كرسي مرسي .. والتعنت الإخواني !!
هلل الناس وكبروا مع المكبرين ودعوا على الظالمين في ساحة رابعة حبا للدين، ورفضا لممارسات القمع ومحاولات سلب السلطة الشرعية وما أفرزته صناديق الاقتراع في مصر، ثم كان الحشد والاعتصام والخطابات النارية وتبادل الاتهامات والحروب الإعلامية بين الإخوان وقوى الأمن، وساحتها الفضائيات وصفحات الجرائد ووسائل التفاعل الاجتماعي الجديد، وتصاعدت وتيرة التهديد والوعيد، والوساطات والوفود لحل أزمة إقصاء د.مرسي عن سدة الحكم دون جدوى،وصار عموم المسلمين في حيرة من أمرهم بين تأييدهم
ومناصرتهم فزعة للدين، وبين الخوف والتوجس من مآلات الأمور في ظل اختلال موازين القوى، وما شهدناه من مواجهة الصدور العارية لآلة الحرب والفتك العسكري!
وزاد الاستقطاب في المجتمع المصري، وما لبث أن تنازع الأشقاء في البيت الواحد، وساد الخوف والرعب من القادم المجهول، وكان ذلك ينذر بانفجار ما لبث أن تطايرت أشلاؤه وشظاياه لتطال قلوب المسلمين في العالم أجمع، وجاء الفض الأمني العنيف لاعتصامات مصر ليخلف آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين، ويعيد إلى الأذهان سنوات القمع ومعتقلات التعذيب والتنكيل في زمن جمال عبدالناصر وما تلاه من حكم، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تبعات هذا الوضع الجديد الدامي، وما آلت إليه الأمور في مصر يتحمل مسؤوليته كل من القوى الأمنية في مصر والإخوان المسلمون بقيادة الطرفين، وسيسأل يوم القيامة عن حمامات الدم كل من أسهم في حدوثها، وشارك في تأجيج الفتنة، وزج بالأبرياء إلى أتون الحرق والتعذيب.
لن نخاطب السيسي والعسكر؛ لأنهم في موقع قوة مفرطة ويتقدمهم البلطجية، ولكننا نخاطب قادة الإخوان وكل من له ضمير أو دين في مصر ألا يدفع الناس إلى الشوارع، حتى لا يجعل ذلك مسوّغا للقتل والحرق.
ليتهم فعلوا :
ثمانون عاما قضاها الإخوان في مصر بانتظار فرصة لتطبيق مشروعهم الإسلامي السياسي في الحكم، وكان من أعجب ما حصل في تاريخ الإسلام المعاصر أن يخرج الإخوان من المعتقلات ليجلسوا على كرسي الحكم في مصر في مفارقة عجيبة أذهلت العالم، ولكن نتائج ما حصل جعلنا نقول بصوت عال:
- ليت الإخوان استمروا في برنامجهم التربوي، وتقديم الخدمات للمجتمع والشعب المصري كسابق عهدهم، ولم يجعلوا من كرسي مرسي قضية موت وحياة، ومسألة كفر وإيمان ومناط جنة ونار!!
- وليت قادة الإخوان في العالم قدروا الأمور بدقة، وليتهم أدركوا أن طغيان معاول هدم مصر في عهد مرسي إشارة واضحة إلى قرب سقوطه واستحالة نجاحه.
- وليت قادة الإخوان لم يغتروا بالسلطة بوجود نفوذ الدولة العميقة وتراخي مرسي حتى بقيت النار تحت الرماد، وما أن تمكنوا حتى أحرقوا مصر.
- وليت قادة الإخوان قدروا المصالح والمفاسد، وليتهم جعلوا من وصولهم إلى سدة الحكم في مصر فترة مرحلية ثم تنحوا بعد عام واحد بإرادتهم، وليتهم قبلوا بعمل استفتاء ينزع فتيل الفتنة ويحقن الدماء.
- كنتم -أيها الإخوان- في موقع قوة وتملكون حق التفاوض وشرف حقن الدماء ووأد الفتنة وحفظ مكتسبات التجربة الإسلامية في مصر، ولكنكم بتعنت قياداتكم وإصرارهم على استعادة كرسي مرسي أججتم الشارع، وحرضتم على قتل الأبرياء بقصد أو بغير قصد، ونحن نكل السرائر إلى الله، ولنا في نتائج الأمور ومآلاتها على الأرض.
لقد أخطأتم -أيها الإخوان - أيما خطأ حين تغاضيتم عن نتائج أحداث الجزائر وغزة، وعن تقييم تجربة الإسلاميين في الحكم، وبعد هذا كله - للأسف - لا يزال الإخوان يرفعون شعارات: أسبوع رحيل العسكر .. وجمعة سقوط الانقلاب .. وغير ذلك من الأسماء. حرام عليكم حث الأبرياء العزل وتعبئتهم حتى يقتلوا ويحرقوا، يكفيكم شعارات جوفاء..
أعلى النموذج
كم أرجو أن يدرك الإخوان أن المسألة ليست جمع حقائق وكشف تناقضات واجترار جرائم ما مضى، وإنما تدارك ما سيأتي فقتل وحرق المئات على يد المجرمين والبلطجية - رغم مرارته - أهون من استمرار تلك المجازر في ظل تصاعد قوة الباطل ودعمه الدولي، وانعدام المعايير واختلال الموازين وسطوة الفساد ونفوذ المال ومعادلات السياسة، ويبقى دم المصريين أولى بالحقن وعدم التفريط به من أجل مثل تلك الشعارات الجوفاء والعنتريات الفارغة التي شبعنا منها ودفعنا ثمنها في رابعة والنهضة.
لقد أسفر تخبط وتعنت الإخوان عن توفير المناخ الآمن لإطلاق سراح حسني مبارك من جديد، وعودة التجربة الإسلامية في مصر 100 عام إلى الوراء!!، وإننا رغم هذا كله نرفض الشماتة والتشفي، ونرفض كل أنواع العنف وممارسات القتل والحرق التي تنتهجها الآلة الأمنية في مصر
وليعلم أن مقدار الظلم والقتل والتنكيل الذي قام به بعض العسكر من جيش وشرطة وما سمحوا به للبلطجية من أفعال إجرامية لا يرضي الله، ونخشى عاقبته على مصر، وآن لكل من يخشى على دماء المسلمين أن يدفع باتجاه المصالحة الحقيقية، وبث روح التسامح والعفو والعدل والإصلاح، وتناسي أمر السلطة في مصر حقنا للدماء.
وليعلم أن دهاليز السياسة وأمور الحكم والسلطان مظنة التهلكة والفتنة؛ ولا صلاح للأمة إلا باتباع نهج نبينا والصبر على البلاء والإعداد الحقيقي والعمل الأفقي لتوسيع دائرة الصلاح والفلاح في المجتمع قبل الصعود إلى أعلى، ولنتذكر دوما أن الله سبحانه وتعالى تعبدنا وسيحاسبنا يوم القيامة على الصلاة والصيام وباقي أركان الإسلام وعليها مناط الدين، أما الخروج والجهاد وأحكامهما فينبري لهما أولو العلم والفضل من العلماء الراسخين والأئمة المجددين على مر الأعوام والسنين، ولن تتوقف عجلة الحياة ولن تنطبق السموات على الأرض إذا لم يحكم الإخوان والإسلاميون غدا أو بعد غد .. وكفاية دماء يا مصر .. فقد أوجعت قلوبنا.
لاتوجد تعليقات