إلى الدعاة المخلصين لاتنازعـوا فتفشلـوا
في الوقت الذي تئن فيه أمتنا من الجراح، وهي أحوج ما تحتاج إلى ساعة كفاح، وفي الوقت الذي تحتاج فيه أمتنا إلى ردها إلى دينها الحق، وتوحيدها الصحيح، وإلى رفع درجة إيمانها، واستنهاض عزائمها، لرفع هذا الجهل الذي ساد معظم بلادها، ولدفع هذا الظلم الذي غشي أغلب أفرادها.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه الأمة لمؤامرات عظيمة تدبر، وخطط خطيرة بخبث تنفذ، نساء تُرمَّل، أطفال تُيتَّم، فتيات تُنتهك أعراضهن، شباب يُذبح كالنعاج، دماء تجري كالأنهار، همجية قادمة تحمل أفكارًا بائدة، أو علمانية فاسدة، أو شهوانية ماجنة تهدد.
في هذه الظروف العصيبة، التي أحوج ما نكون فيها إلى إحياء الأخوة والمحبة، ووحدة الصف، والتناصح والألفة، ترانا نتتبع عثرات إخواننا، يتقصَّد بعضنا تحطيم بعض، نتعمَّد فضح دعاتنا، نترصد أخطاء علمائنا، نستبدل الفضيحة بالنصيحة، والشقاق بالوفاق، والبغضاء بالأخوة والمحبة والحسد والحقد.
ردود على ردود، وافتراءات على افتراءات، واتهامات تلو الاتهامات، وقد هجرنا أسباب التثبت، ودليلنا حظوظ أنفسنا، ونقبل الأخبار حبًا بالمخبِر، أو ترصدًا بالمُخبَر عنه، أمور تُدمي القلب، وتملأ الفؤاد حسرات وحسرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أخي رُوَيْـدَكَ بي ممّاَ يَحلُّ بِنـا
همٌّ يَطُـولُ وبي مِنْ قوْمنِا عَـجَـبُ
همٌّ يَكادُ مَعَ الأهْـوالِ يَذْهَـبُ بـي
وغَضْبةٌ لم تَزَلْ في الصَّدْر تَضطربُ
ضَجَّتْ شِعاراتُنا في كلِّ نـاحِـيـةٍ
ولم تضجَّ بنـا الساحاتُ والِهضَـبُ
يَكـادُ بنياننـا يَنْهـارُ مِنْ وَهَـنٍ
والناس في غفوة الأحلام قد ذهبـوا
ما بالُنـا افْتَرَقَـتْ ساحاتُنـا شِيعَـًا
يكـاد يَطْحَنُهمْ مِـن خُلْفهِمْ حَـرْبُ
الجـاهليّـة مَـدَّت مِـنْ مَخالِبهـا
فَقطـع الـرّحِمُ الموصُولُ والسَّبَـبُ
الاختلاف أمر قدري كوني:
إن وقوع الاختلاف بين البشر أمر قدري كوني، ولقد قضت مشيئة الله تعالى خلق الناس بعقول ومدارك متباينة، إلى جانب اختلاف الألسنة والألوان والتصورات والأفكار، وكل هذه الأمور تفضي إلى تعدد الآراء والأحكام.
قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:119).
وقال صلى الله عليه وسلم : «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»(2).
فهذه الأدلة تدل على أن الاختلاف بين الناس واقع لا محالة، وقضاء الله به نافذ؛ لسبق الكلمة منه بتأجيل الفصل والقضاء بين الناس إلى أجل مسمى.
ولكن هل يعني هذا أن نستسلم لهذا القدر؟ كلا؛ فهذا الاختلاف من قدر الله الذي أمرنا شرعًا أن نفرَّ منه إلى قدر الله؛ بالائتلاف والاجتماع، فندفع القدر بالقدر، وننازع القدر المكروه بالقدر المحبوب، والواجب اتِّباع الشرع والإيمان به، وليس ترك الشرع والاحتجاج بالقدر، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران:103).
وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال: 1)، قال البغوي في تفسيرها: «أي: اتقوا الله بطاعته، وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة».
مفاسد التنازع:
لقد أكد سبحانه النهي عن التنازع بذكر مفاسده وأضراره، وأخطرها الفشل وذهاب الريح، قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46)، قال الرازي رحمه الله: «وفيه مسائل:
- المسألة الأولى: بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين، أحدهما: أنه يوجب حصول الفشل والضعف، والثاني: قوله {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} وفيه قولان، الأول: المراد بالريح الدولة، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها، يقال: (هبت رياح فلان) إذا دانت له الدولة ونفد أمره، الثاني: أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور»، والقول الأول أقوى؛ لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثرًا في ذهاب الريح، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا، قال مجاهد: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي نصرتكم، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد».
كذلك فإن الفرقة تُفرح أعداء هذه الأمة، الذين يتربصون بها الدوائر وهي أيضًا سبب في تسلطهم على هذه الأمة، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة، علمائها ومشايخها وكبرائها، هو الذي أوجب تسليط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب».
الائتلاف من قواعد الدين العظيمة:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين؛ فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (الأنفال0: 1)، ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103)، ويقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 105)، وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف».
كلمة أخيرة:
حينما تريد الحركة الإسلامية أن تقف على قدميها، فلابد أن تكون فصائلها متحالفة مترابطة، والوحدة التي نريدها هي وحدة الطاقات، فالبعض يملك القوة العددية، والبعض يملك الكوادر، والطرف الثالث يملك المال، وآخر يملك طاقة أخرى، وهكذا يمكن أن تتكامل هذه الطاقات وتتعاون في سبيل هدفنا الواحد.
إننا لا نرمي من وراء دعوتنا إلى الوحدة بين فصائل الحركة أن يتنازل رءوس الفصائل الإسلامية في الحركة عن أفكارهم الشخصية، ما دام الشرع يشهد لها بالقبول، ولا نطلب منهم أن يتخلوا عن مواقفهم؛ بل نطلب منهم أن يتقدموا بمجهوداتهم، ويساهموا بطاقاتهم في الحركة الإسلامية، بحيث ينتظم عمل الجميع في إطار واحد متكامل الأجزاء؛ للانطلاق إلى الهدف المنشود من عودة هذه الأمة وإحيائها بالتوحيد، وبعثها لتقود هذه البشرية من جديد.
نقول للجميع: إننا نعمل من أجل دعوة واحدة، ونسعى إلى هدف واحد، ونرتبط بمصير واحد؛ فعلينا أن نعمل في اتجاه واحد، وفق منهاج واضح، وأن نتعاون على البر والتقوى، ولا نتنازع فيما بيننا فنفشل ونضعف، وتضيع الأهداف التي ننشدها.
وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.
أخي مَـدَدْتُ يَدِي بالأمْسِ مرتَجِيـًا
عَوْنًا على الحقِّ، نِعْمَ السعيُ والطَّلَبُ
رَجَوتُ لُوْ يَلْتَقي حَشدُ الدعـاة على
صَفٍّ وَيَنْهـضُ بُنيـانٌ لنـا أشِـبُ
ولو تَلُـمُّ عُـرَا الإيمـان فُـرْقَتَنـا
وعـروةُ الحقِّ والتوحيـد مُنْتَسَـبُ
هَمْسٌ يَدُور ونجْوَى لا وَفَـاءَ بهـا
كـم فرّقَ المسلمين الظنُّ والكـذبُ
وفوَّتـوا فُرَصـًا كانـت نجـاتُهُـمُ
فيها فما عادَ يُجدي اللَّـومُ والعَتَـبُ
لله أشْكُو الذي نَلْقَـاه! مـا يَئِسَـتْ
نفسي ولا وهَنَ البـذلُ الذي يجـبُ
فـانهضْ لنجمَع مِنْ أشْتاتنـا أمَـلًا
وتَـوْبَـةً عَلَّنـا نَدْنُـو ونَقْـتَـرِبُ
لاتوجد تعليقات