ضياع شعب:جدلية المفاوضات وخيارات المرحلة
انتهى اجتماع نتنياهو- أوباما في المكتب البيضاوي دون أي إعلان يشد الانتباه بما يخص المفاوضات الجارية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، صحيح أن الملف برمته بيد وزير الخارجية الأمريكي، ولكن مدح نتنياهو حول قراره العودة للمفاوضات دون حثه على وقف الاستيطان وإطلاق سراح مزيد من الأسرى وأمور أخرى بتحسين حالة حقوق الإنسان فى الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنما مدح للمحتل ولسياسته القاضية باغتصاب مزيد من الأراضي وتهجير للفلسطينيين.
اجتماع الاثنين ركز فقط على موضوع إيران والاتصال الهاتفي بين الرئيسين الإيراني والأمريكي والقضية الفلسطينية كانت موضوعاً هامشياً جداً.
تبدو الصوره قاتمة - إلى حدٍ ما - في الشرق الأوسط وسيناريوهات ما بعد التدخل الروسي في منع ضربة ضد دمشق، ولكن على الجانب الآخر، هناك مفاوضات تجري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لتخطي فشل (أوسلو) وما بعد (أوسلو)، بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أعوام تعود المفاوضات من جديد، ويبدو أن القيادة الفلسطينية جادة في البحث عن إنجازات على الأرض؛ حتى تحقق مكاسب تكتيكية زمنية من أجل الحفاظ على ما تبقى من شرعيتها المفقودة فى ظل مطالبات جدية من الجيل الجديد بإسقاط (أوسلو) وسلطتها، لم يكن فى جعبة السلطة الفلسطينية ورئاستها إلا خيار واحد وهو المفاوضات. فقد كرر الرئيس الفلسطينيى مرات عدة وأكد على أن المفاوضات هي الطريق الوحيد لحل الصراع (الفلسطيني الإسرائيلى).
ففى 23 سبتمبر التقى عباس بالجالية اليهودية في نيويورك، وأكد على أن المفاوضات هي الخيار الوحيد للسلطة «وليس الشعب الفلسطيني».
إن المتغيرات الإقليمية التي حطت أوزارها في الشرق الأوسط ستؤثر كثيراً على سير المفاوضات الجديدة، في ظل الوعد الأمريكى لعباس بالضغط والتدخل من أجل دفع عملية السلام إلى الأمام لتحقيق اختراق حقيقي. قبل اتفاق إعلان المبادئ في العام 1991 والذي جاء بعد حرب الخليج الأولى وخيارات منظمة التحرير الضيقة بعد تجفيف الدعم المالي الخليجي لسوء فهم أو لموقف ياسر عرفات من غزو الكويت، أجبرت الظروف الفلسطينيين إلى الإسراع في الذهاب إلى عملية السلام وتوقيع اتفاق (أوسلو) بعد عشرين عاماً من توقيع اتفاق (أوسلو) والإجماع الفلسطيني والإسرائيلي والدولي على أن اتفاق (أوسلو) لم يحقق أياً من أهدافه فأصبح جثة ميتة إلا من الشق الأمني فقط.
الآن المنطقه أمام متغيرات جديدة ستجعل الفلسطينيين يتجهون إلى القبول برزمة اتفاقات جديدة ربما تكون (أوسلو) الجديدة. أعتقد أن التاريخ يعيد نفسه، فالعرب منقسمون ومنشغلون فيما يسمى الربيع العربي وصراعات السلطة، والفلسطينيون أنفسهم منقسمون داخلياَ في صراع عجزت كل القوى الداخلية والإقليمة عن إيجاد طريق لتوحيد طرفي الانقسام، أضف إلى ذلك افتقاد العرب لخيار آخر غير خيار المفاوضات ومحاولة الخروج من الصراع خروجاً خفياً قبل العام 1991، لم يكن هناك قنوات اتصال ما بين قطر والإمارات والأردن والعراق وتونس وليبيا ودول أخرى من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، الآن تعج البلدان العربية بقنوات الاتصال تحت مسميات أخرى؛ كمكتب تجارى أو ما شابه ذلك.
إن ذلك يعنى أن القضية الفلسطينية قد خرجت من عروبيتها، ونجحت أمريكا وإسرائيل من إخراج العالم العربي من دائرة الصراع، وأصبح اسمه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بدلاً من الصراع العربي-الإسرائيلي.
إذاً، كان اتفاق (أوسلو) هو مجرد أداة للإدارتين الأمريكية والإسرائيلية من أجل حشر الفلسطينيين في منطقة جغرافية محدودة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولتقزيم الخيارات الاستراتيجية للفلسطينيين في مجمل دائرة الصراع بأكمله، وإظهار القضية الفلسطينية كأنها صراع على حدود 1967 وهو ما حصل فعلاً.
الآن وبعد عشرين عاماً وبعد نجاح اتفاق (أوسلو) في هزيمة الفلسطينيين، يبدو أن المرحلة القادمة مهيئة - أكثر من أي وقت مضى - للمضي قدماً فى اتفاق مرحلي ثانٍ يقضي على بقية الطموحات الفلسطينية فى العيش بسلام واستقرار دائمين على أرض فلسطينية، وليست تحت الاحتلال الإسرائيلي أو متعاقديه الأمنيين المتمثلة فى السلطه الفلسطينية(قطاع غزه والضفه الغربية)، وهو بالمناسبة أحد نجاحات اتفاق (أوسلو) المبهرة. الاتفاق المرحلي لربما يستمر لعقود من الزمان وذلك لتمييع قضيتين مهمتين هما قضية اللاجئين وقضية تبادل الأراضى والقدس. ومع وجود نتنياهو المتطرف الذى كان سبباً في تسريع كشف زيف اتفاق (أوسلو) في تسعينيات القرن الماضي، لابد من النظر على أن وجوده هو استمرار لفشل العملية السلمية، واستحالة مقدرة الإدارة الأمريكية على الدفع بها، أي جهود أمريكيه لإقناع نتنياهو لقبول أي اتفاق لا يريده المستوطنون وجموع المتطرفين في دولة إسرائيل حتماً ستكون فاشلة.
أضف إلى ذلك أن الدينياميكية السياسية في الشرق الأوسط قد تغيرت ما بعد اتفاق (لافروف-كيري) حول نزع أسلحة سوريا الكيميائية والمحادثة الهاتفية ما بين الرئيسين الأمريكي والإيراني، هذا يعني انتهاء حالة العداء الظاهري بين الحكومتين، ولكن ستبقى سياسة أمريكا لإيران المتمثلة في (العصا والجزرة) مستمرة مع التلويح بالتهديد لاستخدام القوى العسكرية.
نتنياهو سيقبل عدم ضرب إيران والإصغاء إلى الإدارة الأمريكية شريطة أن تعطيه الضوء الأخضر في استكمال تهويد القدس وبناء مزيد من المستوطنات، وربما تهجير فلسطينيين من الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية والأغوار- وهذا ما يحدث فعلاً، فإسرائيل وجيشها يقوم -أسرع من الضوء- بهدم قرى بأكملها تحت حجج واهية. سيكون ذلك ثمناً مقبولاً لدى الإدارة الأمريكية، وربما ستضغط على السلطة الفلسطينية من أجل القبول باتفاق مرحلي يشابه (أوسلو) إلى حد ما، ولكن بجدول زمني يمتد لعقود، وهو ما يعني محاولة إدارة الصراع وصياغته وتقزيمه على أنه إنساني وصراع على حدود الدولة (ربما نسبة تبادل الأراضي).
هذا السيناريو هو المخرج الوحيد لفشل المفاوضات الحالية بين الجانبين. بعض الأنباء تشير إلى أن جولات المحادثات فاشلة ولم تأت بجديد، فقد أوردت جريدة الحياة اللندنية عن مسؤول أوروبي رفيع المستوى أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، فإسرائيل -كعادتها- تريد وضع العصى فى دواليب المفاوضات من خلال افتعال خلافات تجعل مجرد الوصول إلى مبادئ سير عملية التفاوض عبثية، في حين يريد المفاوض الفلسطيني البدء في قضية الحدود، تريد إسرائيل البحث في قضية تبادل الأراضي وكأن إسرائيل تريد فرض أجندتها التفاوضية، بل وفرض الحل المناسب لها من خلال الزج بالفلسطينيين في متاهات التفاوض العبثي.
إن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف الكامل بحق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة وبحرية، والاعتراف بالنكبة الفلسطينية، وبحث قضية اللاجئين في العوده لديارهم، ومن ثم عدم التفاوض على مكونات أساسية وهي: المساواة والعدل والحرية والسيادة الكاملة لدولة فلسطينية مستقلة، ولكن يبدو أن إسرائيل ما زالت مستمرة فى ممارساتها على أرض الواقع، وكأن المفاوضات تجري حول أراضي في جزر الكاريبي وليست على أراضٍ فلسطينية محتلة، فبمجرد إعلان العودة إلى مسار المفاوضات، أعلنت بلدية القدس عن إقامة حي استيطاني جنوبي مدينة القدس، ليس ذلك فقط، وإنما نقلت صحيفة (هارتس) عن وزير الاقتصاد الإسرائيلي ورئيس حزب البيت اليهودي (نفتالي بينت) أن الأشهر القادمة ستشمل إعلان نشر المزيد من العطاءات لإقامة أحياء استيطانية جديدة أو أعمال توسعية في المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية.
إن ذلك وبلا شك، يجعل التفاؤل بنتائج مرضية للفلسطينيين صعبة جداً، بل ومستحيلة، فإسرائيل تسرق المزيد من الأراضي، والفلسطينيون منشغلون في انقسامهم الداخلي وتقزيم معاناتهم إلى قضايا معابر حدودية واحتياجات إنسانية.
وبعكس ما تقوله الحكومة الإسرائيلية: من أنها تسعى لتحقيق السلام على أساس دولتين لشعبين «وتشترط يهودية الدولة العبرية وهو ما يرفضه الفلسطينيون»، يسعى (داني دانون) وهو نائب وزير الدفاع الإسرائيلي لإصدار ميثاق ليكودي لمنع إقامة الدولة الفلسطينية، هذا يأتي من قمة الهرم السياسي في أحد أهم الأحزاب الإسرائيلية وبالاطلاع وبدراسة التركيبة السياسية للدولة الإسرائيلية وأحزابها، فإنه من الممكن في حال التوصل إلى اتفاق، أن يعود الليكود «تداول الأدوار في اللعبة السياسية» إلى سدة الحكم، وبالتالي تقويض أي اتفاق مرحلي قادم، وهو ما يعني الدخول في سيناريو ما بعد (أوسلو) والانتفاضة الفلسطينية الثانية، ليس فقط المستوطنات، ولكن سياسة الاستفزاز الإسرائيلي في القدس المحتله والخليل من خلال مراسم دينية واعتقالات تعسفية تجبر الفلسطينيين على الرد على هذه الاستفزازات؛ مما يخلق جواَ يحقق فيه الإسرائليون مزيداً من الدعم الأمريكي في مواجهة المفاوض الفلسطيني، الذي لا يمتلك حتى خرائطه أو قلمه الذي يكتب به محاضر لقاءات التفاوض.
إن أسوأ ما في هذه المرحلة الحالية ومفاوضاتها هو عدم صراحة القيادة الفلسطينية مع الشعب الفلسطيني، وإطلاعه أولاً بأول على ما يدور في الغرف المغلقة حول مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة، ولكن هناك الأسوأ وهو عدم وجود استراتيجية فلسطينية مشتركه تضم كافة الفصائل الفلسطينية، وليس فقط منظمة التحرير بوصفها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني «وهذا لا خلاف عليه»؛ فالرئاسة الفلسطينية لم توضح حتى اللحظة استراتيجيتها بالنسبة لملف المصالحة الذي أصبح غير مطروح؛ بسبب تعنت حركة حماس وقادتها في غزة، أضف إلى ذلك حالة العداء المباشر والموجه لأهالي قطاع غزة من قبل الجيش المصري بسبب التدخل السافر لحركة حماس وجناحها العسكري في الشأن المصري بعد خلع الرئيس المصرى، بسبب ذلك أصبح المواطن الفلسطيني كالأبلة محبط من التنظيمات، وافتقد القدرة على إعطاء شرعية أو حتى إضفائها على أداء كلٍّ من سلطة الضفة الغربية أو حماس، سينتج عن ذلك صعوبة في إقناع هذا الشعب بشرعية أي اتفاق مرحلي أو دائم، يتم فيه التنازل عن قضايا أساسية منها: الأغوار واللاجئون والقدس، فالجيل الجديد أوعى من أن يتم تمويع آرائه وتسقيتها في بوتقة الأحزاب السياسيه وإن ظهر الآن غير ذلك نتيجة الاستقطاب الحاد بين أيدلوجية فتح وحماس، وهنا يجب الإشارة على أن حالة الاستقطاب ليست بين مشروعين، وإنما بين أيديلوجيتين رأس حربتها فتح وحماس وحالة الاستقطاب ليست بالضرورة تعبيراً وقبولاً عن مشروعي حماس وفتح.
أعتقد أن الاتفاق القادم سيكون الأخطر على الوجود الفلسطيني وكيانه المستقل.
على القيادة الفلسطينية استنتاج أخطاء اتفاق (أوسلو) ودراستها جيداَ والاستعانة بخبراء فلسطينيين وليس بريطانيين أو أمريكيين حتى يكون أي اتفاق مرحلي سواء طويل الأمد أم قصير الأمد ذا مغزى واضح ويحقق آمال الشعب الفلسطينى وطموحاته، فضلا عن الحاجة الملحة بأن تكون كافة الملفات وتطبيقها تطبيقاً متوازياً؛ حيث إن ملف المعتقلين هو من أهم الملفات، ولكن ملف اللاجئين هو القضية الأكبر للشعب، ربما تأتى فترة سلام وهدوء على الأرض ولكن لن تدوم كثيراً، فحلم إسرائيل الكبرى ما زال يراود قادة إسرائيل وسياسييها، وأعينهم ما زالت على كل قطعة أرض في الضفة الفلسطينية وكل شبر في القدس المحتلة.
وفي النهاية يبقى الخيار الوحيد -بعد فشل هذه المفاوضات- الذي يمكن الفلسطينيين واليهود من العيش بسلام هو دولة ثنائية القومية، فدولتان لشعبين لن يقبل بها الفلسطينينون ولن يقبل بها اليهود كذلك، فالفلسطيني في غزة، يقرأ عن حيفا ويافا وعكا أكثر مما يقرأ عن غزه ويعرف عن القدس وبئر السبع أكثر مما يعرف عن رفح وخانيونس، وكذلك بنت رام الله وبنت جنين، أما اليهود الإسرائيليون فسيكونون أمام خيارين إما القبول بالعيش سوياً في دولة مشتركة يتقاسم فيها سكانها خيراتها، وإما عنفاً طويل الأمد ستذهب فيه دماء الكثير من الأبرياء.
لاتوجد تعليقات