الشـيـخ الشريم: رمضـــان شهر القرآن
إن الأمةَ الإسلامية على موعِدٍ مع كتابِ الله في الشهر الذي أُنزِل فيه، إنهم سيجتَمِعون عليه في صُورةٍ وهيئةٍ لا تتكرَّرُ في غيره
شهرٌ رمضان تُشحَذُ فيه الهِمَمُ العليَّة ليلتفِتَوا إلى إخوانٍ لهم في الدين أثخَنَتهم الحروب يفترِشُون الفقرَ، ويلتحِفُون المسغَبَة. ينامُ الصائِمون على صوتِ القرآن، وهم ينامُون على أصواتِ القنابِل والرصاص
إنه عبيرُ رمضان المُبارَك، عبيرٌ يُبهِجُ نفوسًا أزكمَتها ذنوبُ الخلَوات، والتفريط في جنبِ الله في الجلَوات، إنه عبيرٌ ينسَخُ روائِحَ القسوةِ والدَّعَة والأثَرَة والجفَاء
الناس هم الذين يُخلِفُون اللَّحاقَ بالرَّكبِ الكرامِ في رحابِه؛ إذ يصومُ الناسُ فيه عن المُفطِّرات، والغِيبَة والنَّميمَة، وقولِ الزُّور، والكِبر والأثَرة، في حين أن آخرين ليس لهم حظٌّ من صيامِه إلا الجوعُ والعطَش
فاللهَ اللهَ بالبِدارِ فيه بالعمل الصالحِ، واستِقبالِه استِقبالَ المُستبشِرين الفرِحين بفضل الله ورحمتِه، لا استِقبالَ المُتشائِمين المُشاغِبين الذين لا يرَونَ في الشهر إلا أنه موسِمٌ للعبَثِ بما يشِينُ ولا يَزينُ
ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (رمضان شهر القرآن)، التي تحدَّث فيها عن شهر رمضان، وتلك الميزة التي ميَّزه الله بها عما سِواه من الشهور، وهي أنه شهرُ القرآن؛ فقد نزلَ فيه القرآنُ الكريم، مُبيِّنًا عظمةَ هذا الكتاب العظيم، ومدَى تأثيره في قلوبِ الناسِ مُسلمين وكفَّار، وكان مما جاء في خطبته:
في هذه الأيام والليالي تشرئِبُّ النفوسُ وتتُوقُ، وتلهَجُ ألسُنُ الناسُ سرًّا وجهرًا أن يُبلِّغَها ربُّها شهرًا أودَعَ فيه من الخيرات والبركات والرحمات ما لم يودِعه في غيره، إنه شهرُ القرآن والفُرقان وباب الريَّان، إنه شهرُ ضياء المساجِد، والذكر والمحامِد .. شهرُ التوبة والأوبَة والقُنوت.
نسائم الشهر العظيم
لقد هبَّت نسائِمُ هذا الشهر العظيم في الأُفق وهي تحمِلُ في طيَّاتها عبَقًا، نشُمُّ نفحَاته مُقبِلةً، تزُفُّ البُشرى لأهل الصيامِ والقيامِ والصدقة، إنه عبيرُ رمضان المُبارَك، عبيرٌ يُبهِجُ نفوسًا أزكمَتها ذنوبُ الخلَوات، والتفريط في جنبِ الله في الجلَوات، إنه عبيرٌ ينسَخُ روائِحَ القسوةِ والدَّعَة والأثَرَة والجفَاء، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: 185).
إنه شهرٌ مُبارَك، لا يُخلِفُ موعِدَه الذي ارتسَمَه الله له، ولكن الناس هم الذين يُخلِفُون اللَّحاقَ بالرَّكبِ الكرامِ في رحابِه؛ إذ يصومُ الناسُ فيه عن المُفطِّرات، والغِيبَة والنَّميمَة، وقولِ الزُّور، والكِبر والأثَرة، في حين أن آخرين ليس لهم حظٌّ من صيامِه إلا الجوعُ والعطَش. ويقومُ فيه الناسُ لربِّهم مُخبِتين، يتلُون آياتِ الله فيه آناءَ الليل وأطرافَ النهار، يركَعون له ويسجُدون، ويُسبِّحونَه وله يقنُتُون، في حين إن آخرين منهم ليس لهم حظٌّ من قيامِه وتلاوتِه إلا التعبُ والسهرُ.
الأمة على موعد
إن الأمةَ الإسلامية - عباد الله - على موعِدٍ مع كتابِ الله في الشهر الذي أُنزِل فيه، إنهم سيجتَمِعون عليه في صُورةٍ وهيئةٍ لا تتكرَّرُ في غيره، إنهم على موعِدٍ أن يُنصِتُوا له جميعًا بسَكينةٍ ووقارٍ وخُشُوعٍ، ليُلامِسَ شِغافَ قلوبهم، إنهم سيَتلُون كتابَ ربِّهم في مشهَدٍ عظيمٍ، ليتأمَّلُوا كلامَ خالقهم الذي أدهشَ العقول، وحيَّر الألباب، وأبكَى العيون، وأحيَا القلوبَ والأفئِدة.
إنه القرآنُ الذي أدهشَ عُتبةَ بن رَبيعَة - وهو من المُشرِكين -؛ حيث ذهبَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعرِضَ عليه من المالِ والمُلك ما يكُفُّ به عما كان يدعُوهم إليه، فلما فرغَ عُتبةُ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أفرَغتَ يا أبا الوليد؟»، قال: نعم، قال: فاسمَع مني، قال: أفعل. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «بسم الله الرحمن الرحيم {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(فصلت: 1- 3)، فمضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرؤُها، وعُتبةُ مُنصِتٌ إليه، وقد ألقَى يدَيه خلفَ ظهره مُعتمِدًا عليهما، فسمِعَ منه حتى انتهَى.
فقام عُتبةُ إلى أصحابِه من قُريشٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: نحلِفُ بالله لقد جاءَكم أبو الوليد بغير الوجهِ الذي ذهبَ به، فقالوا: ما وراءَك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله ما سمِعتُ قولاً مثلَه قطُّ، واللهِ ما هو بالشعر ولا السحرِ ولا الكِهانة، يا معشرَ قُريش! أطيعُوني واجعَلُوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه؛ فوالله ليكُوننَّ لقولِه الذي سمِعتُ نبأً.
مخاطبة الرحمن
إنه كتابُ الله الكريم الذي من قامَ يقرؤُه فكأنما خاطبَ الرحمنَ بالكلِم، إنه أحسنُ الحديث الذي قال الله عنه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}(الزمر: 23).
أحسن القصص
وإنه أحسنُ القصص الذي قال الله عنه لنبيِّهصلى الله عليه وسلم : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}(يوسف: 3)، إنه القرآنُ العظيمُ الذي لو أُنزِلَ على جبلٍ لرأيتَه خاشِعًا مُتصدِّعًا من خشيةِ الله.
ألا فليتَ شِعرِي! علام تقسُو القلوبُ أمامَ كتابِ الله؟! علامَ يقرأ القرآنَ أقوامٌ فلا يُجاوِزُ تراقِيَهم؟ وعلامَ يكثُرُ ضحِكُهم ويقِلُّ بُكاؤُهم؟! ألا يقرؤون قولَ الله: {َأفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ}(النجم: 59- 61)، لقد قرأَ جعفرُ بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه- القرآنَ من سُورة مريم أمام النجاشيِّ -رضي الله عنه- وقد كان نصرانيًّا، فما كان من النجاشيِّ ومن معَه إلا أن فاضَت أعينُهم، فأنزلَ الله قولَه: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}(المائدة: 83).
شهر القرآن
إنه شهرُ القرآن ، وشهرُ التراويحِ التي تسمُو بقلبِ المُهتَدِي .. إن الأمةَ لفِي شوقٍ إلى إحياءِ ليلِ المسجِدِ، والأُنسِ بالقرآنِ في ليلِنا المُتجدِّدِ، إنه لعجَبٌ عُجابٌ أن ترى من لا تُرهِبُه آياتُ الوَعيد والترهيب، ومن لا تحُضُّه آياتُ الوعدِ والترغيبِ، عجَبًا لمن يسمعُ آياتِ الله تُتلَى فلا يخشَعُ ولا يُنيبُ، وإنما تدخُلُ من اليُمنى وتخرُجُ من اليُسرى!
ألا تعجَبُون - عباد الله - حين يكونُ بعضُ الجنِّ أرشدَ وأرقَّ من بعضِ الإنس؟! حين استَمَعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأُ القرآن، فرجَعوا إلى قومِهم وقالوا: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}(الأحقاف: 30، 31).
إن القلوبَ إذا غفَلَت قسَت، وإذا قسَت خلَت من دواعِي التدبُّر والخُشوع والإخبات؛ ولقد صدقَ الله إذ يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد: 24)، أعاذَنا الله وإياكم من القسوَة والغفلَة.
الله الله بالبدار
فاللهَ اللهَ بالبِدارِ فيه بالعمل الصالحِ، واستِقبالِه استِقبالَ المُستبشِرين الفرِحين بفضل الله ورحمتِه، لا استِقبالَ المُتشائِمين المُشاغِبين الذين لا يرَونَ في الشهر إلا أنه موسِمٌ للعبَثِ بما يشِينُ ولا يَزينُ، وما يخدِشُ الحياءَ من لهوٍ مقيت، يدلُّ عل استِهتارٍ بمقام الشهر وحُرمتِه؛ فإنما هو شهرٌ تُترَكُ فيه عوالِقُ الدنيا وزُخرُفُها، إنه شهرٌ تُحطُّ فيه الرِّحال، ليجأَرَ الصائِمون فيه إلى الله أن يمحُو ذنوبَهم وإسرافَهم في أمرِهم.
إنه شهرٌ تُشحَذُ فيه الهِمَمُ العليَّة ليلتفِتَ ذوُوها إلى إخوانٍ لهم في الدين لن يصُوموا كما يصُومون، ولن يُصلُّوا كما يُصلُّون، ولن يُفطِروا كما يُفطِرون، ولن يتسحَّروا كما يتسحَّرون، أثخَنَتهم الحروب، وروَّعَهم الاقتِتال، يفترِشُون الفقرَ، ويلتحِفُون المسغَبَة. ينامُ الصائِمون على صوتِ القرآن، وهم ينامُون على أصواتِ القنابِل والشَّظايا.
ألا فاتَّقُوا الله -عباد الله- وهلُمُّوا بقلوبِكم الرحيمة، وعواطِفِكم الرَّخيمة إلى استِقبال شهر الجُود بالجُود، وشهرِ القرآن بالقرآن، وشهر الدعاء بالدعاء، وشهر التوبة بالتوبة؛ فإنه قريبُ الوصول لكنه سريعُ الأُفول. لن ينتظِرَ كسلان، ولن يُجامِلَ لاهِيًا، شِعارُه للمُغتنِمين: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم : «من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا فقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه»؛ متفق عليه، وشِعارُه للاهِين المُفرِّطين: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم : «رغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ عليه رمضان، ثم انسلخَ قبل أن يُغفرَ له ..» الحديث رواه الترمذي وغيرُه.
لاتوجد تعليقات