رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 8 يونيو، 2016 0 تعليق

{من عمل صالحا فلنفسه} (3)


تقدم في العدد السابق تعريف العمل الصالح وبيان شروطه وأنواعه، وفي هذا العدد ذكر بعض ضوابط العمل الصالح.

أهل العمل الصالح مراتب

دلت النصوص الشرعية على تفاضل أهل الإيمان والعمل الصالح في الدنيا والآخرة

قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}.

 

     نقل ابن كثير عن ابن عباس في قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}، أنه قال: «هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم - ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب». قال ابن عاشور مبينا وجه إدخال الظالم في أهل الاصطفاء: «فهو تفصيل لمراتب المصطفين لتشمل البشارة جميع أصنافهم، ولا يظن أن الظالم لنفسه محروم منها، فمناط الاصطفاء هو الإيمان والإسلام وهو الانقياد بالقول والاستسلام. وقدم في التفصيل ذكر الظالم لنفسه لدفع توهم حرمانه من الجنة وتعجيلا لمسرته». وقال -صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» أخرجه أبو داود وحسنه الألباني.

قال الحليمي: «فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيماناً من بعض».

الأعمال الصالحة درجات

دلت النصوص الشرعية على أن الأعمال الصالحة تنقسم إلى واجبات ومستحبات كما قال -عز وجل- في الحديث القدسي: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»  أخرجه البخاري.

أما تفاضل الأعمال الصالحة فهو من جهات عديدة:

أولاً: تفاضل الصالحات من حيث الجنس:

فالفرائض أفضل من النوافل، والصلاة أفضل من قراءة القرآن، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء.

ثانياً: تفاضل الصالحات من حيث الشخص:

     فقد يقوم شخصان بأداء عمل واحد في الصورة لكن يتفاوتان من حيث الأجر والمثوبة بحسب ما يحتف بأحدهما من موجبات التفاضل، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»  متفق عليه.  قال النووي: «ومعناه لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مدا ولا نصف مد. وقال -صلى الله عليه وسلم -: «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى»  أخرجه الطبراني، فالصلاة واحدة ولكن كلما كثرت الجماعة كان أحب إلى الله.

ثالثاً: تفاضل الصالحات من حيث الزمان:

وذلك أن الله -تعالى- قد خص بعض الأزمان بمزيد من الفضل والإكرام كما في قوله تعالى: " ليلة القدر خير من ألف شهر"، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»  قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله».

رابعاً: تفاضل الصالحات من حيث المكان:

     وذلك أن الله تعالى قد خص بعض الأماكن بمزيد فضل وبركة كما قال -تعالى-: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (الإسراء:1)، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». 

العمل الصالح والمداومة «قليل دائم خير من كثير منقطع».

أكدت الأدلة الشرعية على فضل العمل القليل الدائم على العمل الكثير المنقطع؛ فعن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل» أخرجه البخاري.

قال ابن حجر: «ثم ختم ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولاً أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجراً لكن ليس فيه مداومة». وقال -صلى الله عليه وسلم -: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون». أخرجه البخاري

قال ابن حجر: «والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، وقوله: «ما تطيقون»  أي: قدر طاقتكم، والحاصل أنه أمر بالجد في العبادة والإبلاغ بها إلى حد النهاية لكن بقيد ما لا تقع معه المشقة المفضية إلى السآمة والملال».

وعن عبدالله بن عمرو قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل»  متفق عليه.

     قال ابن حجر: «وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. والترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها، وهو مذموم».

العمل الصالح والمشقة

     من ضوابط العمل الصالح أنه ليس بشاق مشقة غير معتادة، ولا يشترط أن يكون شاقا، فالمشقة ليست مقصودة فيه ولا مطلوبة لذاتها، وذلك لإن الإسلام دين ميسر سهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتروكه، فكل مكلف يرى نفسه قادرا عليها لا تشق عليه ولا تكلفه، كما قال -تعالى-: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقوله -تعالى-: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقوله -تعالى-: {يريد الله أن يخفف عنكم}.

     وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم -: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة» قال الشاطبي: وسمى بالحنيفية لما فيها من التيسير والتسهيل. وقال -صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».

     وقال -صلى الله عليه وسلم -: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا»  وقال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».  وقالت عائشة: «ما خيّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما». ويدل على هذا تشريع الرخص مراعاة لمصالح العباد ورفعا للحرج والمشقة عنهم بالتخفيف.

     فالمشقة ليست مقصودة ولا مطلوبة ولكن إن عرضت للمكلف فأجره على قدر صبره على تلك المشقة قال شيخ الإسلام: «كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم - لعائشة في العمرة: «أجرك على قدر نصبك»؛ لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر، وقوله -صلى الله عليه وسلم -: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة،والذي يقرؤه ويتتعتع فيه،وهو عليه شاق له أجران».

     فكثيرًا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل؛ لكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم.

     وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوبًا مقربًا إلى اللّه ؛ لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم. وأما الحنفاء فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

المسؤولية الفردية عن العمل الصالح

دلت النصوص الشرعية على أن المكلف مسؤول عن أعماله كلها الصالح منها وغير الصالح، قال سبحانه: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}.

     قال ابن سعدي: «من عمل صالحا وهو العمل الذي أمر الله به، ورسوله فلنفسه نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة ومن أساء فعليها ضرره وعقابه، في الدنيا والآخرة، وفي هذا، حث على فعل الخير، وترك الشر، وانتفاع العاملين، بأعمالهم الحسنة، وضررهم بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. وما ربك بظلام للعبيد فيحمل أحدا فوق سيئاتهم».

وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}.

قال ابن كثير: «أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم».

العمل الصالح وتوفيق الله تعالى

     من ضوابط العمل الصالح أنه بتوفيق الله تعالى ابتداء وانتهاء؛ فلا يغتر أحد بعمله، ولا يأمن أحد سوء عاقبة أمره، فعن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لن ينجي أحدا منكم عمله»  قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: «ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن سددوا» متفق عليه.

وعن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «سدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا؛ فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه»  قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يَتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة» أخرجه البخاري.

     قال النووي: «وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}، {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل. وهو مراد الأحاديث.

ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها، وهي من الرحمة. والله أعلم.

     قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: «ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبَّب؛ فإن المطر إذا نزل وبُذِر الحب، لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريحٍ مُربية بإذن الله، ولا بدَّ من صرْف الانتفاءِ عنه؛ فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزالِ الماء في الفرج، بل كم مَن أنزل ولم يولَد له؛ بل لا بد من أن اللهَ شاء خَلْقه، فتَحْبَل المرأةُ وتُربيه في الرحم، وسائر ما يتم به خَلقه من الشروط وزوال الموانع.

وكذلك أمر الآخرة ليس بمجردِ العمل ينال الإنسانُ السعادةَ، بل هي سبب؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لن يَدخُل أحدُكم الجنةَ بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدَني اللهُ برحمةٍ منه وفضلٍ».

وقد قال: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}فهذه باءُ السبب؛ أي: بسبب أعمالِكم، والذي نفاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - باءَ المقابلة؛ كما يقال: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك