية على عدم المؤاخذة بما ترتب على الخطأ والنسيان حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه». أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.
وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله -تعالى- تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه» أخرجه أحمد وصححه الألباني.
قال ابن رجب بعد أن ذكر أنواعا لوقوع الخطأ والنسيان في أفعال المكلفين في العبادات والجنايات: «والأظهر - والله أعلم - أنَّ الناسي والمخطئ إنَّما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد والنيَّات، والناسي والمخطئ لا قصدَ لهما؛ فلا إثم عليهما، وأمَّا رفعُ الأحكام عنهما، فليس مرادًا منْ هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليلٍ آخر».
ويبين القرطبي أن تأثير النسيان والخطأ في سقوط الأحكام أقسام:
فقسم لا يسقط باتفاق: كالغرامات والمدايانات والصلوات المفروضات، ونحوها.
وقسم يسقط باتفاق: كالقصاص والنطق بكلمة الكفر .
وقسم ثالث مختلف فيه: كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا ، ويعرف ذلك في الفروع.
ويذهب المحققون من العلماء كابن قدامة والزركشي وابن تيمية وابن القيم والسيوطي وغيرهم إلى أن النسيان عذر في المنهيات دون المأمورات؛ فالأمور التي ينساها المكلف أو يخطئ فيها إما أن تكون من باب الأوامر أو من باب النواهي، فإن كانت من باب الأوامر المطلوب فعلها، يجب على المكلف أن يأتي بها ولا يكون النسيان عذرا في إسقاطها، وإن كانت من باب المنهيات المطلوب تركها فإنه لا يجب تداركها، ويكون النسيان عذرا في عدم تركها.
ووجه التفريق بينهما:أن من ترك المأمور به فإنه لم يوقع العبادة كما أمر، كمن نسي طهارة الحدث وصلى فهذا تلزمه الإعادة، بخلاف من صلى وعليه نجاسة ناسيا لم تلزمه الإعادة؛ لأنه فعل محظورا، وهو مما يعفى عنه بالنسيان أو الجهل.
- مثال آخر: من ترك النية في الصوم الواجب ناسيا لم ينعقد صومه؛ لأن النية من باب المأمورات فلا يعفى عن نسيانها، ومن أكل أو شرب ناسيا في نهار رمضان فصومه صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه؛ ولأن الأكل والشرب من باب المنهيات فيعفى فيه عن النسيان والخطأ.
والخلاصة أن النسيان والخطأ عذران يقتضيان التخفيف والترخص، مع مراعاة التفريق بين حقوق الله -تعالى- وحقوق العباد، وبين ما كان في باب الأوامر وما كان في باب النواهي، وهذا من رحمة الله -تعالى- الواسعة وحكمته البالغة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وبالله التوفيق.
لاتوجد تعليقات