رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 14 يناير، 2016 0 تعليق

لا تسبوا الأموات

 الشوكاني : «المتحري لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات وسب من لا يدري كيف حاله عند بارئ البريات

 

بعض الناس لا حد لعداوته، ولا نهاية لخصومته، فيستمر بمهاجمة خصمه ولو بعد موته، لا يراعي أن عدوه قد انقضى أجله، ومضى لسبيله، وانتقل إلى دار القرار، فيظل وراءه بالسب والشماتة زاعما التحذير من صنيعه، وهو في واقع الأمر ينتصر لنفسه، وإنما الأعمال بالنيات، والله -تعالى- عليم بذات الصدور.

والشرع المطهر يوجهنا إلى توقير الموت، واحترام الأموات، وعدم إيذاء أقربائهم بشتم أمواتهم؛ فالموت حق على الجميع، وهو كأس كل الناس شاربه؛ فالعاقل يعمل لنجاته بالإيمان والعمل الصالح، ولا ينتقص من سبقه بالموت كأنه في مأمن منه، أو ضُمنت له النجاة مما بعده.

     فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تذكروا هلكاكم إلا بخير» أخرجه النسائي وصححه الألباني. وعنها -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه» أخرجه أبو داود وصححه الألباني

     قال في عون المعبود: «إذا مات صاحبكم» أي: المؤمن الذي كنتم تجتمعون به وتصاحبونه «فدعوه» أي: اتركوه من الكلام فيه بما يؤذيه لو كان حيا «ولا تقعوا فيه» أي: لا تتكلموا في عرضه بسوء؛ فإنه قد أفضى إلى ما قدم، وغيبة الميت أفحش من غيبة الحي وأشد؛ لأن عفو الحي واستحلاله ممكن بخلاف الميت».

وعن المغيرة أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «لا تسبوا الأموات، فتؤذوا الأحياء» أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني.

وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» أخرجه البخاري في كتاب الجنائز(باب ما ينهى من سب الأموات).

     وأخرجه ابن حبان بذكر قصة، فعن مجاهد قال: قالت عائشة: ما فعل يزيد بن قيس لعنه الله؟ قالوا: مات، قالت:فأستغفر الله. فقالوا لها: ما لك لعنتيه ثم قلت: أستغفر الله؟ قالت: إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» وصححه الألباني في صحيح الترغيب.

وقد ذكر العلماء إشكالا هنا، فقول البخاري: (باب ما ينهى من سب الأموات) يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقا.

     قال الحافظ: «والجواب: أن عمومه مخصوص بحديث أنس؛ حيث قال  صلى الله عليه وسلم  عند ثنائهم بالخير وبالشر على الجنازة: «وجبت، وأنتم شهداء الله في الأرض»، ولم ينكر عليهم. ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية، والمراد به المسلمون؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم.

     ونقل الحافظ عن بعض العلماء أن السب ينقسم في حق الكفار، وفي حق المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم لقوله  صلى الله عليه وسلم : «لا تؤذوا مسلما بشتم كافر» أخرجه الحاكم وصححه الألباني  رضي الله عنه ؛ وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك، كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب أي: ذكر بعض العيوب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور، ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه.

     وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصة. قال ابن حجر: «والوجه عندي حمله على العموم إلا ما خصصه الدليل.  وقال ابن بطال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير - وقد تكون منه الفلتة - فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له، فكذلك الميت. ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فساق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضائه إلى ما قدم».

     وقوله: «أفضوا» أي: وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، واستدل به على منع سب الأموات مطلقا، وقد تقدم أن عمومه مخصوص، وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم والتنفير عنهم.  وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا». قال الشوكاني: «قوله: «فتؤذوا الأحياء» أي: فيتسبب عن سبهم أذية الأحياء من قراباتهم، ولا يدل هذا على جواز سب الأموات عند عدم تأذي الأحياء كمن لا قرابة له أو كانوا ولكن لا يبلغهم ذلك; لأن سب الأموات منهي عنه للعلة المتقدمة، ولكونه من الغيبة التي وردت الأحاديث بتحريمها، فإن كان سببا لأذية الأحياء فيكون محرما من جهتين وإلا كان محرما من جهة».

     يبين الشيخ ابن عثيمين أن معنى السب هو ذكر العيب، فإن كان في مقابلة الشخص فهو سب، وإن كان في غيبته فهو غيبة، فقوله: «لا تسبوا الأموات» هذا سب متضمن للغيبة؛ لأنهم ليسوا عندك حتى نقول:إن هذا سب مجرد».  يوضح رحمه الله أن للنهي عن سب الأموات معنيين:

- الأول: أنه لغو؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا؛ فلا فائدة من سبهم لأنهم وصلوا إلى الجزاء، وحينئذ يكون السب عبثا.

- الثاني: أنهم إذا كان لهم أحياء يتأذون بذلك، فلهذا نهى عنه النبي  صلى الله عليه وسلم ، وظاهر الحديث العموم؛ فيشمل الأموات المسلمين وغير المسلمين، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا خاص بالمسلمين. وذكر -رحمه الله- ثلاثة أشياء يجوز فيها سب الميت بمعنى ذكر العيوب، وهي:

- الأول: التحذير من فعله؛ لأن التحذير من فعل هذا الفاسق أو الكافر فيه مصلحة عظيمة، كأن يقول: هذا الذي ظلم الناس، يريد أن يحذر منه لا أن ينتقم منه بالسب.

- الثاني: بيان حاله نصحا للأمة، كما يقع كثيرا في كتب الرجال من ذكر العيوب في رواية الحديث.

- الثالث: إذا كان قبل الدفن، لحديث أنس قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «وجبت» ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال: «وجبت» فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه » ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض» متفق عليه.

ثم ختم الشيخ كلامه بفائدة نفيسة فقال: «حكمة النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه يريد أن يحمي أمته عما لا خير فيه، أو عما فيه شر، وقد ثبت عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».

     وقد حاول بعض العلماء التوفيق بين الحديثين حديث أنس وأحاديث النهي، فقال المناوي: «السب غير الذكر بالشر، وبفرض عدم المغايرة فالجائز سب الأشرار، والمنهي سب الأخيار». وقال النووي: «فإن قيل: كيف مُكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في النهي عن سب الأموات؟.

فالجواب: أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار، وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم.

و هذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه مما ذكرنا، هذا هو الصواب في الجواب عنه، و في الجمع بينه و بين النهي عن السب».

     ونختم بكلمة نفيسة قالها الشوكاني وهي: «المتحري لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات، وسب من لا يدري كيف حاله عند بارئ البريات، ولا ريب أن تمزيق عرض من قدم على ما قدم، وجثا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر أعلم، مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه أحموقة لا تقع لمتيقظ، ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب، ونسأل الله السلامة بالحسنات، ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات، اللهم اغفر لنا تفلتات اللسان والقلم، في هذه الشعاب والهضاب، وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك