رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سالم الناشي 21 مارس، 2016 0 تعليق

من المستحيلات- فساد الإسناد

     كثير ما يتحدث السياسيون، وعلماء المال والاقتصاد عن خطورة هدر الأموال، والإسراف والعبث بمقدرات الشعوب التنموية، ويغفلون عن قضية أساسية هي أكثر خطرا، وأشد في التأثير على المجتمعات وتطورها، ألا وهي قضية إسناد الأمر إلى غير أهله! ووضع الشخص غير المناسب في المناصب القيادية، وتهميش الأكفاء والمتميزين، وبالتالي يصبح القادة والمبدعون على هامش الإنتاج والتنمية، وأما الفاشلون والمتمصلحون وطلاب المناصب، وأصحاب العلاقات الخاصة والصفقات التي تدار تحت الطاولات هم البارزون والقادة وهم أصحاب الشأن. هذه الوضعية تنتج فاشلين وبلهاء وعالة على الوظائف القيادية؛ فلا يمكن لفاشل أن يعين نابهاً، ولا يمكن لأبله أن يستعين بمتميز.

     هذا الفساد الذي انتشر حتى أصبح ظاهرة في التعيين والاختيار للمناصب هو إيذان بضرب الأوضاع الإدارية، وخراب المشاريع التنموية، وفساد للهواء الذي يحيط بالمجتمعات؛ لذا لا غرابة أن يقرن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل القبيح بقيام الساعة؛ وذلك لشدته وهوله قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل الشنيع بالأمانة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

إذاً إسناد الأمر إلى غير أهله هو من تضييع الأمانة، وضياع الأمانة باب للخيانة والفساد العظيم،  وضياع الأمانة أي رفعها من الناس إما كليا أو جزئيا يكون برفع الأمناء والصادقين والمخلصين الذين تقوم بهم الأمم، وتنهض بفكرهم الشعوب.

     وإذا صار من لا يستحق يتحكم في أمور الناس؛ فإن الأحوال تنقلب رأسا على عقب فيصُدِّقُ الكاذبُ، ويكُذِّبُ الصادقُ، ويؤتُمِنُ الخائنُ، ويخوِّنُ الأمينُ، ويتكلَّمُ الجاهلُ، ويسكتُ العالم. فإذا كان رفع الأمانة مرتبطاً بتولية الناس، وأنها علامة من علامات قيام الساعة؛ كذلك فإن رفع العلم وظهور الجهل صفتان ارتبطتا بقيام الساعة، قال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : «إنّ من أشراط الساعة أن يُرفَعَ العلمُ، ويظهر الجهلُ»، وأخبر: «أنَّه يقبضُ العلمُ بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالا، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».

وقال الشَّعبي: «لا تقومُ السَّاعة حتى يصيرَ العلمُ جهلا، والجهلُ علمًا». وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان، وانعكاس الأمور. وفي (صحيح الحاكم) عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «إن من أشراط الساعة أن يُوضع الأخيارُ، ويُرفع الأشرارُ».

والحديث الشريف يؤسس منهجاً علمياً مهما في الإدارة الحديثة، وأن الإخلال بقضية شفافية التعيين والاختيار للمناصب القيادية يمثل خللا جوهريا في السلطة الإدارية.

     والكاتب عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل الشيخ يوضح أهمية الحديث الشريف بقوله: «والرسول صلى الله عليه وسلم يقول -وهو الصادق دوما- بأن الأمر إذا أسند إلى غير المؤهل في أي مهمة فقد ضاعت أمانة هذا الأمر، والأمانة هنا هي الأمانة الشاملة، الأمانة في المال، في القرار، في السلطة،في الصلاحيات، في التخطيط، في التنفيذ، في التوجيه، في الأداء، في الكلمة، في الرأي، في الفكر، أمانة في عموم عناصر العملية الإدارية، وعندما تفتقر هذه العناصر كلها أو أحدها للأمانة فإن ذلك مؤشر كبير وخطير يسير بالأمور إلى منحنى لا يسر، وما ذلك إلا علامة كبيرة وصورة من صور الفساد في العملية الإدارية في أي موقع وفي أي مهمة، السؤال الأخير كم من غير المؤهلين مسندة إليهم الأمور؟ وكم أثبتت لنا الحقائق والتجارب السابقة والكثيرة أن الأمانة قد ضيعت في كثير من الحالات بسبب إسناد أمرها إلى غير المؤهلين لها؟».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك