رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 8 أغسطس، 2016 0 تعليق

الشيخ آل طالب: أعمال يثقُلُ بها الميزانُ يوم القيامة

ينبغي للمرءِ ألا يزهَدَ في قليلٍ من الخيرِ أن يأتِيَه ولا في قليلٍ من الشرِّ أن يجتنِبَه فإنه لا يعلمُ الحسنةَ التي يرحمُه الله بها ولا السيئةَ التي يسخَطُ عليه بها

مما تثقل به الموازين حسن الخلق مع الناسِ كلِّهم مُؤمنِهم وكافِرهم، صغيرِهم وكبيرِهم، غنيِّهم وفقيرِهم

 

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (أعمال يثقُلُ بها الميزانُ يوم القيامة)، والتي تحدَّث فيها عن الواجبِ على المُسلمِ من اغتِنامه لأوقاته في طاعةِ الله تعالى؛ فإنه لا يدرِي الحسنة التي يرحمُه الله بها، والسيئة التي يسخَطُ عليه بها، وذكرَ في ثنايَا خُطبتِه شيئًا من الأعمال التي من شأنِها أن تُثقِلَ ميزانَ العبد يوم القيامة، وكان مما جاء في خطبته:

يخرُجُ الناسُ من قبورِهم عارِيةً أبدانُهم، حافِيةً أقدامُهم، ذابِلةً شِفاهُهم، {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} (هود: 103)، {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (التغابن: 7).

نصب موازين الأعمال

     في ذلك اليومِ العظيم ينصِبُ الله الموازِينَ لوَزنِ أعمالِ العباد، ولإظهارِ كمالِ عدلِه تعالى، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء: 47)، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (المؤمنون: 102، 103)، فطُوبَى لمن ثقُلَت موازِينُه بالحسنات، ويا خسارةَ من خفَّت موازِينُه، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ} (القارعة: 6- 11).

في ذلك اليوم يتمنَّى المرءُ حسنةً ترفعُ إيمانَه، أو عملاً يُثقِّلُ ميزانَه، وقد أخبرَ النبي - صلى الله عليه وسلم  - عن أعمالٍ تثقُلُ بها موازِينُ العباد يوم القيامة، حرِيٌّ بالعاقلِ أن يتلمَّسَها ويتمسَّك بها، فمنها - رعاكُم الله -:

تحقيقُ التوحيد وإخلاصُ الشهادتَين لله رب العالمين

     روى الترمذيُّ وغيرُه عن عبد الله بن عمرو بن العاصِ - رضي الله عنهما -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم  - قال: «إن الله سيُخلِّصُ رجُلاً من أمَّتي على رُؤوسِ الخلائِقِ يوم القيامة، فينشُرُ له تسعةً وتسعين سجِلاًّ من الذنوبِ، كلُّ سجِلٍّ منها مدَّ البصر، فيقولُ الله تعالى: هل ظلَمَك كتَبَتي الحافِظون؟ فيقولُ العبدُ: لا يا ربِّ! فيقولُ الله: هل لك من عُذرٍ؟ فيقولُ العبدُ: لا يا ربِّ! فيقولُ الله: بلَى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظُلمَ اليوم، فتُحضَرُ بِطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا رسولُ الله. فيقولُ العبدُ: وما تفعلُ هذه البطاقةُ مع هذه السِّجِلاَّت؟ فتُوضعُ البِطاقةُ في كفَّة، وسِجِلاَّتُ الذنوبِ كلُّها في كفَّة، فتَطيشُ السِّجِلاَّتُ وتثقُلُ البِطاقةُ، ولا يثقُلُ مع اسمِ الله تعالى شيءٌ».

     هذا حديثٌ عظيمٌ أفردَه بعضُ العلماء بالتأليفِ، وصدقَ الحقُّ - سبحانه -: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48)، وفي آيةِ الرجاءِ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).

أرأيتُم كيف فعَلَت الشهادةُ بهذه الذنوبِ؟! وكيف ثقُلَت في ميزان العبدِ يوم القيامة؟! لأنه قالَها مُخلِصًا من قلبِه، لم يقَع فيما ينقُضُها أو يُفسِدُها من دُعاء غير الله، أو صَرفِ عبادةٍ لغيرِ الله، أو تصديقِ السَّحَرة والكُهَّان، أو اتَّخاذِ متبُوعِين من دُون الله.

 

حُسنُ الخُلُق

     ومما تثقل به الموازين حسن الخلق، فعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم  - قال: «ما من شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقَلُ من حُسن الخُلُق»؛ رواه أبو داود وغيرُه، وحُسنُ الخُلُق: هو الكلمةُ الطيبةُ، والتبسُّمُ في وجهِ أخيك، ولِينُ الجانِبِ، واللُّطفُ والسَّماحة، والصِّلةُ والإحسان، وبَذلُ النَّدَى وكفُّ الأذَى.

     وقد قرَنَ الله القولَ الحسنَ بالعبادات الكِبار، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة: 83)، وقال - سبحانه -: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} (الإسراء: 53)، فإذا كان قولٌ حسنٌ وأحسَن، فقُل التي هي أحسَن.

     حُسنُ الخُلُق مع الناسِ كلِّهم مُؤمنِهم وكافِرهم، صغيرِهم وكبيرِهم، غنيِّهم وفقيرِهم، يقولُ - عليه الصلاة والسلام -: «إن الرَّجُلَ ليُدرِكُ بحُسن خُلُقِه درجةَ الصائِمِ القائِمِ»؛ رواه أحمد وأبو داود، ويقولُ: «إن من أحبِّكم إلَيَّ وأقرَبِكم منِّي مجلِسًا يوم القيامة: أحاسِنُكم أخلاقًا»؛ رواه الترمذي، ويقولُ - عليه الصلاة والسلام -: «أكثرُ ما يُدخِلُ الناسَ الجنة: تقوَى الله وحُسنُ الخُلُق»؛ رواه أحمد والترمذي، وأحقُّ الناسِ بحُسن خُلُقكم هم الأقرَبُون: الوالِدان، والزوجةُ، والأولاد، يقولُ - عليه الصلاة والسلام -: «خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلِي»؛ رواه الترمذي وابنُ ماجه.

ذكر الله تعالى

     والعملُ الثالثُ الذي تثقُلُ به الموازِينُ يوم القيامة: هو ذِكرُ الله تعالى؛٫3 ففي (الصحيحين): عن أبي هريرة -  رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم  -: «كلِمتانِ خفيفَتَانِ على اللِّسانِ، ثقِيلَتَان في الميزان، حبِيبَتَانِ إلى الرحمن: سُبحان الله وبحمدِه، سُبحان الله العظيم»؛ وهو آخرُ حديثٍ في (صحيح البخاري).

     من أرادَ أن تثقُلَ موازِينُه يوم القيامة فليُكثِر من هؤلاء الكلِمات، وليكُن لِسانُه رَطبًا من ذِكرِ الله؛ يقولُ - عليه الصلاة والسلام -: «لأَن أقولَ: سُبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ مما طلَعَت عليه الشمسُ»؛ رواه مسلم، ويقولُ - عليه الصلاة والسلام -: «من قالَ: سُبحان الله وبحمدِه في يومٍ مائةَ مرَّة، حُطَّت خطايَاهُ ولو كانت مثلَ زبَدِ البَحر»؛ متفق عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم  - لأبي موسَى الأشعريِّ - رضي الله عنه -: «ألا أدُلُّكَ على كنزٍ من كُنوزِ الجنة؟». قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»؛ متفق عليه.

     لقِيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم  - إبراهيمَ - عليه السلام - ليلةَ أُسرِيَ به، فقال: «يا مُحمَّد! أقرِئْ أمَّتَك منِّي السلام، وأخبِرهم أن الجنةَ طيبةُ التُّربة، عَذبَةُ الماء، وأنها قِيعَان - يعني: أراضٍ مُستوِية -، وأن غِراسَها: سُبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»؛ رواه الترمذي.

     وعن جُويرِية بنت الحارِثِ أمِّ المُؤمنين - رضي الله عنها -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم  - خرجَ من عندِها بُكرةً حين صلَّى الصُّبحَ وهي في مسجِدِها، ثم رجعَ بعدَ أن أضحَى وهي جالِسة، فقال: «ما زِلتِ على الحالِ التي فارَقتُكِ عليها؟»، قالت: نعم، قال - صلى الله عليه وسلم  -: «لقد قلتُ بعدَكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مراتٍ لو وُزِنَت بما قُلتِ منذ اليوم لوزَنَتهنَّ: سُبحان الله وبحمدِه عددَ خلقِه، ورِضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومِدادَ كلماتِه»؛ رواه مسلم.

لا تحقرن من المعروف شيئًا

     وإذا كان الوزنُ يوم القيامةِ للحسناتِ والسيئاتِ، فينبغي للمرءِ ألا يزهَدَ في قليلٍ من الخيرِ أن يأتِيَه، ولا في قليلٍ من الشرِّ أن يجتنِبَه، فإنه لا يعلمُ الحسنةَ التي يرحمُه الله بها، ولا السيئةَ التي يسخَطُ عليه بها. فاستكثِرُوا من الصالِحات، وتدارَكُوا أنفُسَكم قبل الفَوَات، ثم اعلَموا أن الله أمرَكم بأمرٍ بدأَ فيه بنفسِه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: 56)

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك