رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: جهاد العايش 13 يونيو، 2016 0 تعليق

الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ السادس عَشْر- النبي سَلِيمَانُ عليه السلام يُجَدَّدُ بِنَاءَ الْمَسْجِدَ الأقْصَى

فهم هذا الحديث يعين على إدراك الوجه الصحيح لجانب مهم من دعوى اليهود المبتورة بأحقيتهم في المسجد الأقصى

كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث السادس عشر:

     عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِ « وفي رواية: بناء»، «وفي رواية: لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ» مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ» وفي رواية: خلالًا ثلاثة» حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ «وفي رواية: لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ» مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ».

شرح الحديث:

     إن حديث الباب حديث مفصلي ومهم، فهمه يعين على إدراك الوجه الصحيح لجانب مهم من دعوى اليهود المبتورة بأحقيتهم في المسجد الأقصى، فقصة البداية اليهودية مع المسجد الأقصى تبدأ من بناء سليمان -عليه السلام- للمسجد وتجديده له متغافلين عن كل ما سبق من تاريخ للمسجد الأقصى.

قوله: إنَّ سليماَن بن داودَ: نبي الله ابن نبي الله كما أخبر تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (ص: 30).

وقال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} (الأنبياء: 78).

     كما شهد له الله بالإيمان والاستقامة قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} (البقرة: 102)، وليس كما ادعت اليهود عليه ما ليس فيه، ومن ذلك أنه وأباه ملكان وليسا نبيين، وأن سليمان ابن زنا من (بتشبع) التي تتهم التوراة أباه داود أنه زنى بها حين كانت زوجة لأوريا الحيثي الجندي الذي أرسله داود للمعركة ليتخلص منه! ويقولون: إنه عابد للأوثان (آلهة النار)! يطيع بذلك زوجاته الوثنيات! فعاقبه الله بتمزيق مملكته بسبب ذلك، وينغمس في الجنس!وألف امرأة وثنية في عصمته! وعذارى بنات مملكته مشاعات له! أما سفر (نشيد الإنشاد) فإنه يحكي قصة غرام بين سليمان وعشيقته التي انسلّ إليها ليلًا إلى بيتها ليتغزل بها، ثم يضاجعها بوصف تهتز له الأبدان! والعياذ بالله من كذبهم وافترائهم على نبي الله. فبعد أن فرغ نبي الله سليمان -عليه السلام- من تجديد بناء المسجد الأقصى طلب إلى الله في دعائه أمورًا ثلاثة.

     قوله: لما فَرغَ من بنيان مسجد بيت المقدس: وفي رواية: «بناء»: فَرَغَ: من الشغل ولا شك، لكن لا يستساغ عقلًا وشرعًا أن يفهم من هذا الحديث أن نبي الله سليمان -عليه السلام- هو أول من بدأ بناء المسجد الأقصى، وما قام به هو بناء التجديد والترميم، ولا غضاضة لغة في استعمال كلمة بنيان ويقصد بها التجديد وبه قال أبو شهبة :«واستعمال البناء في التجديد مستساغ ووارد في اللغة العربية.

قوله: سأل الله: أي دعا الله وطلب إليه، وفي رواية: «خلالًا ثلاثة» خلالًا: جمع خلة- بالفتح -: الخصلة.

قوله: حكمًا يصادف حكمه: وهو الدعاء الأول من نبي الله سليمان إلى الله -تبارك وتعالى- وهو أن يوافق ويوفق لحكم الله وهو: التوفيق للصواب في الاجتهاد، وفصل الخصومات بين الناس.

     قوله: وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده: وهذا الدعاء الثاني هو مصداق قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (ص: 35)، أي ملكًا لا يكون لأحد؛ ومما اختص الله به نبيه سليمان دون غيره من أنبيائه ورسله وعامة البشر، أما إذا أردنا أن نعرف ما آتاه الله من قوة تُمكِّنه من ملك لا ينبغي لأحد من بعده يخصه بها بوصفها معجزة عظيمة لا تقع لأحد من بعده، فلك أن تتأمل آيات الله وما آتاه الله من أسباب القوة التي لم تعط لأحد من بعد سليمان؛ فكان مما سخّر له من جند وبأمر الله، ريح تجري بأمره، وجن وإنس وطير يعمل بأمره: قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} (الأنبياء: 81). وقال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (النمل: 17).

وقال تعالى: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)}.

{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. ص: (39).

     وجاء في الأثر عن مجاهد: « ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود بن كنعان، لم يملكها غيرهم، لكنهم ومع هذا ومن غير نبي الله سليمان لم يمكنوا مما مكن منه سليمان، من تسخير الجن والإنس والطير والريح.

قوله: ولا يأتي هذا المسجد أحــدٌ لا يريدُ إلاَّ الصلاةَ فيه إلاَّ خرج من خـطيئَتِهِ كَيــومَ ولدتُهُ أُمُهُ:

ولا يأتي هذا المسجد: أي لا يدخل المسجد الأقصى، وفي رواية «لاينهزه»: أي لا يحركه.

     «قال السندي: في رواية النسائي، قوله صلى الله عليه وسلم : «أن يخرجه»: من الإخراج أو الخروج، والظاهر أن في الكلام اختصارًا، والتقدير ألا يأتيه أحد إلا أخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقوله: «أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه» بدل من تمام الكلام على الاستثناء، إلا أنه حذف الاستثناء لدلالة البدل عليه».

     ومن قصد الأجر بخروجه إلى المسجد الأقصى كتب الله له ذلك، وبنحوه بوب له ابن خزيمة في صحيحه باب فضل الصلاة في مسجد بيت المقدس، وتكفير الذنوب والخطايا بها، وبه قال ابن العبري في تاريخه: «... ولما شيد بيت الرب شكر الله ودعا لبني إسرائيل بالبركة.... إذا كان في الأرض جوع أو جراد أو موت أو مرض فاستغاثوا إليك فاستجب لهم. وإذا أتى أحد الأمم الغريبة إلى هذا البيت ودعاك فاستجب له لتعلم شعوب الأرض أنك أنت الله وحدك فيخافوك»، وكأن نبي الله سليمان أراد بدعائه المترتب له هذا الفضل العظيم لمن صلى فيه بتمام الإخلاص.

قوله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما اثنتانِ فقد أُعطيهما: أما اثنتان فقد أعطيهما: أي الحكم والملك.

     قوله: وأَنا أرجـو أَن يَكـونَ قد أُعطيَ الثَّالثَةَ: وهي طلب المغفرة لمن أتى مسجده، أي المسجد الأقصى وفأجر الله عظيم، والله -تبارك وتعالى- لا يخيب رجاء وطلب نبييه سلميان الذي دعا ربه بعد أن بنى المسجد، ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي أحسن الظن بربه تأدبًا منه بقبول دعوة سليمان عليه السلام.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك