تبديد الأوهام: الأهداف الحقيقية للتداعي على إفريقيا (2)
استكمالا لما بدأناه في العدد الماضي في الحديث عن حقيقة التداعي الغربي على إفريقيا، والأوهام التي تحيط بهذا التداعي ومحاولة إخفاء الأهداف الحقيقية له، نتكلم اليوم عن الوهم الثاني من تلك الأوهام وهو وهم التنمية الاقتصادية؛ حيث حاولت الدول الغربية فرض هيمنتها الاقتصادية على إفريقيا باسم الشراكة الاقتصادية وتنمية القارة، وتوقِّع مع دولها اتفاقات وعقوداً تجارية واقتصادية غير متكافئة تصب في النهاية في مصلحتها.
وقد بدأ الاهتمام ينصب في الفترة الأخيرة على النفط الإفريقي الذي بدأ يظهر بكميات تجارية، ولاسيما في خليج غينيا وتشاد والكاميرون والسودان وأنجولا والجابون وغيرها، وقد أشعل دخول الصين في مجال النفط اهتمام الولايات المتحدة، فضلاً عن انخفاض تكلفة النقل من الغرب الإفريقي مقارنة بدول الخليج، لذا يتوقع الخبراء أن تزيد واردات أمريكا من نفط غرب إفريقيا فقط بنسبة 25% بحلول عام 2015م.
الدعم المالي الذي يُقدّم للدول الإفريقية يتم استخدامه لإتمام عمليات غير أخلاقية:
وبالرغم من المكاسب التي تحققها الدول الغربية فإنها لا تنظر إلى هذه الشراكة بعين العدالة، بل تسعى جاهدة إلى فرض الهيمنة الاقتصادية والولاء السياسي في الوقت نفسه، يقول توماس ديف الخبير ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «إن اتفاقية الشراكة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على دول إفريقيا والكاريبي تنطوي على أجندة غير تنموية، وتتيح لقطاع الأعمال الأوروبي صفقات احتكارية ضمن ما يتعارض مع جهود التنمية، وتحوّل حكامها إلى مجرد مديرين لمصالح الشركات الأوروبية وأرباحها».
ولذلك تقبّلت الدول الإفريقية الصين شريكاً اقتصادياً جديداً ينافس الغرب، ويحفظ للدول الإفريقية مصالحها ومنافعها الاقتصادية بعيداً عن المطامع السياسية وفرض الهيمنة، فقد قال الرئيس السنغالي عبد الله واد في مقال (بفاينانشال تايمز) 24/1/2008م: «إن فهم الصين لاحتياجاتنا أفضل من الفهم البطيء والمتغطرس في بعض الأحيان للمستثمرين الأوروبيين والمنظمات المانحة والمنظمات الحكومية».
وقد بلغ مجموع ما استثمرته الصين في إفريقيا حتى نهاية عام 2010م مبلغ 9,3 بلايين دولار، فالصين تنظر إلى المسألة بمنظور المصالح والمنافع المالية المتحققة، فهي عندما ترسل الأموال، والمعدات، والخبراء إلى إفريقيا، ترجو أن تحصل على المقابل الذي يتمثل في النفط والمواد الخام، والنفوذ الاقتصادي، ويحصل الأفارقة على الوظائف والرواتب المجزية وتتحسن البنية التحتية لدولهم.
بل إن التعاون الاقتصادي والدعم المالي الذي يُقدّم للدول الإفريقية يتم استخدامه لإتمام عمليات غير أخلاقية، وقد أضحي من المألوف أن يتم الكشف بين الفينة والأخرى عن وثائق تُظهر تآمر الغرب مع قيادات الدول الإفريقية على دفن المواد النووية والكيماوية الخطرة, والتي تتسبب في الإصابة بالأمراض المستعصية, مقابل ملايين الدولارات تُقدّم باسم دعم المشروعات التنموية والاقتصادية.
وأظهرت التقارير عدداً من الدول الإفريقية التي تم دفن النفايات فيها, كالكاميرون وموزمبيق وإفريقيا الوسطى والسنغال وموريتانيا والصومال، وقد نشرت صحيفة المصري اليوم في عددها الصادر بتاريخ 27/7/2010م اعترافات مفاوضين سودانيين شاركوا في اتفاقية دفن نفايات نووية ألمانية في السودان في عهد الرئيس جعفر نميري.
3 - وَهْم المساعدات والإعانات الإنسانية:
تعاني الدول الإفريقية الفقر والعوز لأسباب متفرقة؛ منها: مواسم الجفاف، والحروب، وسوء التدبير للموارد الاقتصادية المتوفرة, والفساد المالي والإداري, وغير ذلك من الأسباب؛ لذا نجد القارة الإفريقية في قائمة القارات التي تأتيها المساعدات وحملات الإغاثة، وهذه الأعمال تحمل وجهاً إنسانياً بحتاً، ويصعب التصديق بالرأي القائل بأن هذه المساعدات تفيد منها مالياً الدول المانحة أكثر من الدول الممنوحة، إلا أن تجارب المنظمات الإغاثية الدولية تُفصح عن تبديد أموال الإعانات والمساعدات قبل وصولها إلى مستحقيها، وتشير بعض التقارير إلى أن كل 13 دولاراً يتم جمعها في الخارج لا يصل منها سوى دولار واحد فقط إلى إفريقيا؛ نظراً لارتفاع رواتب ومزايا الذين يعملون في مجال المساعدات.
ننتهي من ذلك إلى أن هذه المساعدات تؤدي في خاتمة المطاف إلى إثراء المواطن الغربي، وإن حصل المواطن الإفريقي على شيء من هذه المساعدات فهو الفتات الذي يتساقط من مائدة المتاجرين بالمساعدات الإنسانية.
ويلاحظ في الدعم الإنساني المقدم إلى إفريقيا أنه يُقدّم بانتقائية واضحة، فما كل الدول التي تمر بظروف متوافقة تنال الدعم الإنساني من الدول المانحة، بل تكون الاستجابة وفقاً لقابلية الدولة الممنوحة للإملاءات السياسية والاقتصادية، فكثيراً ما تحشر المنظمات العاملة في المجال الإغاثي والإنساني أنفها في المشكلات السياسية بالسلب الذي يترتب عليه قلاقل واضطرابات، فعلى سبيل المثال قامت المنظمات الإنسانية بدور استخباراتي في الكونغو الديمقراطية، ومشكلة دارفور السودانية؛ لخدمة مخططات القوى السياسية؛ حيث أسهمت تقارير هذه المنظمات في تعقيد الوضع في دارفور وتدويله، أضف إلى ذلك استغلال هذه المنظمات لثروات البلاد بطريقة غير مشروعة خلال الحروب الأهلية، كما حدث في كل من الكونغو وليبيريا وسيراليون، حسب تقارير الأمم المتحدة.
ومهما قيل؛ فإن التداعي على إفريقيا يسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف التي يخدم بعضها بعضاً؛ بتنصير ما يمكن تنصيره، واستغلال ما يمكن استغلاله من الثروات، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من رفاهية للمواطن الأبيض، سواء في وطنه الأم أو الوطن الجديد الذي احتله؛ فإن ما يُراد بإفريقيا هو أن يتم مسخ الهوية الإفريقية تماماً، وأن تكون مرعى مستباحاً، وإقطاعية مشرعة الأبواب للحصول على المواد الخام بأبخس الأثمان، وتسويق المنتجات، وحتى دفن النفايات النووية والكيماوية.
لاتوجد تعليقات