رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 25 يوليو، 2016 0 تعليق

الشيخ الثبيتي: الاستقرار مطلَبٌ منشُودٌ وحاجةٌ مُلِحَّة ولا يستغنِي عنه أحد

كل تكاليفِ الشريعة ومقاصِدِها وضروراتِها جاءَت لتثبيتِ دعائِمِ الاستِقرار في حياةِ البشر

المُجتمعاتُ التي تنشُدُ النهضةَ والرُّقِيُّ تبدأُ بإرساء قواعِد الاستِقرار وهو أولُ ما نطقَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخُولِه المدينة مُهاجِرًا

يتحقّقُ الاستِقرارُ ويدومُ بعنايةِ المُجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر ونمُوِّ ميادين العمل الخيريِّ

 

ألقى فضيلة الشيخ عبد البارئ بن عواض الثبيتي - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (نعمة الأمن والاستقرار)، التي تحدَّث فيها عن الأمن والاستقرار، وأن شُؤون الحياة جميعها مرتبطة به، ولا يُمكن أن تستقيم الحياة بدونها، وذكر أسبابَ تقويض الاستِقرار وتهديد دعائِمِه، كما بيَّن كيفية تحقيق الأمن والاستِقرار، وكان مما جاء في خطبته:

     قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا} (غافر: 64)؛ أي: جعلَها لكم مُستقرًّا، أي: مكانًا لاستِقرارِكم وحياتِكم تعيشُون عليها، وتتصرَّفون فيها، وتمشُون في مناكبِها، فشُؤونُ الحياة جميعُها مُرتبِطةٌ بالاستِقرار، ولا يُمكنُ أن تستقيمَ حياةٌ بدونِها، فهو مطلَبٌ منشُودٌ، وحاجةٌ مُلِحَّة، ولا يستغنِي عنه أحد، والإنسانُ لا يهنَأُ له عيشٌ، ولا تنتظِمُ له سعادةٌ، ولا ينشَطُ لعِمارة الأرضِ إلا في ظلِّ الاستِقرار الذي هو أغلَى مطلَبٍ، وأعزُّ عطايا المعبُود، قال الله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (البقرة: 36).

والمُؤمنُ مأمورٌ بالسعي في الأرض طلبًا للاستِقرار والأمان، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (النساء: 97).

للاستِقرار شأنٌ كبيرٌ، وقدرٌ جليلٌ، جعلَه الله وصفًا لثوابِ أهل الجنة ونعيمِهم، قال تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} (الفرقان: 24)، وقال - سبحانه -: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} (الفرقان: 76).

وعيد الإسلام للمفسدين

     رتَّبَ الإسلامُ أشدَّ الوعيدِ على الإفسادِ في الأرضِ بعد إصلاحِها واستِقرارها، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} (البقرة: 204- 206).

فمن أفسدَ في الأرض، وقوَّضَ معاني الاستِقرار بدعوَى الصلاح والإصلاح، وأنه من أهل الحقِّ فهو مُفسِد، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} (البقرة: 11، 12).

الإسلام منبع الاستقرار

     الإسلام بمنهَجه الربَّانيِّ ينبُوع الاستِقرار ومصدرُه، الاستِقرارُ النفسيُّ، الاستِقرارُ الأمنيُّ، الاستِقرارُ الاجتماعيُّ، فهو يُزيلُ أسبابَ القلقِ والتوتُّر، قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (الأنعام: 125).

ويضعُ الإسلام كلما أودعَه الله في الأرض من ثرَواتٍ كبيرة، وموارِد ضخمَة تحت يدِ البشرية لتحقيقِ معنى الاستِقرار، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15).

الشريعة وتثبيت دعائم الاستقرار

     وكل تكاليفِ الشريعة ومقاصِدها وضروراتِها جاءَت لتثبيتِ دعائِمِ الاستِقرار في حياةِ البشر، ذلك أن تكاليفَ الشريعةِ ترجِعُ إلى حفظِ مقاصِدها في الخلق، وهذه المقاصِدُ لا بُدَّ منها في قيامِ مصالِح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فُقِدت لم تجرِ مصالِحُ الدنيا على استِقامةٍ؛ بل على فسادٍ وتهارُجٍ وفَوتِ حياةٍ، وهي: حفظُ الدين، والنفس، والنَّسل، والمال، والعَقل.

     المُجتمعاتُ التي تنشُدُ النهضةَ والرُّقِيُّ تبدأُ بإرساء قواعِد الاستِقرار، وهو أولُ ما نطقَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخُولِه المدينة مُهاجِرًا، فقد سطَّر معاني الاستِقرار بكلماتِ الحبِّ والسلام، حين قال: «يا أيها الناس! أفشُوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نِيام؛ تدخُلوا الجنةَ بسلامٍ».

أرسَى الإسلامُ منهَجًا في الاستِقرار أساسُه التعامُل الذي يقوم على المُؤاخاة، ونبذ العُنف والتطرُّف، وتعزيز التعاوُن، فأصبحَ مُجتمعُ المدينة أنموذجًا في السِّلم والوِئام والاستِقرار.

المجتمعات التي فقدت الاستقرار

     والمُتأمِّلُ في أحوال المُجتمعات التي فقدَت الاستِقرار لا تُخطِئُ عينُه انتشارَ القلق والتوتُّر؛ بل غدَا الناسُ غيرَ آمنين على أموالِهم وأعراضِهم، وأعرفُ الناسِ بقيمة الاستِقرار ما ابتُلِي بفَقده، فتغرَّبَ عن وطنِه، أو تشرَّد بعيدًا عن أهله، فذاقَ مرارةَ الجُوع، وذُلَّ المجاعة، أو سقطَت بلدُه في فوضًى دهماءَ فنزفَت على ترابِها الدماء، وسقطَت على ثَراها الجُثُ والأشلاء، وعمَّ السَّلبُ والنَّهبُ.

وبهذا نعلَم أن استِقرارَ الأمن في الديار والأنفُس والأموال والأعراض جنَّةُ الله، ومِنحَتُه للمُؤمنين في الدنيا، وأعزُّ ما امتَنَّ الله به على الأُمم والمُجتمعات، قال الله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 3، 4).

ما يهدد دعائم الاستقرار

مما يُقوِّضُ الاستِقرارَ ويُهدِّدُ دعائِمَه: انتشارُ الإشاعات، وفُشُوُّ الأراجِيف، وتلقِّيها بدون روِيَّةٍ ولا تبصُّر، وهذا يُثيرُ الفتنَ، ويبذُرُ الفُرقةَ والخلاف.

     كما أن الأسلوبَ الخطأ السيِّئ في التعاطِي مع وسائل التواصُل الاجتماعي الحديث الذي أخذَ مكانَ الصَّدارَة في اهتمامات الناس، أفرزَ تناقُضًا في التربية، وزعزَعَ بعضَ العقائِد، وحطَّم كثيرًا من الثوابِتِ والقِيَم، واختطَفَ الشبابُ، فغدَت هذه الوسائلُ بهذا المفهُوم مِعوَلاً هدَّامًا للاستِقرار.

التساهُلُ في تداوُل الحرام، والتشبُّعُ من الرِّبا يمحَقُ قواعِدَ الاستِقرار الماليِّ، قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (البقرة: 276).

الطُّغيانُ والبطَرُ في النعمة، وقلَّةُ الشكر، مع السَّرَف والبُخل تُهدِّدُ الاستِقرارَ الاجتماعيَّ، قال الله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} (القصص: 58).

أمر لا مساومة عليه

إن الأحداثَ من حولِنا علَّمَتنا وتُعلِّمُنا أن الاستِقرارَ أمرٌ لا مُساومَة عليه، والسعيُ لترسيخِ دعائِمِه وتقويةِ أركانِه، والضربُ بيدٍ من حديدٍ على كل مُخرِّبٍ ومُفسِدٍ واجبٌ شرعيٌّ، ومطلَبٌ وطنيٌّ.

     تتحقَّقُ المُحافظةُ على الاستِقرار بترسيخِ الإيمان، والاعتِصام بالكتابِ والسنَّة، وتحقيق مبادئ الوَحدة، ونبذ أسبابِ الفُرقةِ والخلاف، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 115).

     يتحقَّقُ الاستِقرارُ ويدومُ بنشر العلم الذي يُنيرُ الظُّلمةَ، ويكشِفُ الغُمَّة، ويبعَثُ النَّهضَة، ويُحصِّنُ من الأفكار والشُّبُهات والوقع في الإفراط والتفريط. العلمُ أساسُ سعادة الفرد ورخاء الشعوب، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9).

ويدومُ الاستِقرار بذِكرِ فضلِ الله تعالى وشُكرِه، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم: 7).

أسباب تحقق الاستقرار

     يتحقّقُ الاستِقرارُ ويدومُ بعنايةِ المُجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، ونمُوِّ ميادين العمل الخيريِّ، قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104)، فأثبتَ الخيريَّةَ للأمة التي هي أساسُ الاستِقرار بتحقيقِ التكافُل والترابُطِ والأُلفَة والمحبَّة.

     والعملُ الخيريُّ سببٌ لازدِهار المُجتمع ورخائِه واستِقرارِه؛ حيث تستقِرُّ الحياةُ لليتيم والمسكين والأرمَلة والمرضَى، ويحُولُ العملُ الخيريُّ دون نُشوبِ صِراع الطبقَات وتحاسُدِها، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك