رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 28 يناير، 2013 0 تعليق

فضيلـــة الشــــيـــــخ مشهور حسن:لصالح من تتفرق وتتشعب مكامن القوة ومراكزها في الأمة.. بل تتطاحن ويصبح بعضها ندّاً للآخر؟!


هناك صنف من الناس لهم وجهين محمودان، وجه للناس ووجه للحكام وهم العلماء، فأمام الحكام يأخذون حقوق الناس، و أمام الناس يأمرونهم بطاعة الحكام؛ لذلك يبقى هؤلاء العلماء صمام الأمان في المجتمع

الأصل أن العقلاء من الناس يبتدئون بما يستطيعون، وأن يتوسعوا في الخير الذي أمامهم ومن خلاله يتوصلون إلى الذي لا يستطيعون وفق النصوص الشرعية

نحن بحاجة إلى الاسترشاد بالعلماء أصحاب البصيرة وأصحاب التجربة، الذين خبروا الناس والذين يعرفون سنة الله جل

 في علاه في التغيير

ليعلم الكافة من أبناء الدعوة أن كل خلاف بقي ممتدًا بين المحققين الكبار والعلماء المعتبرين من أصحاب المنهج السليم، فهو خلاف مستساغ

هذه الدعوة المباركة هي دين الله النقي الذي أنزله الله على قلب نبيه [، وأن الله يسر لها من يحفظها، والواجب علينا أن نبذل جهدنا و أن نرفع شعار التكامل لا التآكل

الواجب الآن تذكير الناس، والواجب المناصحة، والواجب الائتلاف، آن لنا أن نجتمع، فالافتراق كان أول سمة في الخروج عن منهج الصحابة

 

تمر الأمة الإسلامية بمفترق طرق ومنعطف حاسم في تاريخها، ولا شك أننا في هذه المرحلة الخطيرة والرؤية يشوبها شيء من عدم الوضوح، والنوايا تتأرجح بين منطق الثقة والخوف، وبين الشك واليقين، في طبيعة هذه التغيرات وأبعادها وكيفية التعامل معها، كان من الضروري أن نلتقي بأحد علماء الدعوة السلفية لنقف معه على أهم الثوابت التي يجب أن ننطلق منها في التعامل مع هذه الأحداث وموقف الدعوة السلفية منها، فكان لقاؤنا مع الشيخ مشهور حسن -حفظه الله-، وسألته بداية عن رؤيته لتلك الأحداث التي  مرت بالأمة، والتغييرات التي وقعت فيها، وما الواجب على العلماء وطلبة العلم تـجاه هذه التغيرات؟

- باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالكلام طويل وكثير، لكن لا بد في المقدمة من التركيز على أن النص الشرعي ثابت، وأن فيه الغنية والكفاية، وأن ما ورد في الشرع يحقق المصلحة في الحال والمآل، وفي المعاش والمعاد، ولا بد أن نعلم علم اليقين أن التغيير قد يقع، لكن التغيير الذي يقع، هل هو التغيير الذي يحبه الله ويرضاه أم لا؟

     وحينما ننظر إلى قول الله عز وجل في سورة الرعد: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، نجد أن ما جاء بعدها من آيات سنن لله كونية، تغييرات كثيرة تقع على مناهج متعددة، منها المنهج الشرعي ومنها المنهج غير الشرعي، منها التغيير على مناهج العلمانيين واللادينيين، فهنالك المظاهرات، وهنالك الانقلابات، وهنالك الثورات، وهناك ما يسمى بالعصيان المدني وإسقاط النظام وإسقاط الدولة، وهذا كله سببه عدم وجود النمط الشرعي للتغيير.

     أنا في تقديري أن الناس ثلاثة أصناف، الصنف الأول الحكام، والصنف الثاني المحكومون، وهناك صنف من الناس أنا أقول إن لهم وجهين، والوجهان محمودان، وجه للناس ووجه للحكام وهم العلماء، فالعلماء أمام الحكام يأخذون حقوق الظلمة منهم، ويطالبون بحقوق الناس، وهم أمام الناس يأمرونهم بطاعة الحكام؛ لذلك يبقى هؤلاء العلماء صمام الأمان في المجتمع، وإن فقد هذا النوع تأزمت الأمور، وحصل ما حصل، ولما عشنا حياة الغرب أصبحنا كأننا نحتاج إلى طريقتهم في التغيير، مع أن ديننا فيه غنية وكفاية، ولسنا في حاجة إلى طريقتهم في التغيير، فطريقة تغييرهم فيها الغث والسمين، وفيها ما ننكره، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا في حديث أبي موسى الأشعري فقال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، ليس بقتلكم الكفار، ولكن بقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل أخاه وعمه وابن عمه وجاره، قالوا: يا رسول الله وعقولنا معنا؟ قال: نعم، ولكن تصبح كأنها هباء».

     الآن سفك الدماء في الثورات أكثر من الحروب، فالطريقة الشرعية للتغيير فيها مأمن، وفيها تقدم وإيغال في الخير، والأصل أن العقلاء من الناس يبتدئون بما يستطيعون، وأن يتوسعوا في الخير الذي أمامهم ومن خلاله يتوصلون إلى الذي لا يستطيعون وفق النصوص الشرعية ودون تعد على الحقوق، أما أن نبدأ بالذي لا نستطيع، وأن نجعل نفرة وفرقة بين مكامن القوة في الأمة، فهذا ليس من شأن العقلاء، ولصالح من تتفرق وتتشعب مكامن القوة في الأمة ومراكزها، بل تتطاحن ويصبح بعضها ندًا للآخر؟! والناس ثلاثة كما قال أبو بكر الوراق، وقد أسند عنه ذلك أبو نعيم في الحلية: الناس ثلاثة، أمراء، وعلماء، وعباد، فإذا فسد العلماء فسد الدين، وإذا فسد الأمراء فسدت المعيشة، وإذا فسد العباد فسدت الأخلاق.

     إن القوة في الأمة تكمن في الحكام، ومن يعمل معهم، والقوة في الدين تتمثل في العالم وأعوانه من الأئمة والخطباء والوعاظ، والأصل في الأمراء أن يكونوا جندًا للحاكم، والأصل في العلماء أن يكونوا ردفًا للأمراء، وأن يكونوا مع الحاكم يأمرون بالسمع والطاعة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي رأسه كالزبيبة»، وعلماء السياسة الشرعية يقولون: يشترط في الحاكم أن يكون حرًا قرشيًا ذا هيئة حسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نطيعه وإن تخلفت الحرية فأصبح عبدًا، وإن تخلفت القرشية فأصبح حبشيًا، وإن تخلفت الهيئة الحسنة فأصبحت رأسه كالزبيبة، ومع هذا فقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نطيع أمراءنا.

     ولأن الأمر خطير فقد قال بعض السلف: «أمير غشوم خير من فتنة تدوم»، فنحن نقبل أخف الشرين، لا نريد أن نحصل شيئًا في الخيال، ومن قواعد المصالح والمفاسد، المتفق عليها عند علماء الأصول: أن المصلحة المتحققة مقدمة على المصلحة المظنونة المتوهمة، الشيء القائم، الأصل أن نستصلحه لا أن نستأصله، والأصل أن نطوره وننميه ونقويه، ونهذبه، وأن نبعد الشر عنه، كم من الإصلاح وقع في البلاد المجاورة كنا نظنه شيئًا ووجدنا حقيقته على شيء آخر.

     فالذي أراه أن طرق الإصلاح بينها الله عز وجل وقررها سبحانه في كتابه، وذكرها في آيات: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فابتدأ بقوله «إن»، ثم قال: «لا يغيروا»، ثم أتبعها بـ «حتى»، وهذا يفيد الحصر- حصر نفي التغيير- ثم قال «ما» وهي تفيد التقريب، مثل قوله سبحانه: {ضرب الله مثلا ما بعوضة فما فوقها}، وجاءت «قوم» نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم، أي تشمل جميع العباد، ثم قال: {حتى يغيروا ما بأنفسهم}، فالله القادر الذي لا يعجزه شيء، ذكر فاعلين للتغيير، ذكر تغييره، وذكر تغيير غيره، وعلق تغييره - وهو الذي لا يعجزه شيء سبحانه- على تغيير الناس ما بأنفسهم، فهذه سنة لله مطردة، لا يمكن أن تنسخها صحيفة ولا مقالة، ولا تقرير سياسي ولا خطبة رنانة.

     ومن المعلوم أن الجديد له بهجة ولكنك إذا تفحصتها بدقة تجدها بمثابة زركشة ولون سرعان ما يزول، والمسلمون اليوم على مفترق طريق خطير جدًا، فالناس ما لم يمتثلوا أمر الله عز وجل الآن، ويسلكوا سبيل العلماء فإنهم يبحثون عن سراب، وهذه المسائل لا تقبل القيل والقال، ولا تقبل الاجتهاد مع موضع النص كما يقولون.

     أما بالنسبة لما سألت عنه عن واجب العلماء وطلبة العلم، فأقول: الواجب عليهم اليوم أكبر من ذي قبل، فعليهم أن تشتد أنفاسهم وأن يرفعوا أصواتهم، وأن يذكروا الناس بربهم وأن يعملوا عملاً زائدًا كأهل بدر، فأهل بدر كان الواحد منهم كما ذكر الله عز وجل: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}، كان مطلوبا من الواحد أن يعمل عمل عشرة، ثم بعد ذلك نسخ الأمر بقوله عز وجل: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}، الواجب في المعركة، الواحد يعمل عمل اثنين، فكيف بطلبة العلم وكثير منهم لا يعملون، كثيرون منهم لا يشاركون في التنبيه على أحوال الأمة؟! الواجب على طلبة العلم أن يظهروا ما عندهم من خيرات للأمة، ووسائل الإعلام اليوم كثيرة من صحف ومجلات وقنوات، ووسائل حديثة كالإنترنت وغيره، ورحمة بنا قال لنا نبينا صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ولم يحدد الوسيلة حتى نستفيد من كل الوسائل.

- كيف يتعامل السلفيون مع هذا الواقع الـجديد؟

- أولاً: يجب أن تحدد السؤال تحديداً أدق، وأن تسأل عن نازلة بعينها، بعد ذلك يمكن أن تقرر الوسائل.

- ثانيًا: الأصل العام وهو مدار سؤالي عن الجواب السابق لأنه عام، والجواب من جنس السؤال وهو: أن المنهي عنه شرعًا، ألا يعامل معاملة المعدوم حسًا، ففي الحديث: «إذا تأمر عليكم عبد حبشي رأسه كالزبيبة»، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل المنهي عنه شرعًا ليس كالمعدوم حسًا، فنحن نعامل ما يجري في الدنيا معاملة الشيء المعدوم، والواجب علينا أن نستصلح، وإذا أخذنا مصر على سبيل المثال اليوم فبفضل الله الأمور أصبحت مفتوحة، والواجب علينا أن نركز أولوياتنا في نشر التوحيد، وترسيخ مفهوم التصفية والتربية.

     المطلوب منا أن نستخدم الوسائل كافة التي منها العام والخاص، فالعام ما يخص عامة الناس، فالبعيد نقربه، والعدو نحيده، والقريب منا نجعله واحدًا منا، وهناك وسائل خاصة بأبناء الدعوة، فعلينا أن نرفع من مستواهم، وأن يكونوا على قدر الأحداث، وينبغي أن نستثمر طاقاتهم وجهودهم الاستثمار الأمثل ونوظفها التوظيف المناسب، وعلى هؤلاء الشباب الاسترشاد بالعلماء الموجودين بالساحة، فلا ينبغي أن نجعل الرأي العام هو الذي يحركنا وأن ندور معه حيث دار، والخبراء يؤكدون أن الرأي العام وهم وسراب ولا يمكن أن نركض وراءه.

     نحن بحاجة إلى الاسترشاد بالعلماء أصحاب البصيرة وأصحاب التجربة، الذين خبروا الناس والذين يعرفون سنة الله جل في علاه في التغيير، وسنة الأنبياء في ذلك وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مجريات دعوته، فالواجب على هؤلاء العلماء أن يعمقوا الثوابت في الأمة، ثوابت الأمة وثوابت الدعوة مهمة جدًا، الشعوب العربية شعوب مسلمة، ولا تقبل بأشخاص يطالبون -مثلاً- بحقوق البوذيين بينهم، وهؤلاء الذي يرفعون شعارات براقة يأبى الله إلا أن يفضحهم بها من خلال فلتات ألسنتهم، الشعب المصري -مثلا- شعب له ثوابت ويحب الله ورسوله، شعب سني، ومصر بلد العطاء وبلد الأزهر والعلماء، ونحن في الحقيقة نخاف من الفوضى أن تتعمق وأن تبقى فوضى خلاقة منظمة، وأخشى على مصر -لا قدر الله- إن بقي الخلاف بينهم على كل جزئية بالطريقة الموجودة حاليًا أن يطمعوا بهم عدوهم، وأن يحتلهم.

      أنا ممن يعتقد -وأصلت لذلك تأصيلا جيدًا في كتابي: العراق في أحاديث وآثار الفتن- أننا لا يجوز أن نسقط الأحداث على الأحاديث، وإن صنعنا ذلك فإننا نكون قد تعجلنا، وإنما ينبغي أن تكون سياستنا في الدعوة إلى الله تعالى في التحذير من ولوج هذه الفتن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها»، قال أبو هريرة: «وعدتم كما بدأتم، شهد على هذا لحم أبي هريرة ودمه»، هذا حديث في صحيح مسلم، وبعضهم زعم أن هذا الحديث كان فيما مضى، وفي هذا الحديث دليل على أن المسلمين سيفتحون هذه الديار، وأن خيراتها ستكون للمسلمين، وهذا فهم غير صحيح؛ لأنه قد ورد في آخر الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وعدتم كما بدأتم»، أي عدتم غرباء كما بدأتم غرباء، أي إن ذلك سيكون في وقت الغربة، وفي هذا الوقت لم تكن هناك غربة، وإنما ذلك في آخر الزمان، ويكون بين يدي الملاحم التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «يوشك أن تمنع العراق درهمها ودينارها» قال أبو نضرة: من قبل من؟ قال: من قبل العجم، هم أقوام أنسابهم مختلطة ولكن تجمعهم عجمة اللسان، هؤلاء يمنعون العراق في آخر الزمان خيراتها.

     ثم قال: يوشك أن تمنع الشام مديها ودينارها، قال أبو نضرة لجابر بن عبد الله: من قبل من؟ قال: من قبل الروم، والروم هم الروم بن عيص بن إسحق، قوم يجمعهم نسب، وهم العرق الأوروبي اليوم، هؤلاء الذين يحاصرون سوريا ويمنعون عنها الخيرات، وهذا بعد أن يمنع العجم خيرات العراق، ثم -وهذا الشاهد- ونحن نتحدث عن مصر، قال: يوشك أن تمنع مصر إردبها ودينارها، وقد بحثت وأطلت البحث ونظرت في المطبوعات وفي الأجزاء الحديثية، وما وصلت إليه يدي من المخطوطات، من الذي يمنع أهل مصر خيرات بلادهم، فلم أظفر بشيء.

     لكن هنا قال جابر لهم: ويوشك أن يكون إمام يحثو المال حثيًا ولا يعده عدًا، قال الجريري -الراوي عن أبي نضرة الحديث-: من؟ عمر بن عبد العزيز؟ قال: لا، هذا في آخر الزمان، هذا ليس عمر بن عبد العزيز، هذه الأحاديث تكون في آخر الزمان؛ لأن الكفار والعجم يبتدئون بالعراق ويمنعون خيرات بلادها ويحتلونها، ثم يتحولون إلى بلاد الشام، ولكن يتغير المحتل ويصبح المحتل الروم، وتبقى قلاقل في مصر حتى يطمع العدو فيها.

     أنا لا أسقط هذه الأحاديث على ما جرى أو ما يجري اليوم في الشام، لكني أتخوف، وهذا منهج السلف الصالح، وأنادي الغيورين على مصر من المصلحين من أصحاب الديانة ومن غير أصحاب الديانة، من المسلمين ومن غير المسلمين، أناديهم وأقول لهم: اتقوا الله في مصر، اتقوا الله في هذه الأمة العظيمة، اتقوا الله في العرب، اتخذوا جميع الوسائل والإجراءات التي تحول دون احتلال سوريا عسكريًا، وأوقفوا الفوضى في مصر قدر جهدكم وإمكاناتكم، هناك أيادٍ خفية كثيرة تريد شرًا بالمسلمين، أسأل الله أن يحفظ سورية ومصر وأن يحفظ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

- كيف نتجاوز الخلافات السلفية، وكيف نوجد وعيا لدى قيادات الدعوة وقواعدها بخطورة الـمرحلة التي تـمر بها الدعوة في الوقت الراهن؟

- لا بد من ذكر أشياء، أولاً: أخبرنا ربنا عز وجل فقال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أننا سنتبع ما قبلنا، أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينة، وهناك سر لطيف عند الربط بين الآيات لا يقف عليه إلا أصحاب النباهة وأصحاب التوفيق، قال الله تعالى بعد أن قال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة}، قال سبحانه بعدها مباشرة: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، سبب تفرقهم عدم إخلاصهم، وسبب تفرقهم عدم إقامة الدين.

     فعندما يصبح هم السلفي عدم إقامة الدين، وحينما يصبح هم السلفي أن يحقق ذاته وأن ينتصر على أخيه، وأن يغلبه بلا ضوابط، فحينئذ ينشأ الخلاف، أعني أن الحجة والبرهان والعلم الذي لدى السلفيين لا بد أن تصحبه تزكية، وأن تكون النفوس صافية وطاهرة، وأن تكون الصدور واسعة تتقبل الخلاف في المسائل العلمية التي وسعت من قبلنا، قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء}، وقال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}. خاب من دساها، هي الموصلة إلى الفرقة، وهي نوع من أنواع الخيبة، وقال الله تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم}، وهذا يتوافق مع قوله عز وجل: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة}، فسبب الفرقة: البغي، والدعوة السلفية ليست دعوة مسائل، وكل من جعل الدعوة السلفية دعوة مسائل مسخها، هناك مسائل كثيرة اختلف فيها مشايخنا الكبار، الخلاف المعتبر يعرف بثمرته وماهيته، أما ما يعرف بماهيته فلا يقدر عليه إلا المؤصلون من طلبة العلم، النبهاء الذين يعرفون سبب الخلاف في دقائق المسائل، وهم ذوو مكنة أصولية ومعرفة شمولية، وهناك خلاف يعرف بالثمرة، وهذا النوع من الخلاف يعرفه كافة أبناء الدعوة.

     وليعلم الكافة من أبناء الدعوة أن كل خلاف بقي ممتدًا بين المحققين الكبار والعلماء المعتبرين من أصحاب المنهج السليم، فهو خلاف مستساغ، كل مسألة وقع فيها الخلاف بين مشايخنا الكبار ما وسعهم فيها يسعنا، ولكن أن يصبح الولاء والبراء، والحب والبغض معقودًا على مسائل وعلى أسماء، فهذا مرفوض، رفضه النبي صلى الله عليه وسلم، لما سمع من يقول: يا للمهاجرين، ومن يقول: يا للأنصار: فقال صلى الله عليه وسلم: «أجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟!»، فالسلفيون لا بد أن يكونوا مؤصلين تأصيلاً علميًا، وأن يزكوا أنفسهم بالتزكية الشرعية في العمل الواجب، وأن يتقوا الله جل في علاه، ويحسبوا للقائه سبحانه حسابًا شديدًا ويقدروا الآثار المترتبة على الخلاف، قال تعالى: «وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم، ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم}، وقال الله بعدها: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}، الكبار إذا لم يتقوا الله في الدعوة فإنهم يعرضون أبناء الدعوة، ويعرضون عوام المسلمين للشك في دينهم وفي ثوابت منهجهم، وهذا نص القرآن: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}.

     والذي يدرس تاريخ شيخ الإسلام ابن تيمية ودعوته على وجه مخصوص يرى أن أخطر شيء على الدعوات الجيلان الثاني والثالث، وليس الأول، والجيل الثالث خطير جدًا، والذي يدرس ويدقق فيما جرى مع أتباع ابن تيمية من الجيل الثالث، وما صار بينهم من محن وفتن وخلافات، وكيف سلط الله عليهم غيرهم فآذاهم، يعلم أننا في مفترق طريق، هذه الدعوة الطيبة المباركة يجب أن يجتمع أبناؤها على أصول هذه الدعوة، وألا تفرق بينهم المسائل ما لم تكن شارة على أهل البدع، أو أن تكون في أصول كلية، أو تجتمع الأخطاء اجتماعًا يظهر بجلاء أن الخلل راسخ، والواجب التركيز على المنهج العام وأن يسعهم في المسائل الخلافية خلافًا معتبرًا ما وسع غيرهم.

- هل السبب في وجود مثل هذا الخلاف يرجع إلى عدم وجود الشيخ المربي الذي يجمع شتات هذه القلوب؟

- لا شك في ذلك، فقديمًا قالوا: من لا كبير له لا تدبير له، وحقيقة الاجتماع والألفة تستر العورة، وإذا وقعت الفرقة ظهرت السوآت والعورات، فالألفة ولا سيما عند فقدان الكبراء أوجب، فالبلد الذي ليس فيه عالم كبير يجتمع عليه أبناء الدعوة نجدهم حيص بيص، ونجد أنهم قد تفرقوا أيدي سبأ، كما في المثل العربي القديم، أما البلاد التي فيها كبراء وفضلاء يحرصون على الدعوة، ويرعون أبناء هذه الدعوة، فنجد أن الدعوة بخير وعافية، فالعبرة أن يقف الكبراء والفضلاء الذين تلقوا العلم على أيدي مشايخنا الكبار وأن يحموا أصولها، ويحرسوا مبادئها، ويرعوا سلوكيات أبنائها، أما أن تصبح هنالك جيوب في هذه الدعوة، ويتكلم الصغار، أو يتكلم من ليس له مقدرة علمية في كلياتها، أو يحملها من ليس له تزكية لنفسه ومن ليس هو أهلا لها، فهذا مدعاة للصد عن سبيل هذه الدعوة في حقيقة الأمر.

     وفي الحقيقة أول ما تعرفنا على الدعوة السلفية من خلال اللقاء مع الوالد الشيخ الألباني -رحمه الله-كان عددنا قليلاً، وكان الصفاء فينا كثيرا، ولما انتشرت الدعوة وأصبح -ولله الحمد- لها امتدادها في كل مكان، فإذا وجدنا منطقة فيها أخ فاضل يربط الناس بالعلماء والمشايخ، صاحب خلق، وصاحب تزكية وحرص، نجد أن أهل المنطقة بالجملة موسومون بسمة الخير، أما إذا وجدنا منطقة بها أخ عنيف شديد أو أخ له حظوظ نفس، نجد أن أصحاب المنطقة بهم تشويش، وقد يصل التشويش إلى القيل والقال على المشايخ.

     نحن نعتقد أن هذه الدعوة المباركة هي دين الله النقي الذي أنزله الله على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن الله يسر لها من يحفظها، والواجب علينا أن نبذل جهدنا ولا سيما مع غياب مشايخنا وعلمائنا الكبار، لا بد أن نرفع شعار التكامل لا التآكل.

- كان من نتائج الانفتاح الحادث انصراف كثير من الطلبة عن دروس العلم وعن المشايخ، بعد أن كانت المساجد تكتظ بهم ويتزاحمون بالركب حولهم، من وجهة نظرك ما السبب في هذه الظاهرة، وكيف يمكن معالجتها؟

- الحقيقة أن من يعرف العلم وفضله بلا شك يقدر العلماء والمشايخ، ومع مضي الزمن يعرف بركة هذا التقدير، ومعلوم أن حبل الكذب قصير والباطل ضعفه فيه، والحق قوي بذاته، والحق يعرف بدلائله، ولا شك أن انصراف الناس عن العلم، قد يكون بسب ذنوب ارتكبوها، أو بسب عدم تقدير للخير والفضل الذي هم فيه، وكما في الأبيات التي قيل إنها للشافعي:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي

                                                 فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي

وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ

                                                 ونورُ الله لا يهدى لعاصي

     الأمر الآخر أن كل جديد له بريق، وبعض البريق يأخذ أصحاب البصر لا أصحاب البصيرة، ولا بد في ظل هذا الانفتاح الذي لم يكن موجودًا من قبل أن نحصن الشباب، كما ذكرت سابقًا في الإشارة لعمل أهل بدر، وخاصة أوقات الفتنة.

     ثم المشايخ والعلماء قد تسوقهم الأحداث ويركضون خلفها، ولا يسبقون الأحداث وهذا له أسباب كثيرة، وفي الحقيقة نحن في حاجة لمؤتمر دولي عالمي لكبراء هذه الدعوة يتكلمون كلمتهم فيما يجري، ووزارة الأوقاف الكويتية جزاهم الله خيرًا تبنوا مؤتمر في هذا الإطار وهو مؤتمر الإصلاح والتغيير.. «رؤية شرعية»، وحضره أعلام هذه الدعوة المباركة.

     ونحن بفضل الله ثوابتنا في التغيير والإصلاح هي هي ليس لدينا شيء زائد، وليس التغيير عندنا كالثوب والحذاء نغيره ونبدله على حسب الطقس، بعض من لم يعرف هذه الدعوة كان يقرر تقريرات، والآن يقرر تقريرات أخرى، تستطيع أن تجمع رد فلان على فلان والراد والمردود عليه هو هو، هذا دلالة على عدم وجود بصيرة، دلالة على عدم وجود تأصيل، وقد أسند أبو نعيم في الحلية عن الحسن البصري رحمه الله قال: «الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، فإذا أدبرت عرفها الجاهل».

     والخلاصة أن انصراف الناس عن العلماء سنة من سنن الله للتمحيص، فقد يلحق بطلب العلم من ليس أهلا لهذه المرتبة الشريفة، فتأتي هذه الأمواج فتأخذهم وتبعدهم عن أماكن الخير ومواطن الخير، وتجعلهم يشاركون في الفتنة بأحاديث الفتنة، مثل أولئك الحزبيين الذين يفرقون الأمة بآيات الاجتماع، يفرق الأمة وهو يقرأ: {واعتصموا بحبل الله جميعًا}، ويقول: قال صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة»، ويفرق الناس بأحاديث الفتنة وهو واقع في الفتنة - نسأل الله العافية- لأنه ما حمى نفسه من الفتنة بأصول أهل السنة.

     فالواجب على علماء الأمة في هذه الأيام أن يركزوا كثيرًا على أمور الفتنة، كان أبو شامة المقدسي يقول في وقت الخير: لو كان الأمر إلي لجعلت رجلاً في كل مسجد يعلم الناس النية، وأنا أستعير هذه العبارة منه وأقول: لو كان الأمر إلي لجعلت في كل مسجد طالب علم يحدث الناس عن الفتنة وسبل الوقاية منها.

- ختامًا، ما الوصية التي تريدون توجيهها لأبناء الدعوة السلفية علماء وطلبة علم؟

- كما قلت الواجب الآن تذكير الناس، والواجب المناصحة، والواجب الائتلاف، آن لنا أن نجتمع، فالافتراق كان أول سمة في الخروج عن منهج الصحابة، ولا يكون ذلك كذلك إلا لمن تمسك بمنهج السلف الصالح، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يعش منكم فسيرى اختلافًا كيرًا»، هذا هو الداء، وما أنزل الله من داء إلا جعل له دواء، والدواء: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ»، فانظروا إلى العلم وإلى سلوك طريق الصحابة والتابعين، عليكم بسنتي، أي طريقتي التي رسمها الوحي، ولا يكون ذلك كذلك إلا بالتزكية والعلم، فإن وجدت التزكية والعلم وقعت أصول الائتلاف، الأفهام يجمعها علم، والنفوس الشاردة تهذب بالتزكية، فحينئذ تجتمع القلوب والأبدان، وحينئذ تستر العيوب والعورات، إن خالفت أخي خالفته بأدب أهل العلم وبالطريقة المسلوكة عند السلف الصالح رضوان الله عليهم. 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك