رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 17 مايو، 2016 0 تعليق

الشيخ مشهور بن حسن لـ«لفرقان»: لـله سـنن في التغيير وآن للناس أن تغير بالنصيحة وبالسبل المشروعة

سنن الله في الكون اقتضت أن الذي يريد أن يغير لابد أن يتَّبع  طريق الأنبياء المستقيم الآمن، ومن سار على دربهم من الـمصلحين

التحالف الإسلامي جاء متأخرًا، وهو خطوة مباركة كان ينبغي لأهل السنة منذ زمن أن تجتمع قوتهم المادية والمعنوية، وأن يجتمعوا خلف علمائهم وخلف أمرائهم

المصالح والمفاسد باب واسع، ولكنها مضبوطة بقواعد، ولا يدرك هذه القواعد إلا العلماء الربانيون

الإصلاح الحقيقي للأمة إنما يكون بالعلماء، وكل إصلاح لم يقم على أسس العلم، فهو ليس بإصلاح حقيقي

بعض الناس يظن أننا إذا قلنا بطاعة أولياء الأمور، أننا بذلك نقبل المنكرات الظاهرات في المجتمعات، ونحن نبرأ إلى الله من هذا

الواجب على العامة أن يعرفوا كبراءهم وعلماءهم، لأنهم أسهل طريق للوصول للحق ولا سيما وقت الفتن

 

مازالت أوطاننا العربية تعاني تداعيات ما سمي بالربيع العربي،  الذي لم يراع في مجمله القواعد الشرعية في فقه التغيير، وسنن الله فيه،  حول هذا الموضوع وحول منهج الأنبياء في التغيير، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقه المصالح والمفاسد، ودور علماء الدعوة السلفية في إرشاد الناس إلى ما يصلح

دينهم ودنياهم. كان هذا الحوار مع الشيخ الفاضل: مشهور بن حسن آل سلمان حفظه الله.

 

- بعد مرور حوالي خمس سنوات على ثورات ما سمي بالربيع العربي كيف ترى سنن الله في التغيير على واقعنا العربي، خلال تلك الفترة من الزمن؟

- الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يطيب لي هذا اللقاء مع إخواني في مجلة الفرقان، وأسأل الله أن يجعلها منبرًا للحق، وأن يجعلها سببًا لرد الناس للصواب، منذ البدايات قلنا: لا هي ربيع ولا هي عربية، هي خريف غربي، ويجب على الأمة أن تعلم أنه لا سبيل لها أن تتنكب سنن الله في التغيير، فلله سنن في التغيير، وهذه السنن مذكورة بالتنظير والتأصيل مجردة عن التطبيق، ثم مذكورة في منهج الأنبياء في التطبيق، ولا يجوز لأصحاب الفكر والعقل أن يتعدوا على المذكور لا في هذا ولا في ذاك.

     وحتى تتضح الأمور على أتم وجه وأكمله شاء الله في سنته في كونه أن يجعلها سننًا كونية؛ ولذا لما ذكر الله قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} سبقها بقوله {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} فهذه سنة كونية، ثم ذُكرت في سورة الرعد، وكلها سنن كونية، ثم قال تعالى: {إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، ثم قال بعدها: {وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال}، وذكر بعدها مباشرة: {ويريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته}، وبدأ ربنا -تعالى- بسرد ذكر السنن الكونية، فسنن الله في الكون اقتضت أن الذي يريد أن يغير لابد أن يتَّبع  طريق الأنبياء المستقيم الآمن، ومن سار على دربهم من الـمصلحين، كالذي يريد أن يخرج من هذه الغرفة من غير الباب، كأن يريد أن يخرج من الجدار، فكلما خرج من الجدار ضرب رأسه به، فإذا كان عاقلاً ينتبه وإذا كان غير عاقل ينتظر حتى يترنح ويسقط.

     آن للناس أن تعرف الباب، أن تترك الثورات، وأن تطيع أولياء الأمور، وأن تغير بالمتاح وبالنصيحة وبالسبل الشرعية المعروفة، فنحن ننكر المنكرات الموجودة في المجتمعات الإسلامية ولا نقبلها، ولا نقرها، ونبرأ إلى الله منها، لكن خلط الأوراق وعدم وضع الأشياء في أماكنها هي المشكلة.

     فبعض الناس يظن أننا إذا قلنا بطاعة أولياء الأمور، أننا بذلك نقبل المنكرات الظاهرات في المجتمعات، ونحن نبرأ إلى الله من هذا، نحن ندقق في صغائر المسائل، ونتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم  في صغار الأمور، فما جاء به الشرع فعلى العين والرأس، وما خالفه ننكره بطريقة الشرع، فلا يجوز لنا أن ننكر شيئا ويكون لأنفسنا حظ فيه، فالشباب المتحمس عندهم ردة فعل، وتكون عندهم أمور غير مدروسة في مآلات الأحوال، والشاطبي -حمه الله تعالى- يقول في الموافقات : «النظر إلى مآلات الأفعال من سيما الموفقين»؛ فالموفق هو الذي ينظر إلى مآلات الأفعال.

     الربيع العربي ربيع طارئ جاء بملابسات ومناسبات كان من أهم أسبابه تفجير الرغبات؛ رغبات إنسانية في نفوس الناس من وقوع ظلم؛ يستشعرون بوقوع الظلم، وكثير من الظواهر السلبية الموجودة من المخالفات الشرعية وغيرها فقامت تلك الثورات، ولكن الطريقة الشرعية ليست هذه، فلا يمكن أن يقع تغيير بغير قول الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

- ماهي ضوابط الاستدلال بأفعال بعض التابعين في قضية إنكار المنكر مثل: (سعيد بن جبير) وغيره ممن أنكروا المنكر على ولي الأمر؟.

- أقوال العلماء من التابعين فمن بعدهم، حتى أقوال آحاد الصحابة، على الإجلال الكبير للصحابة وهناك فارق بين الصحابة والتابعين، هذه الأقوال يُحتج لها ولا يُحتج بها، فهي تحتاج إلى دليل وهي ليست دليلا.

     ومعلوم أنه ما وقع خروج قط في هذه الأمة إلا وكانت مضاره أكثر من مصالحه، وما حصدنا وما رأينا في ذلك الأمر خيرًا قط؛ (أحمد بن نصر الخزاعي) لما قام بثورته المشهورة وجاد بنفسه، الإمام أحمد أنكر عليه وترحم عليه، فأهل السنة يقولون الحق، (أحمد بن ناصر الخزاعي) فاضل وعالم وترجم له الإمام الذهبي في السير، ولما قام على (المأمون) بسبب فتنة خلق القرآن وغيره ممن هو أشهر منه وأعلم منه، لماذا يُسكت عنهم ويُنظر إلى (أحمد بن نصر الخزاعي) فقط؟

     ثم إذا نظرنا إلى (أحمد بن نصر الخزاعي) وأنا الآن أمثل على الإجمال الذي ذكرته في سؤالك، فلماذا لا يُنظر إلى أقوال العلماء فيه، ابن عمر مثلا يقول عن ابن الزبير: «لقد نصحته فما استجاب -رحمه الله-» فلماذا لا يُنظر لهذا القول: «قد نصحته فما استجاب»؟ لماذا لا يُنظر لكلام الإمام أحمد في أحمد بن نصر الخزاعي -رحمه الله- «جاد بنفسه لو أنه لم يصنع»، أو نحو هذه العبارات؟

     أهل السنة يذكرون الذي لهم والذي عليهم، وأهل البدع يذكرون الذي لهم ولا يذكرون الذي عليهم، ورحم الله وكيعاً حين قال فيما أخرج الدارقطني في أوائل السنن، وأخرج البخاري في خلق أفعال العباد عن وكيع بن الجراح الرؤاسي قال: «من استدل بالحديث النبوي لينصر رأيه فهو مبتدع»، أي جعل رأيه هو الأصل وبحث له عن دليل كشأن أهل الباطل، انظر إلى المرابي ماذا يقول : (إنما البيع مثل الربا) فجعل الربا هو الأصل، ولو كان صادقاً لقال: (إنما الربا مثل البيع)، فجعل الحلال أصلاً، فالذي يتكلم عنه الإمام وكيع أنه استدل به لا لأنه حديث، بل لينصر رأيه، فكيف بهؤلاء الذين يحتجون بأشياء هي أصلاً على الميزان العلمي ليست أدلة؟ كما أنه ورد فيها ملابسات ومناسبات لا تأذن بمثل هذا الاحتجاج، والله أعلم.

- هل تأثرت الدعوة السلفية التي هي على نهج النبي صلى الله عليه وسلم بنتائج هذه الثورات؟

- هذه الثورات بلا شك لها جانبان سلبي وإيجابي؛ فالجانب الإيجابي لها، أنها عمقت في أذهان الراسخين وطلبة العلم المتمكنين، وكذلك الراسخين من المشايخ، رؤية العلماء الكبار، وأنهم إن خرجوا عن تقريرات هؤلاء الكبار، فإنهم سيندمون، وأكثر ما حصل هذا الأمر عند إخواننا في مصر، أسأل الله -تعالى- أن يحفظهم وأن يحفظ مصر؛ فإخواننا المشايخ المنشغلون بالإعلام الذين يسبقون الأحداث ويُثَوِّرون الناس، كانت لهم مواقف الواجب عليهم أن يتوبوا منها؛ لأن الأجيال القادمة ربما تستلهم مواقف بعض المشايخ هذه الأيام بعد عقود أو بعد قرون لا ندري.

     فالواجب على من أخطأ أن يبين، ونحن أصحاب دعوة تُحكم بالأدلة، والواجب علينا مثل ما علَّمنا المشايخ الذين لهم أقوال في الفقه ولهم أقوال في التصحيح والتضعيف في الأحاديث، ومتى ظهر للمشايخ الكبار رأي غير الرأي الأول رجعوا لكن ما اختلفوا في مسائل المنهج، فنحن منسوبون لهم إن شذذنا وخرجنا عن منهجهم - فالواجب علينا أن نعود إلى الطريق السليم، وألا نحمل أنفسنا الذنوب التي سيرتكبها من بعدنا ممن يستلهم مواقفنا، وأنا أدعو إخواني المشايخ وأحبتي ممن أخطؤوا في الربيع العربي إلى التوبة والتصريح والتوضيح أننا أخطأنا في الاعتصامات، وأخطأنا أننا قلنا سنعتصم أناوزوجي وأولادي ومثل هذه العبارات.

     والمتأمل للآية في قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (إن) هنا للتأكيد وبدأ بالنفي حتى يُفهم منه الحصر ثم ذكر تغييرين؛ التغيير الذي لا يعجزه -سبحانه- أبداً، وعلق تغييره على تغييرنا، ثم قال -جل في علاه- (يغير ما بقوم) و(ما) هنا تفيد التقليل كقوله تعالى: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة...} فحتى الأمر القليل لا يمكن أن يقع التغيير بقوة سحرية، بل لابد أن نغير نحن أولاً ثم هم يغيرون: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

     العلماء يقولون (ما بقوم) قالوا (قوم) نكرة وهي في سياق النفي (لا يغير) والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، هكذا يقول علماء الأصول، يعني هؤلاء القوم: (مصريون، تونسيون، جزائريون، سوريون، يمنيون...) البلاد الملتهبة هذه تشملها، وستبقى سنة ثابتة باقية لا تقبل أن تتبدل أو أن تتحول؛ لأن الله -تعالى- ذكرها في معرض سننه الكونية الأرضية والسماوية، بل ذكر قبلها ما يخص الملائكة فقال: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} وذكر بعدها الرعد والبرق وما شابه ذلك من السنن الكونية، والله أعلم.

- حصلت فجوة هائلة بعد الثورة بين الناس والعلماء، كيف نعيد هذه الثقة، ولاسيما مع وجود حملة موجهة لزيادة هذه الهوة؟

- أما العالم فلا يهمه القلة والكثرة، ولا يهمه هل قبله العامة أم لا؟ والواجب على العامة أن تعود للعلماء؛ لأن المفسرين يذكرون في تفسير قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} يقولون: (أولو الأمر): هم العلماء والأمراء، أبو هريرة أو البخاري في الصحيح التفت لهذا وجمع من التابعين ممن نظر في المطولات في الآية، فيجد أن السلف الصالح وهذا ليس من خلاف التضاد بل هو من خلاف التنوع، بلا شك الناس يحتاجون إلى أمراء يصلحون لهم أمور دنياهم وعلماء يصلحون لهم أمور أخراهم، العامة يؤثر فيهم الإعلام والواجب أن نربط العامة بالعلماء، وأن نردد شعاراً، وينبغي أن نركز عليه كثيراً، ولاسيما وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، وهو أن المسائل الكبار للعلماء الكبار، ولا يجوز للصغار أن يتكلموا في المسائل الكبار، ولا يجوز للمسلم العامي أن يأخذ موقفه في الفتن والأحداث الكبار من الإعلام ومن جهات مشبوهة ومن محطات تنادي على نفسها بنفسها من السياق والسباق وما قبلها وما بعدها أنها فاجرة وأنها فاسقة وأنها لا تتقي الله، فكيف بمسائل الأمة الكبار فيما يخص الشؤون الكبار؛ شؤون الحكام والأمراء، وشؤون تنظيم الحياة، فالواجب على العامة أن يعرفوا رؤوسهم، وأن يعرفوا كبراءهم وعلماءهم، وأسهل طريق للوصول للحق من أقرب طرقه، نسأل في وقت الفتنة ما هو موقف العلماء؟ فالعلماء إن فقدوا ثقتهم فإن هذا الفقدان آني له مسوغات فإن زالت فينبغي للأمور أن تعود، فلعل الناس يرعوون مع تكرر الأحداث فلعلهم يستفيدون، (أبو نعيم) يخرج عن (الحسن البصري) يقول: «الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، فإذا أدبرت وولت عرفها كل جاهل»؛ فالناس الآن جهال عرفوا الفتنة بعد أن أقبلت وأدبرت، أما علماؤنا فقد عرفوها قبل أن تأتي، وآن للعوام الآن بعد أن جربوا وشاهدوا ورأوا، آن لهم أن يعرفوا قيمة علمائهم، وأن يعضوا بالنواجذ عليهم، وأن يلزموا غرز العلماء.

- هل سكوت العالم أحيانًا عن الكلام في مثل هذه الفتن شيء يُذم؟

- مسألة المصالح والمفاسد باب واسع، ولكنها مضبوطة بقواعد، وقلَّ من يدرك هذه القواعد، والعلماء يدركونها، وباب كتمان العلم هذا باب في صحيح البخاري، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: «عندي جرابان من العلم مسكت أحدهما وبثثت أحدهما» وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا الحلقوم، وكان يشير على حلقومه، وهذا أظنه أسنده الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عنه. فالعالم له أن يكتم العلم لكنه لا يجوز له أن يسكت عن كليات النجاة، الواجب علينا الآن أمران: الأول على العوام: فالعوام الآن بحكم ما يرى وما يجري وما يمكن أن يستشرفه صاحب البصيرة، الزمن زمن فتنة والفتن تشتد مضي الزمن، كما قلت يستشرفه أصحاب البصيرة، الواجب العيني على عوام مسلمي الأمة أن يعرفوا معالم عامة للفتنة على وجه يستطيعون النجاة منها والخلاص من آثارها السلبية، والواجب على العلماء أن يفصلوا وأن يبينوا ويحذروا أمتهم من هذه الأحاديث.

     فالناس في أحاديث الفتن مع الأسف ثلاثة أصناف؛ صنفان مذمومان، وصنف وسط، فمن لا يُلق بالاً لأحاديث الفتن ولا يعرفها ولا يذكرها فهذه مصيبة من المصائب، وهذا يظهر عند بعض الشباب المتحمس، يظن أن الجهاد مثل فرض الفجر، ولا يعلم أن الجهاد باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويترتب عليه مصالح ومفاسد.صنف آخر يتعلم أحكام الفتن وهو جبري فيفهمها على غير منهج السلف الصالح، ينتظر وقوعها، ويفتش عنها بيديه، ويبدأ يسقطها على الأحداث، وهذا مذهب جبري بدعي، ما هكذا فهم الصحابة أحاديث الفتن، وصنف يعلمها ليحذرها ويحاربها ويجفف مواردها، فالفتنة إن لم نغزها غزتنا، وإن لم نحاربها جاءتنا، وإن لم نعمل على تجفيف مواردها فسرعان ما تحتل عقولنا، وبعد ذلك تحتل ديارنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.

- كيف نعالج انصراف الشباب عن حلق العلم، وانفضاضهم من حول العلماء؟

- الثبات من الموفقين، وهذا الطريق - طريق العلم - يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في صحيح البخاري: «من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، هذا الحديث له منطوق وله مفهوم، أما منطوقه: أن الذي يريد به الله خيرًا يفقهه في الدين، وأما مفهومه: أن الذي لا يطلب العلم، ولا يثبت عليه لا يريد به الله خيرًا.

     وهذا المفهوم خطير؛ فبعض الناس يري نفسه عنده عجب وكبر ويرى أن عنده طاقات، ولم يتمسكن لله تعالى، ولم ينقطع من حوله وقوته، وبالتالي هو يعاقَب بذنوب قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية، فطريق العلم لا يثبت عليه إلا المخلص، والصادق ومن حقق الافتقار إلى الله عزوجل، فابتعد عن العوائق والقواطع والموانع، فكم من إنسان طلب العلم وتركه لأنه ما افتقر إلى الله! العلم اختيار، العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكنهم ورثوا العلم، النبوة ليست اكتسابًا، قال تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}.

     فأقول الخيرة ليست لكم، الخيرة لربي، فمن كان على خير وأراد الله به خيرًا أبقاه طالب علم، وهؤلاء الذين يتنكبون هم الخاسرون، وسنة الله قاضية أنه لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق إلى قيام الساعة، فالحقوا بالركب وتوبوا إلى الله من مخالفاتكم، ارجعوا إلى أولياء أموركم واعلموا أنه لا يصلح دينكم إلا بطاعة علمائكم، أسند أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر الوراق قال الناس ثلاثة: «علماء وأمراء وفقراء؛ فإذا فسد العلماء فسد الدين، وإذا فسد الأمراء فسدت المعيشة، وإذا فسد الفقراء فسدت الأخلاق».

- في ظل موجات الإلحاد والتغريب وعلمنة عقول الشباب المسلم، كيف يمكن تحصين هؤلاء الشباب؟ وما دور العلماء في هذه المحنة؟

- الواجب مشترك، المخالفات التي تقع فيها العقوبات التي تظهر على إثرها المخالفات الكبيرة الظاهرة، لاسيما التي عمت واشتهرت وطمت في المجتمع، هي ليست مخالفة فرد، إنما مخالفة وقصور مجموعة جهات، فالإعلام له دور، أولياء الأمور لهم دور، العلماء وطلبة العلم لهم دور، والقضاء الحقيقي على الباطل يكون بالتأصيل العلمي، لكن دائما المتميزون قلة، فينبغي أن تنقل تقريرات هؤلاء العلماء، وأن تكون هناك علاقة حسنة بين جميع الأطراف، وأن يُعطى كل ذي حق حقه، وأن نفند الشبه ونركز على الباطل الذي فيها، وألا نصطنع أعداء، وألا نتعرض لهيئات أو أشخاص، وإنما همنا تشخيص الباطل وبيان العوار الذي فيه على وجه بين من غير هوادة ومن غير مراعاة لأي أحد، لكن العلماء هم الذين يبينون؛ لذا حياة الأمة بحياة علمائها، والإصلاح الحقيقي للأمة إنما يكون بالعلماء، وكل إصلاح ما قام على أسس العلم، فهو ليس بإصلاح حقيقي، كما يقول الإمام أحمد: «حاجة الأمة للعلماء كحاجتهم للماء والهواء».

- كيف رأيتم ما سُمي بالتحالف الإسلامي الذي قادته المملكة العربية السعودية؟ وما رؤيتكم لهذا التحالف؟

- حقيقة، رؤيتي للتحالف أنه جاء متأخرًا، وهو خطوة مباركة كان ينبغي لأهل السنة أن تجتمع قوتهم المادية والمعنوية، وأن يجتمعوا خلف علمائهم وخلف أمرائهم، والمملكة العربية السعودية بلدة مباركة، وهي بلدة التوحيد، والواجب عليها كبير، والواجب عليها أن تكون دولة توحيد، تصدر التوحيد، وأن تركز عليه في خارج البلاد، وهي دولة مستهدفة؛ أسأل الله أن يحفظها وأن يحفظ قيادتها، وأسأل الله أن يعينها على أداء رسالتها التي ورثتها عن أسلافهم الذين حملوا التوحيد والسنة، وحافظوا على العلم والقرآن تحكيمًا وتعليمًا وتدريسًا، كما أنهم حافظوا عليه نشرًا وطباعة، كما أنهم أهدوا كل بيت مسلم نسخة من المصحف، وأرجو أن يكون هذا الإهداء رمزًا أن يعينوا المسلمين في كل أقطار الأرض على إقامة الدين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك