رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 22 سبتمبر، 2014 0 تعليق

الكـــــويـــت منارة الخير في العالم العربي والإسلامي

الأخلاق الكويتية لم تأت من فراغ وإنما أتت من اللحمة التي كان يعيشها أهل الكويت جميعًا حكاما ومحكومين

 

إن العمل الخيري والإنساني خلقٌ من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من الفضائل التي أرشد إليها رسولنا الكريم محمد  صلى الله عليه وسلم ، وصِفةٌ من صفات أهل الفضل والإحسان، وهو مسؤولية دينية ووطنية واجتماعية، ومن أهم القيم الإنسانية التي قامت عليها نهضة الأمم؛ لما يحققه من آثارٍ إيجابية على الفرد والمجتمع. وقد كان للإسلام سَبقٌ عظيم في إرساء الدور الحضاري للعمل الخيري في تحقيق مصالح البلاد والعباد، وقد أدرك أهل الكويت منذ القدم هذا الدور الكبير للعمل الخيري، فكان دليلا وعلامة بارزة على صفاء معدنِهم ونخوتهم وعاطفتهم الجياشة تجاه الإسلام وشعائره، ولا سيما الإحسان إلى الغير، ومساعدة المحتاجين في كل مكان.

    لذلك لم يكن تتويج حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – حفظه الله ورعاه - قائدا للعمل الإنساني، والكويت مركزًا للعمل الإنساني والخيري، لم يكن هذا التكريم من فراغ، بل هو انعكاس لما قدمه صاحب السمو وأهل الكويت وأمراؤهم عبر تاريخهم المديد من إسهامات ومبادرات خلاقة عبرت حدود القارات، ومكرمات إنسانية وخيرية في كافة المجالات.

     لقد سطر الكويتيون صفحات ناصعة ونماذج رائعة من العمل الخيري من خلال سعيهم لإغاثة كل المنكوبين في العالم الإسلامي؛ بسبب ما أصابهم، كالفيضانات أو ضحايا الزلزال أو الكوارث الكونية التي تصيب بعض المناطق في أنحاء العالم، وكانت المؤسسات الخيرية تدعو للتبرع بواسطة صناديق ملأت دكاكين الكويت وبقالاتها يعرفها كل من زار الكويت قديمًا.

     فأعمال الخير التي جبل عليها الكويتيون أمراء وأفراد، لم تأت فقط في فترات الرخاء مع ظهور النفط كما قد يتبادر إلى الذهن، فقد تم افتتاح أول جمعية خيرية في الكويت في شهر مارس عام 1913م، وعلى الرغم من قلة إمكاناتها وقصر فترة نشاطها، فقد قدمت خدمات رائدة في مجال العمل الخيري آنذاك، كان أبرزها افتتاح مستوصف لعلاج الفقراء، والاهتمام بشؤون الوعظ والإرشاد، وتعمير المساجد، وتوزيع المال على الفقراء وتجهيز الموتى من الغرباء والمحتاجين، كما عنيت تلك الجمعية بجمع الكتب وحفظها في مقرها، تمهيدًا لتأسيس مكتبة عامة، وكان ذلك في زمن بعيد نسبيًا، بعيد بعمر الزمن وبعمر النقلة التي حولت الكويت من بلد يقاسي أهله الشدائد والصعاب ليحصلوا على أساسيات الحياة، إلى بلد ينعم بخير عميم بفضل الله -عز وجل- ثم ثرواته النفطية.

الانطلاقة الكبرى

     أما الانطلاقة الكبرى في عمل الخير فكانت في بداية القرن الحالي، وكانت هذه الانطلاقة امتدادا لما قام به أجدادهم؛ حيث قام شباب كويتيون في مقتبل أعمارهم يزهدون بكل هذا الرخاء وهذه الراحة، ويمضون إلى جفاف إفريقيا وصحاريها ومستنقعاتها وأراضيها القاحلة، ليغيثوا إخوة لهم في الإسلام، ويقاسوا في رحلاتهم الصعبة تلك الغربة والوحدة والشدة، دون شكوى أو تذمر.

     وآخرون يغادرون هذه الحياة المترفة والعيش الرغيد إلى أطراف آسيا البعيدة ليقيموا المساكن والمدارس والمستشفيات والمصحات والمساجد ومراكز توزيع المعونة، بينهم مدرسون يتطوعون لتدريس إخوانهم في الإسلام لغة القرآن الكريم، ونشر الوعي بينهم بمختلف أنواعه، وأطباء نذروا أنفسهم لعلاج إخوانهم الذين يعانون أمراض سوء التغذية، ودعاة أخذوا على عاتقهم تعليم إخوانهم المسلمين أمور دينهم ودنياهم، ومذيعون ومهندسون إذاعيون توجهوا إلى عمق إفريقيا لينشئوا إذاعة تبلغ الإسلام، ناشرة الوعي والثقافة في تلك البلاد التي لم تسمع بالإسلام، وآخرون اتخذوا وجهة أخرى في العمل الخيري هي جانب الثقافة والتعليم، ومنح الفرصة للشباب ممن حالت الظروف دون إكمال علومهم برغم تفوقهم العلمي، وذلك عن طريق مساعدتهم على مواصلة تعليمهم الجامعي والعالي من خلال توفير المستلزمات المالية لهم، وفي أحوال أخرى اختار فريق آخر مساعدة مؤسسات تعليمية تمر بظروف صعبة عصيبة، مثل الجامعات والمدارس في الأرض المحتلة، وفي بعض الأقطار العربية والإسلامية ذات الإمكانات المادية المتواضعة.

نماذج رائعة

لقد جبل الكويتيون منذ القدم على حب الخير وعمل البر، وهناك نماذج رائعة وأمثلة باهرة ضربها أهل الكويت قديمًا في هذا المجال ومنها:

     اللجنة الشعبية لجمع التبرعات التي تأسست في عام 1954 على يد كل من عبدالعزيز الصقر ويوسف عبدالعزيز الفليج ومحمد عبدالمحسن الخرافي ومحمد يوسف النصف ومرزوق عبدالوهاب المرزوق وبدر السالم العبدالوهاب وجاسم عبدالعزيز القطامي وعبدالعزيز الشايع. وتم اختيار الشيخ صباح الأحمد رئيساً فخرياً لها؛ وذلك لما عرف عنه من اهتمام بمثل هذه الأعمال، وكان وقتذاك يعمل رئيساً لدائرة الشؤون الاجتماعية، وأصبح عبدالعزيز الصقر الرئيس التنفيذي للجنة، وكان حجي يوسف الفليج أميناً للصندوق؛ حيث أدى دوراً مهماً في إنجاح عملية جمع التبرعات لدعم قضية الجزائر آنذاك، واستمر الفليج طيلة حياته في ذلك المنصب، وأصبح ابنه محمود أميناً للجنة بعد وفاته.

     ويلاحظ أن أغلب المؤسسين للجنة هم من رجال الأعمال الذين هاجروا إلى الهند فترة من الزمن قبل ان يعودوا إلى الكويت، ولا سيما مجموعة بومباي التي عاد معظم أفرادها إلى الكويت في الخمسينات، عدا جاسم القطامي ويوسف الفليج.

الثورة الجزائرية

    ومما يذكر عن أهل الكويت أنهم كانوا يتعاطفون مع ما يحدث في العالم العربي من قضايا ومشكلات، فعندما بدأت ثورة الجزائر ساندها الجميع معنوياً ومادياً، ولا يوجد كويتي واحد في ذلك الوقت لم يتبرع لقضية الجزائر، فعلى سبيل المثال تم فرض خمسين فلساً على كل تذكرة سينما تذهب لدعم ثورة الجزائر، واستمرت تلك النسبة تؤخذ من مرتادي السينما إلى أن استقلت الجزائر عن فرنسا عام 1962؛ ولهذا عدت أن أول حملة شعبية ورسمية للتبرع جرت في الكويت، كانت لدعم قضية الجزائر.

فضلا عن حملة التبرع لمصر أثناء حرب السويس عام 1956 وأحداث فلسطين وزلزال اليمن وغيرها من الأحداث العربية والقومية الأخرى.

زلزال اليمن

     وعندما حدث زلزال اليمن، وأزال قرية بأكملها عن وجه الأرض، قامت اللجنة بجمع التبرعات لمساعدة أهل اليمن. وبواسطتها تم إعادة بناء القرية مجدداً؛حيث تم بناء 861 وحدة سكنية، وبناء مستوصف و5 مدارس و5 مساجد فضلا عن بعض المشاريع الضخمة الأخرى، وقد بلغت كلفة ذلك عشرة ملايين ونصف المليون دولار تقريباً.

 التبرعات العينية

     ومما يذكر أن أول من بدأ في إقامة المشاريع الخيرية في البلدان العربية والإسلامية هم أهل الكويت، فتم بناء مستشفيات في اليمن ومدارس في لبنان وبنغلادش وباكستان ومصر والسودان، إضافة إلى المبالغ الضخمة التي قدمتها الكويت في منتصف الخمسينات إلى الدول العربية والإسلامية والشعب الفلسطيني ودول المواجهة، وكان مجموع ما أُنفق على هذا الصعيد ثمانين مليون دينار، أي 240 مليون دولار تقريباً.

كرم فطري

     هذه الأخلاق الكويتية لم تأت من فراغ وإنما أتت من اللحمة التي كان يعيشها أهل الكويت جميعًا حكاما ومحكومين؛ حيث كان يستمد الحاكم في الكويت سلطته من سلوكه الأبوي المتسم بالعدل والاهتمام تجاه كل فرد من أفراد شعبه؛حيث كانت صفة الكرم صفة لازمة فيمن حكم الكويت قديمًا وحديثًا، فباب الأمير كان لابد أن يظل مفتوحًا للجميع فلا غرو أن يكون الشعب كذلك، ولا غرو أن يكون هذا التكريم لحضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – حفظه الله ورعاه - تكريما لتاريخ طويل من البذل والعطاء لهذا الشعب الكريم.

     ولا تزال الكويت واحة أمن وأمان، في ظل هذا الخير الذي يبذله أهلها وأميرها، فعلى أهلها وشبابها أن يكونوا يدًا واحدةً مُتعاوِنين على البرِّ والتقوى، مُتراصِّين مُتصافِين في القلوب وفي الأقوال وفي الأفعال، يجمعُهم الحقُّ، وأن يحذَروا من أي ما يُكدِّرُ هذا الصفو؛ فإن ذلك أمانةٌ على كل مخلص منهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك