واقع المسلمين في الهند – من حيث العقيدة والعمل ومسؤولية الدعاة تجاهه
إن كثيرا من الناس بل من حملة راية الدعوة يقللون من شأن عقيدة التوحيد معللين بأنها تنفر الناس
يعج المجتمع المسلم الهندي بالبدع والمحدثات حتى في الأذان والصلوات، وشاعت فيه أنواع من الفواحش والمنكرات
يجب أن يعمل الداعية على غرس الثقة واليقين في قلوب المسلمين -ولا سيما الطبقة التي بيدها القيادة والإعلام
الهند بلاد مترامية الأطراف، بعيدة الأنحاء، متعددة الملل والنحل، كثيرة النسم، يبلغ سكانها أكثر من مليار نسمة، يعيش فيها المسلمون والهندوس والنصارى واليهود وغيرهم، وعدد المسلمين فيها يقارب ثلاث مائة مليون حسب تقدير القيادات الإسلامية، ولا يوجد هذا العدد الهائل للمسلمين في دولة غير إندونيسيا، وإن كان هذا العدد لا يمثل إلا نسبة 25% من سكان الهند، ويعد المسلمون ثاني أكبر طائفة بعد الهندوس في الهند.
ولكنهم تفرقوا وانقسموا فرقا وأحزابا، وهم يمرون بظروف قاسية تقشعر منها الجلود، وتنخلع من هولها القلوب، وسببه الحقيقي التخلي عن الدين الحنيف عقيدة وعملا.
فالكثيرون والكثيرون من المنتسبين إلى الإسلام انحرفوا في مسائل التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، بل منهم جمع غفير وقعوا في الشرك الأكبر، اعتقدوا في الأولياء والصالحين بل في الأشخاص الضالين المضلين ما هو من خصائص رب العالمين، يظنون أنهم يعلمون الغيب، ويكشفون الكربة، ويوسعون في الرزق، فيقدمون لهم النذور والقرابين، ويطوفون بمقابرهم، ويستنجدون بهم ويدعونهم من دون الله، إلى غير ذلك من صور الشرك الأكبر خاضت الأمة لُجَّتَها، فما بالك عن الشرك الأصغر! فمظاهره كثيرة في حياتهم اليومية.
المقللون من شأن العقيدة
إن كثيرا من الناس بل من حملة راية الدعوة يقللون من شأن عقيدة التوحيد معللين بأنها تنفر الناس، ويقولون: اتركوا الناس على عقائدهم، وادعوهم إلى التآخي والتعاون والاجتماع، وهذا تناقض؛ لأنه لا يمكن حصول ذلك إلا على عقيدة واحدة صحيحة سليمة، وإلا فسيحصل التفرق والاختلاف، وكل يؤيد ما هو عليه؛ فإن الناس لا يجمعهم إلا كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله، نطقًا واعتقادًا وعملاً، أما مجرد أن ينتسبوا إلى الإسلام وهم مختلفون في عقيدتهم فهذا لا يجدي شيئًا. (من إفادات العلامة صالح الفوزان في محاضرته بعنوان: مظاهر ضعف العقيدة في عصرنا الحاضر).
شيوع البدع والمحدثات
ويعج المجتمع المسلم الهندي بالبدع والمحدثات حتى في الأذان والصلوات، وشاعت فيه أنواع من الفواحش والمنكرات، وتسربت إليه كثير من الخرافات الهندوسية في الشؤون الاجتماعية، وحذا كثير من المسلمين حذو الغرب مغترين بنعراتهم الرنانة؛ فتمسكوا بالحضارة الغربية بخيرها وشرها وحلوها ومرها.
ومنهم فئة كبيرة تخلت عن الدين، فلا تعلم من الإسلام إلا اسمه، ولا تعرف من القرآن إلا رسمه، انخدعت بزخرفة الحياة الدنيا، فتنافست فيها، ونسيت الآخرة.
الغزو الفكري
ومنهم من نجح فيهم الغزو الفكري، فوقعوا في حباله، فظنوا أن الإسلام الذي كان عليه سلف هذه الأمة لا يصلح في هذا العصر المتطور المزدهر، ورفضوا كثيرا من المبادئ الإسلامية بهذه الدعوى الباطلة، واستهزؤوا بالمسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة، وتتجدد كل يوم فتن تفتُّ عضد الأمة، وتُضعف شوكتها، وتعوجُّ فيها عقول كثير من الناس، وتروح ضحيتها كثير من الناس لاسيما الناشئة والشباب.
وإن قال قائل: ما من عقيدة فاسدة وفكر باطل وعمل منحرف إلا وصورها موجودة في المجتمع الهندي بين المنتسبين إلى الإسلام فليس ببعيد عن الصواب. وإلى الله المشتكى.
أسباب الانحرافات العقدية
ولهذه الانحرافات العقدية والعملية أسباب كثيرة وعوامل وفيرة، منها الجهل، والغلو، واتباع الهوى، وتقليد الآباء والكبراء، والإعراض عن فهم السلف، وهجر النصوص الواضحة واتباع النصوص المتشابهة، والاعتماد على الروايات الواهية والمنامات والحكايات والكشف والإلهام، وتقليد غير المسلمين.
فالحذر الحذر من التقصير والتكاسل والسبات؛ فإن الشر يزداد انتشارا كل يوم، وهذه القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية تشجعهم على هذا الانحلال والانهيار.
مسؤوليات جسيمة
وهذه الأوضاع القاسية المريرة تذكرنا بواجباتنا العظيمة ومسؤولياتنا الجسيمة؛ فإننا مسؤولون عنهم يوم القيامة، فلابد لنا من بذل الجهود بكل الثبات والصمود. ومن تلكم المسؤوليات:
تبصر الداعية:
- أن يتبصر الداعية ويتعلم من العلم ما يكفيه في دعوته قبل أن يدعو، وأن يستزيد من العلم النافع على الدوام؛ فإنه لا بد أن يكون بصيرا بما يدعو إليه وبحال من يدعو وبأولويات الدعوة وأساليبها وآدابها، قال الله تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين}(يوسف : 108).
ومن البصيرة أن يدرك الداعية عواقب الأمور، وأن يدرك التحديات والمخاطر التي تهدد الدعوة الإسلامية، وأن يحسن التصرف في جميع المواقف ولاسيما في المواقف الحساسة، فيعالجها بحكمة وبصيرة وصبر وحزم مع مراعاة المصالح والمفاسد. ومن المشاهد أن بعض الدعاة قد يعامل معها أحيانا ما يسيء إلى الإسلام والمسلمين، فينقلب الأمر رأسا على عقب، وتذوق الأمة من ويلاتها ما الله به عليم، وأما الدعوة على جهل فهي تجر على الأمة من الفساد والدمار مالا يسع لوصفه هذا المقام.
الحرص على هداية الناس
- ومنها أن يحرص الداعية على هداية الناس مع غاية الشفقة والرأفة والرحمة؛ فإن الداعي إذا كان حريصاً على هداية من يدعوه سعى إلى ذلك بكل ما عنده من قوى ووسائل وإمكانيات، ولم يدخر وسعاً في إيصال الحق له، ولم يأل جهدا في إزالة كل عقبة تصده عن هدفه المنشود، ولم تصرفه عنه أي نازلة نزلت به، فحينئذ تؤتي الدعوة ثمارها.
وكان نبينا صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه أشد الحرص، أرسل بالمدثر، فقام وأنذر، ولم يتوانَ ولم يفتر، فعاداه قومه غاية العِداء، وآذوه بأنواع من الأذى، تآمروا على قتله، وأدموا وجهه، وكسروا رباعيته، وشجوا رأسه فصبر على ذلك كله ابتغاء وجه الله ورجاء هدايتهم، وكان يدعو لهم ولعقبهم بالهداية والتوفيق، وقد ذكر الله له هذا الوصف العظيم في سياق المدح، فقال: {َقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}(التّوبة: 128).
بل كان إذا رأى نفور الناس من دعوته يحزن حزنا شديدا كاد أن يهلكه، فقال -تعالى- مسليا ومنبها له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}(الكهف: 6).الاعتناء بنشر العلم الصحيح
- ومنها أن يعتني الداعية غاية الاعتناء بنشر العلم الصحيح المستمد من الكتاب والسنة على منهج سلف الأمة، فإنه بنشره وتعليمه يقل الجهل وتحيى السنن، وتموت البدع، ويعلو المعروف، وتظهر شناعة المنكر.
بيان العقيدة الصحيحة
- ومنها أن يهتم الداعية اهتماما تاما بيبان العقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف هذه الأمة وتبصيرِ الناس بها والتحذير عما يخالفها مستمدا من المصادر الصافية النافعة بأسلوب واضح شيق بعيد عن العبارات الغامضة التي يصعب فهمها. ومن أراد أن ينظر النموذج الرائع لهذا الأسلوب الواضح فلينظر في دروس العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- وتحريراته، ما أوضحها وما أقربها إلى الفهم!؛ ومن صور الاهتمام بها: إعطاء الصدارة لكتب العقيدة الصحيحة في المناهج الدراسية، واختيار المدرسين المخلصين الأكفاء لتدريسها؛ فإن المنهج الدراسي من غير مدرس مؤهل ليس له كبير جدوى.
إحياء الشعور الديني
- ومنها أن يسعى الداعية جاهدا إلى إحياء الشعور الديني وتنمية الوعي بالهوية الإسلامية في أذهان المسلمين؛ فإنه كلما قوي ذلك لدى الإنسان كان تمسكه بدينه أقوى، ولا تؤثر عليه الشعارات الخداعة والنعرات الرنانة، ولا يقع فريسة للمؤامرات الأجنبية المذهلة. ومن ثم حاول الاستعمار -وما زال يحاول- أن يضعف الشعور الديني والهوية الإسلامية لدى المسلمين بشتى وسائله؛ فإنه متى تحطمت القوة الداخلية تيسر تحطيم القوة الخارجية بكل أنواعها.
غرس الثقة واليقين
- ومنها أن يعمل الداعية على غرس الثقة واليقين في قلوب المسلمين -ولا سيما الطبقة التي بيدها القيادة والإعلام والفئة المثقفة الجديدة- بأن الإسلام دين شرعه للإنسانية الربُّ الذي يعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وارتضاه دينا إلى قيام الساعة فهي شريعة خالدة محكمة من علام الغيوب، أحكمها لكل زمان ومكان وإن وصلت البشرية فوق الشمس والقمر، وهي التي فيها سعادة البشرية جمعاء. وقد ضعف هذا اليقين في قلوب الذين تربوا في أحضان الثقافة الغربية، واغتروا بشعاراتهم الدجلية الماكرة. فالله المستعان.
لاتوجد تعليقات