إضاءات سلفية (9) الـغـضـــب
يكون الغضب محمودا إذا كان لله- عزّ وجلّ- عندما تنتهك حرماته، وقد أثبت الله ذلك للرّسل في مواضع عديدة من كتابه العزيز
قال الجرجانيّ: الغضب: تغيّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفّي في الصّدر.
عن سليمان بن صرد رضي الله عنه أنّه قال: استبّ رجلان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسبّ صاحبه مغضبا قد احمرّ وجهه فقال صلى الله عليه وسلم : «إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم». فقالوا للرّجل: ألا تسمع ما يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّي لست بمجنون. متفق عليه.
ويكون الغضب محمودا إذا كان لله- عزّ وجلّ- عندما تنتهك حرماته، وقد أثبت الله ذلك للرّسل في مواضع عديدة من كتابه، وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يغضب في بعض الأحيان لله- عزّ وجلّ- لا لنفسه.
وقد ذكر غير واحد من العلماء ما يُعالج الغضب إذا هاج بأمور منها:
1- أن يذكر الله عزّ وجلّ فيدعوه ذلك إلى الخوف منه ويبعثه الخوف منه على الطّاعة له.
2- أن يتفكّر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال.
3- أن يخوّف نفسه بعقاب الله تعالى، وهو أن يقول: قدرة الله عليّ أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت فيه غضبي، لم آمن أن يمضي الله- عزّ وجلّ- غضبه عليّ.
4- أن يحذّر نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمير العدوّ في هدم أغراضه والشّماتة بمصائبه.
5- أن يتفكّر في قبح صورته عند الغضب وأنّه يشبه حينئذ الكلب الضّاري والسّبع العادي.
6- أن يعلم أنّ غضبه إنّما كان من شيء جرى على وفق مراد الله تعالى لا على وفق مراده.
7- أن يتذكّر ما يؤول إليه الغضب من النّدم ومذمّة الانتقام.
8- أن يتذكّر أنّ القلوب تنحرف عنه وتحذر القرب منه فيبتعد الخلق عنه فيبقى وحيداً.
9- أن يتحوّل عن الحال الّتي كان عليها، فإن كان قائما جلس، وإن كان جالسا اضطجع، وعليه أن يتوضّأ أو يستنشق بالماء.
10- أن يستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم.
11- أن يذكر ثواب العفو وحسن الصّفح فيقهر نفسه عند الغضب.
قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: «انظروا إلى حلم الرّجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب، وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟
(34) العزة
قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (البقرة: 249 - 252).
وعن هاني مولى عثمان بن عفّان-رضي الله عنه- أنّه قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميّت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التّثبيت فإنّه الآن يسأل» رواه أبو داود وصححه الألباني.
عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- أنّه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التّراب بياض بطنه وهو يقول: «لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلّينا. فأنزل السّكينة علينا، وثبّت الأقدام إن لاقينا. إنّ الألى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا» متفق عليه.
فالثّبات هو عدم احتمال الزّوال بتشكيك المشكّك، والثّابت هو الموجود الّذي لا يزول بتشكيك المشكّك، والإثبات عند القرّاء ضدّ الحذف.
قال القرطبيّ: «وقيل معنى يُثَبِّتُ اللَّهُ: يديمهم الله على القول الثّابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
يثبّت الله ما آتاك من حسن
تثبيت موسى ونصرا كالّذي نصرا
وقيل: يثبّتهم في الدّارين جزاء لهم على القول الثّابت».
(35) التفكر
قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألباب الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 190، 191).
قال الغزاليّ- رحمه الله-: كثر الحثّ في كتاب الله تعالى على التّدبّر والاعتبار والنّظر والافتكار، ولا يخفى أنّ الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر النّاس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره.
وعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارّون في رؤية الشّمس في الظّهيرة، ليست في سحابة؟ قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فوالّذي نفسي بيده لا تضارّون في رؤية ربّكم إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما، قال فيلقى العبد فيقول: أي فل «تصغير فلان وذلك للتحقير من شأنه» ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّاني فيقول: أي فل: ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي ربّ! فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا ربّ آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت. ويثني بخير ما استطاع. فيقول ههنا إذا . قال: ثمّ يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكّر في نفسه: من ذا الّذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق. وذلك الّذي يسخط الله عليه» الحديث لمسلم وبعضه في البخاري.
قال عمر بن عبد العزيز: «الفكرة في نعم الله- عزّ وجلّ- من أفضل العبادة».
عن عامر بن عبد قيس قال: «سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم يقولون: «إنّ ضياء الإيمان أو نور الإيمان التّفكّر».
قال الشّيخ أبو سليمان الدّارانيّ: «إنّي لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلّا رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة».
لاتوجد تعليقات