واجــب الوقــت (2)
استكمالا لما بدأناه في المقال السابق في الحديث عن واجب الوقت وأنه من المصطلحات الشائعة الاستعمال بيننا نقول: «واجب الوقت هو كذا أو كذا»، نكمل الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها وهي من أين يأتي هذا المصطلح؟ وما معناه؟ وما واجب الوقت بالنسبة للآونة التي نعيش فيها الآن؟
عبودية الفرد وعبودية الأمة
الاعتبار الثاني الذي ننظر إليه في تقسيم العبادة هو عبادة الفرد وعبادة الأمة؛ فعبادة الفرد كالصلاة والصوم والحج وبر الوالدين وغيرها، أما عبودية الأمة فهي الشيء المطلوب من مجموع الأمة كلها، فالصلاة مثلًا مطلوبة مِن كل فرد من الأمة على حدة، فلو كان مجموعة مِن عشرة فصلى تسعة ولم يصل واحد لكان تاركًا للصلاة، أما لو مر رجل على العشرة فسلم عليهم فرد عليه أحدهم لأجزأ عن الباقين؛ فالمجموعة في حكم الواحد في هذا الباب.
مصطلح واجب الوقت
فعبودية الله -تعالى- هي طاعة كل وقت، فمن أين يأتينا مصطلح طاعة الوقت أو واجب الوقت؟ بعض العبادات معلقة على أسباب أو شروط أو أحوال تتغير بتغير الظروف الراهنة، فتقول: هذه الأحوال وجب فيها شيء أكثر من غيره، وهذا أكثر ما يكون في باب فروض الكفايات، ومِن أكثر ما يكون في فروض الكفايات في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه الخصوص.
فروض الكفايات
وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى؛ وهي أن العلماء قسموا العلوم، فقالوا -مِن باب ضرب الأمثلة-: إن بعض العلوم كهيئة الغذاء، وبعض العلوم كهيئة الدواء، فطلب العلم وتعليمه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب فروض الكفايات، لكن فروض الكفايات دائمًا مرتبطة بفروض أعيان أيضًا؛ فالذي يتعلم بغرض تعليم الناس فهذا فرض كفاية، فإذا أردتَ تعليمهم فابدأ بفروض الأعيان، ثم تعلمهم فروض الكفايات، فمسألة فروض الأعيان وفروض الكفاية مرتبط بعضها ببعض.
فإذا تصديت لهذا الباب فاعلم أن بعض العلوم لبناء الروح وبناء القلب الإيماني كهيئة الغذاء للجسم فهو يحتاجه دومًا، ونقصه يؤدي إلى سريان المرض، وبعض العلوم كهيئة الدواء، وهذا التقسيم اعتمده كثير مِن السلف.
هذا في أمور الدين يشبه كل معاني الإيمان: معاني التوحيد، معاني الطاعة، معاني العبادات وغيرها، فالمؤمن يحتاج دائما إلى أن يعرف ربه، ويعرف أسماءه وصفاته، ويعرف أنواع الطاعة فهذا كالغذاء.
رد الشبهات
وأما العلوم التي هي كهيئة الدواء فهي رد الشبهات؛ فالشبهة داء والدواء هو رد هذه الشبهة، وهذا الموضوع قد يحتاج منا أيضًا إلى وقفة؛ لأن بعض الناس يقول: أنتم اعترفتم أن رد الشبهات كهيئة الدواء، فلماذا إذًا تشغلون الناس بالكلام عن الشيعة والخوارج وغيرهم؟.
لننظر كيف يتعامل الناس في الأمور الدنيوية مع العلوم التي هي كهيئة الدواء، هل يصدون الناس عن تعلم الطب وتعلم الدواء وتصنيعه وبيعه؟ بالطبع لًا، بل لا بد أن يوجد مِن الناس مَن يتعلم الطب والأمراض حتى الأمراض النادرة جدًّا.
فما يصنف مِن العلوم على أنه مِن باب الدواء غاية ما تقوله: ألا يتحمله كل الناس بمسوغ ودون مسوغ، فلا يحتاج كل الناس معرفة هذا الدواء، لكن لا بد أن يوجد في الأمة مَن يحسن معرفة الداء والدواء؛ فإذا انتشر المرض وُجِد مَن يتصدى له.
الشبهات
تجد كثيرًا مِن الناس ينهى عن العلم الذي هو من باب الدواء على اعتبار أن هذه رد شبهات، وأن هذه الشبهات غير موجودة، مع أن هذا أيضًا يخالف الحكمة والعقل والمنطق، بل قد تجد بعض الناس ينهى عن علوم هي غذاء ضروري في بناء الإنسان، ويتهكمون منها، كالذين يسخرون مِن تعلُّم فقه الطهارة والحيض والنفاس، فهل يطعنون في علم الفقه كله، أم في هذه الأبواب تحديدًا؟ وهل نما إلى علمهم أن أحدًا مِن الفقهاء أمر الناس بالاقتصار على تعلُّم فقه الطهارة فقط، ونهاهم عن تعلُّم غيره مِن أبواب الفقه؟ أم أنهم يدرسون فقه الطهارة بوصفه جزءاً مِن أبواب الفقه المتنوعة؟
إذا وجدتَ أحدًا يأمر بتعلُّم فقه الطهارة، وينهى عن سائر أبواب الفقه، فلك الحق أن تنقده، لكن إذا كان الناس يتعلمون فقه الطهارة بوصفه جزءاً مِن علم الفقه، فلماذا تنكر عليهم؟ وماذا تريد منهم؟ أتريد حذف فقه الطهارة مِن علم الفقه؟ أم تريد أن يتركوا علم الفقه كله؟! فهو يطلق الكلام ولا يبين ماذا يريد بالضبط.
ومع الأخذ في الاعتبار أن للحيض والنفاس معانٍي مذكورة في القرآن وفي سنة النبي wgn hggi ugdi ,sgl ، ولا ندري كيف يجترئ مسلم على السخرية منها؟!
هو يزعم أنه يسخر مِن أناس لا يفهمون الأولويات، ونحن نطلب منه أن يصف لنا أحوال هؤلاء الصحيحة.
إن هذه الأحوال التي يزعم السخرية منها لا تقع إلا إذا وُجِد مَن يأمر الناس بالاقتصار على تعلم فقه الطهارة فقط، وهذا أمر لا يكاد يوجد.
المسألة في الحقيقة أنه عداء للعلم الذي لا يقوم عمل إلا به، مِن صلاة أو زكاة أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، أليس باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُسفك الدماء، وتُنتهك الحرمات، وتُنقض العهود، ويُساء إلى الإسلام؟ كل ذلك باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وباسم الجهاد في سبيل الله.
إن كل شيء مفتقر إلى العلم، ولا يُتصور إطلاقًا عاقلٌ يقول: لا داعي للعلم.
إذا وجدتَ أحدًا يتعلم بطريقة خطأ فقل ما الخطأ؟ وانقده، وبيِّن ما الطريقة الصائبة، أما كلمة «علماء الحيض والنفاس» فلا نجد لها محلًّا مِن الإعراب، ولا نفهم ماذا يريد قائلها منا؟
هل يريد منا ألا نتعلم الفقه أصلًا؟ فهل هذا يليق؟
أم يريد منا أن نتعلم الفقه، ونحذف منه كتاب الطهارة ؟ فهل هذا يصح؟!
أم يريد منا أن نقتصر في التعلم على كتاب الطهارة؟
الحاصل: أن عندنا علومًا هي من باب الغذاء، وعلومًا هي من باب الدواء، هذه العلوم التي من باب الدواء غالبا تتناول أمراضًا انتشرت في الأمة، كالشبهات التي تنتشر تحتاج إلى البحث فيها، والرد عليها، وتحصين الأمة منها، ومَن يعد نفسه أنه يقوم بدرجة مِن درجات فروض الكفاية في باب طلب العلم يحتاج أن يتعلم في هذه المسألة أكثر، ثم يحتاج أن يعبر عنها حسب الظروف المتاحة.
طريقة الأداء وطريقة التلقي
مسألة أخرى متعلقة بطلب العلم: أنه لا يشترط أن تكون طريقة الأداء مطابقة لطريقة التلقي؛ فطالب العلم يمكن أن يكون قد درس بلغة معينة، لغة تكون نتيجة جهود علماء عبر التاريخ درسوا وبحثوا ونقحوا ورتبوا، ونحتوا لهذا العلم المصطلحات، وبوَّبوا له التبويبات للتيسير على طالب العلم، فإذا أراد طالب العلم أن يدعو إلى الله فليراعِ مستويات الناس في التلقي، ويُحسن عرض المعنى الذي تعلمه، مثل قضايا الإيمان والكفر، والكفر الأكبر والأصغر، والعذر بالجهل والتأويل، وغير ذلك كثير، إذا أراد أن يمارس الدعوة إلى الله، وخاطب عموم الناس، فليذكر بحقوق الأخوة الإيمانية، ويبين أن الأخوة الإيمانية تصل إلى حد قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}(البقرة: 178)، فالأخوة الإيمانية وصلت إلى حد الأخوة بين القاتل وأولياء المقتول، فليست الأخوة الإيمانية محبوسة داخل جدران المسجد، بل عليك أن توصل للناس أن الأخوة الإيمانية تصل معك إلى كل مَن قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وإن كان قاتلًا أو شاربًا للخمر؛ كالرجل الذي كان يؤتى به كثيرًا في شرب الخمر فلعنه رجل وقال: لَعَنَه اللهُ ما أكثر ما يؤتى به! فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «لَا تَلْعَنْه فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، فهذه الكلمة قد تكون أبلغ مِن الدرس الطويل في الإيمان والكفر الذي قد يحسنه بعض الناس، ولا يحسنه بعضهم الآخر؛ فعلى الطالب أن يُخرج ما تعلمه للناس بطريقة سلسة وحسب حال المخاطب، ومرة يكون في خطبة أو درس، فالخطبة والدرس خصوصًا لهما رونق لا سيما الخطبة هي أعلى شأنا، وهي عبادة استعمل فيها ما يسمى بفصيح العامة، ولا تأتي بغرائب اللغة ولا بالألفاظ التي يحتاج معها الإنسان إلى قاموس لينظر ما معناها، أما في الحوار مع الناس في الأماكن المفتوحة كوسائل المواصلات فاستعمل اللغة العامية وضرب الأمثال التي يعرفها الناس، المهم أن تدرك أن القضية التي يجب أن تصل هي المرض المستشري الذي يحتاج إلى علاج.
وبعد هذه المقدمات حول معنى هذا المصطلح نناقش في العدد القادم -إن شاء الله- أبرز القضايا التي تستحق في ظروفنا الراهنة أن يُقال: إن الاهتمام بها هو واجب الوقت.
لاتوجد تعليقات