شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 52 )باب: ما يجب في إتيان المسجد على من سمع النداء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
323.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ».
الشرح: قال المنذري: باب: ما يجب في إتيان المسجد على من سمع النداء. والحديث رواه مسلم في المساجد (1/452) وبوب عليه النووي: باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء.
قوله «أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْمَى» هذا الرجل الأعمى هو عبد الله ابن أم مكتوم، كما جاء مفسرا في سنن أبي داود وغيره.
قوله «هل تسمع النداء»؟ سأله ليعلم حاله، وهل له استثناء أم لا؟ وفيه: أن السؤال من المفتي لمعرفة حال المستفتي وما يناسبه من أحكام الشرع، مطلوب ومهم.
وفيه: أن ترك الاستفصال والاستفسار، ينزل منزلة العموم في المقال، وهي قاعدة فقهية مفيدة.
قوله «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ» وفي رواية «ليس لي قائد يلائمني» أي له قائد يقوده إلى المسجد، لكن لا يتلاءم معه، إما أنه لا يتيسر له دوما، أو لايتلاءم معه لخلقه، أو غير ذلك.
قوله: «فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟».
ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنا ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال «تسمع النداء»؟ قال: نعم. قال: «لا أجد لك رخصة».
وهذا الحديث وغيره: دليل على أن صلاة الجماعة فرضٌ عين، كما هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الإمام أحمد وغيره.
فإن قوله عليه الصلاة والسلام :«فأجب» أمرٌ، والأمر المطلق للوجوب، فكيف إذا صرَّح صاحب الشرع، بأنه لا رخصة للعبد في التخلف عنها لضرير شاسع الدار، لا يلائمه قائده، فلو كان العبد مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير والتخفيف مثل هذا الأعمى.
وقد اختلف العلماء في توجيه حديث ابن أم مكتوم هذا؛ لأن ظاهره إلزام الأعمى بحضور الجماعة، وهو مما يخالف التيسير والتخفيف.
فقال بعضهم إنه منسوخ، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان ؛ فإنّ الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم، يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد.
(فتح الباري) لابن رجب (2 / 389، 390).
وحديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ المقصود هو قَولَه: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَ: «أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ.
رواه البخاري (804) ومسلم (33).
وقال آخرون: إن ابن أم مكتوم كان طلبه الحصول على أجر الجماعة في المسجد إذا صلَّى في بيته، لكونه معذوراً بتلك الأعذار، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أجر له إلا بالحضور.
قال الخَطَّابيُّ رحمه الله: وأكثر أصحاب الشَّافعيِّ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الكِفاية، لا على الأعيان، وتأوّلوا حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم على أنَّه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. معالم السنن (1 / 292).
وقال فريق ثالث: إن الأمر بحضور الصلاة في المسجد بقوله: «أَجِبْ» لا يُحمل على الوجوب بل على الاستحباب؟!
هذه مجمل الأقوال في حديث ابن أم مكتوم، والصحيح أن كل ما سبق لا ينهض لرد ظاهر الحديث، من إيجاب الجماعة على ابن أم مكتوم رضي الله عنه ، ومنْ كان في مثل حاله، وأنه ليس في ذلك إلقاء للنفس في التهلكة، وكل أوامر الشرع لا يُكلَّف بها إلا المستطيع على أدائها، والمشقة لا تُسقط الواجبات، بل الذي يسقطها وجود الضرر.
وأما القول بالنسخ فبعيدٌ، لأسباب منها:
أ- أنه لا يُعرف المتقدم من المتأخر من الحديثين، وهذا شرطٌ للقول بالنسخ.
ب- وجود الفرق بين حال الصحابيين رضي الله عنهما، فإن ابن أم مكتوم قد وُلد أعمى، ومثل هذا يكيِّف نفسه على الحياة، ويستطيع ما لا يستطيعه من عمي في كبره، وقد لحظ هذا بعض العلماء؛ ولذا فرَّقوا بين ابن أم مكتوم وبين عتبان ] الذي قد عمي في كبره.
ج- أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أراد الرخصة للصلاة في البيت، وعتبان رضي الله عنه أراد أن يتخذ مسجداً في داره ليصلي فيه هو وأهل بيته ومن قرب منهم، فهو قد انتقل من مسجد إلى مسجد، وابن أم مكتوم أراد الانتقال إلى بيته، فافترقا، وهذا أحسن ما جُمع به بين الحديثين.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مسجداً، يؤذن فيه ويقيم، ويصلِّي بجماعة أهل داره ومن قرُب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يجمع فيه.
وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جُمع به بين الحديثين. فتح الباري لابن رجب (2 / 391، 392).
د. ليس في حديث عتبان رضي الله عنه أنه كان يسمع النداء، بخلاف ابن أم مكتوم رضي الله عنه .
هـ. كما أنّ حمل قوله صلى الله عليه وسلم : «فأَجِب» على الاستحباب، خلاف الأصل المشهور بين أهل العلم والفقه ؛ لأنّ الأصل في الأوامر الوجوب.
فالقول بالوجوب لمثل حال ابن أم مكتوم هو القول الصواب، ما لم يكن الضرر متحققا بيقين أو غلبة ظن، وهو قول أكابر أئمة الحديث.
وهذه بعض أقوال الأئمة في حديث ابن أم مكتوم:
فقال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه (2 / 368) مبوِّباً على حديث ابن أم مكتوم:
باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة، وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد، لا يطاوعهم قائدوهم بإتيانهم إياهم المساجد، والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة؛ إذْ غير جائز أن يقال لا رخصة للمرء في ترك الفضيلة. انتهى.
وكذا قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ذكر إيجاب حضور الجماعة على العميان وإن بعُدت منازلهم عن المسجد، ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لا ندب. «الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف» (4 / 132).
وقال رحمه الله أيضاً: فدلَّت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على مَن لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير «لا أجد لك رخصة»، فإذا كان الأعمى كذلك لا رخصة له، فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة. «الأوسط» (4 / 134).
ولا يتصورنَّ أحدٌ أن الشريعة تأتي بما فيه إتلاف للنفوس، ولا ما فيه ضرر على المكلفين، وقد عذرت الشريعة المبصرين المكلفين عن الحضور للمسجد لصلاة الجماعة في الحال التي يتضررون بها، وشرعت لهم الصلاة في بيوتهم، وأن يقال في الأذان «صلوا في رحالكم»، وشرعت الصلاة في البيت في المرض والخوف والتعب الشديد، فالشريعة يسر كلها، وقد رُفع الحرج عن أتباعها، والناس يختلفون في قدراتهم، فمن استطاع الوصول للمسجد فيجب عليه ذلك ولو بمشقة، ومن يتضرر بمجيئه فإنه يُرفع عنه الحرج، وله رخصة أنْ يصلي في بيته على أن يحرص على الصلاة جماعة.
والله أعلم
لاتوجد تعليقات