رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وائل الحساوي 13 يناير، 2014 0 تعليق

قضيـــة الإمــــام المتغــلـــب.. فتنـــــة جديـــدة !

لا أميل إلى مناقشة المسائل الفقهية الصعبة؛ لأنني لا أملك العلم ولا التأهيل المناسب لمناقشتها، كما أن علماءنا الأجلاء قد حرّموا الخوض في أمور النوازل «الأمور المستجدة التي فيها جوانب متعددة من القضايا التي تتطلب الفهم العميق للدين، وكذلك فهم الواقع وإسقاطاته على تلك الأمور» لغير المؤهلين لذلك!!

وقد شاهدنا من كبار علمائنا ومشايخنا في السعودية - حفظهم الله - هذا الحذر الشديد في الإفتاء في مسائل النوازل.

     للأسف إننا في الكويت، مع تقديرنا لمشايخنا وعلمائنا الأفاضل، لكن لا يوجد لدينا من يصل إلى مرتبة العلماء الذين يحق لهم التسمية بعلماء النوازل، وللأسف صدور الفتاوى من بعض المشايخ في تلك المواضيع الدقيقة والحساسة دون علم عميق بالمسألة المطروحة، أو دون علم بحقيقة الواقع الذي يتكلمون عنه هو دمار للدعوة الإسلامية، وافتئات على الواقع!!

     وأضرب مثلا على ما ذكرت موضوع (الحاكم المتغلب) وهو الحاكم الذي يصل إلى الحكم بالقوة ويقهر الناس، فبحسب أقوال أهل العلم بأن هذا الحاكم يجب أن ندين له بالطاعة، وذلك حقنا للدماء ومنعا من الفتنة، يقول الإمام محمد ان عبد الوهاب رحمه الله: «الأئمة مجتمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء من الأحكام إلا بالإمام الأعظم» ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: «وأهل العلم متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة ما لم يروا كفرا بواحا، ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظرائهم».

     إذاً فالمشكلة لا تكمن في تقرير ذلك الحكم الذي جاء لحكمة عظيمة وهو منع الفتنة والاقتتال بين المسلمين، ولكن تكمن المشكلة في إسقاط ذلك الحكم على الواقع وإصرار بعضهم على إعطاء صفة الحاكم المتغلب على السيسي في مصر، بمعنى وجوب السمع والطاعة، وعده رئيسا شرعيا فقط؛ لأنه تغلب وأمسك بالحكم، والمحذور في ذلك الحكم أمور كثيرة منها:

- أولا: مَن مِن العلماء المعتبرين من أفتى بهذه الفتوى وطلب البيعة للسيسي؟! يقول الشيخ عبد العزيز الراجحي - من كبار علماء السعودية: بأن ما يحدث في مصر فتنة يجب اعتزالها، وأن هذه فتنة قد عصم الله سيوفنا منها، فلنعصم ألسنتنا منها!!

- ثانيا: أن السيسي لم يدع بأنه هو الحاكم الشرعي لمصر ولم يتكلم أصلا عن حكم إسلامي، بل يرى بأنه قد جاء لتصحيح وضع خطأ، وأنه وضع خارطة طريق لتسليم الحكم لمن يأتي عن طريق صناديق الاقتراع، فلماذا نزج بأحكام الدين الإسلامي في غير موضعه ونسبغ على السيسي ما لم يسبغه على نفسه؟!

- ثالثا: الأمور لم تحسم في مصر ومازالت التطورات تتوالى ولا نعلم ما ستؤول إليه الأمور، وهل سيفي السيسي بوعوده؟ أم تتحول مصر إلى حكم عسكري امتدادا لحكم من سبقه؟!.

- رابعا: إن كان هدف القائلين بولاية السيسي هو حقن دماء المصريين وتجنيبهم الفتن، فنحن نسابقهم في الطلب من جميع الأطراف في مصر اتباع الحكمة ومنع التصعيد غير المسوغ، ومنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، ونقول: إن تلك المظاهرات والاعتصامات بهذه الطريقة لن تزيد الفتنة إلا اشتعالا، وأن الواجب هو الصبر واتباع الطرق السلمية للوصول إلى الأهداف دون الحاجة إلى إصدار تلك الفتاوى الشاذة التي لم يطلبها أحد؟!

- خامسا: إن كان هدف المفتين بولاية السيسي هو تقرير الأمر الواقع لما يجري في مصر، فلا حاجة لذلك ولن تغير فتاواهم من الأمور شيئا، وإن كان الهدف هو إسباغ الشرعية الدينية على حكم العسكر، فهذه حقا فاجعة سيرد عليهم الكثيرون بها، وستدخل مصر نفقا جديدا من القلاقل والفتن التي نحن بأمس الحاجة إلى تجنبها، ولاسيما والناس يرون أمامهم الأعمال المخالفة للشرع وللعقل التي يقوم بها الانقلابيون!

- سادسا: حتى لو كان المفتون بتلك الفتاوى لا يقصدون تأييد طرف على الآخر، ولكن الواقع هو استغلال أطراف لتلك الفتاوى لضرب الخصوم ولإبراز بعض من لا يستحقون الإبراز.

     ولعل قصة الامام مالك رحمه الله في استغلال البعض لفتواه في عدم جواز طلاق المكره، وتحريض الحاكم في المدينة المنورة على اعتقاله وتعذيبه بحجة تحريضه على الانقلاب على الحكم، لعل تلك القصة تدلنا على حساسية بعض الفتاوى في زمن الفتنة!!

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك