رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.بسام خضر الشطي 26 نوفمبر، 2013 0 تعليق

الاهتمام بعِلْية القوم

 

     إنزال الناس منازلهم منهج نبوي، والاهتمام بأهل الحي الوجهاء والأغنياء منهم -وهم الذين يطلق عليهم القرآن الملأ- وتوصيل الدعوة إليهم أمر مطلوب من الدعاة، وأئمة المساجد، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إسلام زعماء قريش، لتأثيرهم في نصرة الدعوة، أكثر من غيرهم من عامة الناس.

     وقال صلى الله عليه وسلم : «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا»؛ أي ليس على ديننا ومذهبنا وقيل: أي من خواصنا، وهو كناية عن التبرئة.

     إن الاهتمام بالوجهاء والأغنياء وأهل الفضل والكبراء وإنزالهم منازلهم، مطلب في الدعوة ولا شك، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أنزلوا الناس منازلهم».

     وجاء في سنن أبي داود عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة، فأقعدته، فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنزلوا الناس منازلهم»

     وقال المناوي: «أنزلوا الناس منازلهم»؛ أي احفظوا حرمة كل واحد على قدره وعاملوه بما يلائم حاله في عمر ودين وعلم وشرف؛ فلا تسووا بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس، فإنه يورث عداوة وحقداً في النفوس، والخطاب للأئمة أو عام، وقد عد العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم، وقال: «هذا مما أدب به المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته من إيفاء الناس حقوقهم، من تعظيم العلماء والأولياء، وإكرام ذي الشيبة وإجلال الكبير، وما أشبهه».

     فإمام المسجد عليه أن يقوم بالتعرف على وجهاء الحي، ودعوتهم بالطريقة التي تناسبهم، وبالأسلوب الذي يراه مناسباً لهم، عسى الله -عز وجل- أن يهدي على يديه أحداً منهم؛ فدعوتهم مهمة لسببين:

- لأن الأغنياء والوجهاء وأصحاب السلطة في الغالب أكثر بعداً من غيرهم عن الدين .

- ولأن في هدايتهم نفعاً للدعوة وأهلها.

     والإكرام له أثره في النفوس؛ لأن النفوس مفطورة على حب التقدير، فعلى الداعية أن يعتني بالوجهاء وأهل الفضل من أهل الحي، ويبذل في هدايتهم ما بوسعه، وليعلم أن الطريق إلى قلوبهم إكرامهم واحترامهم وتوقيرهم، دون مداهنة أو ذلة، وما أجمل ما قاله المناوي في تأثير الإكرام في الناس؛ حيث يقول: فإن الإكرام غذاء الآدمي، والتارك لتدبير الله تعالى في خلقه لا يستقيم حاله، وقد دبر الله تعالى الأحوال لعباده، غنى وفقراً وعزاً وذلاً، ورفعة وضعة، ليبلوكم أيكم أشكر، فالعامل يعاشر أهل دنياه على ما دبر الله لهم، فإذا لم ينزله المنزلة التي أنزله الله، ولم يخالقه بخلق حسن، فقد استهان به، وجفاه وترك موافقة الله في تدبيره، فإذا سويت بين شريف ووضيع أو غني وفقير في مجلس، أو عطية، كان ما أفسدت أكثر مما أصلحت، فالغني إذا أقصيت مجلسه أو أحقرت هديته يحقد عليك، وإذا عاملت الولاة بمعاملة الرعية فقد عرضت نفسك للبلاء، وقوله: «في الخير والشر» يريد به أن من يستحق الهوان فلا يرفع أنفه، قال علي: من أنزل الناس منازلهم رفع المؤونة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره فقد اجتر عداوته.

     فالاهتمام بصاحب المال أو ذي سلطان لأجل أنه أكثر نفعاً للدين، فهذا أمر مطلوب، وإن يسر الله تعالى على يدي الداعية هداية إنسان من الوجهاء وانتفعت الدعوة به فهذا شيء طيب. إلا أنه يجب ألا يطغى الاهتمام بهم على دعوة غيرهم من الناس. فيكون الانشغال بهم عائقاً عن دعوة أهل الفقر، والأنفة من مجالستهم، وإذا استنكف الداعية إلى الله من دعوة الفقير، فهو جاهل بالدعوة إلى الله، فإن الدين هو دين الله.

وليعلم الداعية أن الله -عز وجل- لا يعطي الأجر على مقدار فقر الرجل وغناه؛ لأنه سبحانه هو الذي يهب الغنى والفقر.

     فلا بد أن يدعو الداعية، ويعلم أن هذه هي الموازين عند الله، ولا يستنكف من دعوة الفقير، وإنما هو يدعو الغني لعل الله أن ينصر به الدين، وينفع به الأمة، فإن كان هذا هو الواقع فهو أمر جائز، بل محبوب، لكن إن كان ديدنه وهواه وجلوسه مع الأغنياء، ويظن أن هؤلاء هم الأهل في الدعوة، وهم الذين يصلحون للدعوة، وهم الأهم، وأما غيرهم من عامة الناس والفقراء فلا يصلحون، فهذا هو الخطأ، هذا والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك