اللاجئون الفلسطينيون في سوريا.. فصل جديد من معاناة الشتات
لم يتوقع اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يومًا أن يعيشوا لحظات من القهر والقتل ويصبحوا طرفا ثالثا متنازعا عليه بين الجيشين النظامي والحر، وينقسموا إلى مؤيد ومعارض لنظام بشار الأسد؛ فقد أحدثت الثورة السورية انقسامًا واضحًا في ولاء الفلسطينيين، فتعاطف كثيرون مع الثورة، في حين أيد آخرون الأسد، الذي حظي بدعم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة - التي يتزعمها أحمد جبريل، كما أدى هذا الانقسام إلى تحول مخيم اليرموك أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، إلى ساحة قتال بين القوات المؤيدة لبشار الأسد والمعارضين الذين يقاتلون للإطاحة به.
اللاجئون الفلسطينيون ضحايا الصراعات العربية
دفع اللاجئون الفلسطينيون فاتورة باهظة نتيجة الصراعات العربية الداخلية، والصراعات العربية العربية على مر التاريخ، وللأسف الشديد فإن الفلسطيني يكون الحلقة الأضعف في هذه الصراعات بحكم هشاشة وضعه ومرجعياته الوطنية، وانعدام الحماية الدولية القانونية له بوصفه لاجئاً.
ولقد عانى الفلسطينيون نتيجة الزج بهم أو استخدامهم بطريقة أو بأخرى في تلك الصراعات التي لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، وكانوا في الغالب هم الضحية نظرًا لانعدام الخيارات أمامهم، فوضعهم دائمًا كان يتسم بالخطورة والقلق، فهم من دون دولة، كما أن الوضع القانوني لهم في تلك الدول غير مستقر بموجب الكثير من الذرائع، ويتجلى البعد المأساوي للاجئين الفلسطينيين في تلك الصراعات بسبب الهجرات الجماعية؛ إذ كثيرًا ما تتقطع بهم السبل، ويصبحون معرضين للخطر والمعاناة والانتهاكات.
اللاجئون الفلسطينيون في سوريا
دخل اللاجئون الفلسطينيون إلى سوريا عام 1948؛ حيث دخلها في هذه الفترة حوالي 90 ألف لاجئ، تركز معظمهم في العاصمة دمشق، وتوزع البقية على محافظات الشمال والوسط والجنوب السوري، وزاد العدد نتيجة الزيادة الطبيعية في نسبة الولادات إلى 126.000 لاجئ عام 1960، ثم إلى 376 ألف لاجئ عام 1998، ووصل إلى 400 ألف لاجئ عام 2000، وفي عام 2008 تشير التقارير إلى أن أعدادهم وصلت حوالي 470.000 ألف لاجئ، وآخر الإحصائيات تذكر أن أعدادهم زادت عن النصف مليون لاجئ، يتركزون في عشرة مخيمات معترف بها من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا).
وتستأثر دمشق بـ 67% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين، يقطن أغلبهم في مخيم (اليرموك) الذي لا تعترف به منظمة الأنروا بالرغم من أن عدد اللاجئين به يتجاوز أكثر من 120,000ألف لاجئ.
ومخيم اليرموك أنشئ عام 1957 على مساحة تقدر بـ2110000 متر مربع لتوفير الإقامة والمسكن للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وهو من حيث تصنيف وكالة الأونروا لا يعد مخيما رسميا، برغم أنه أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا ويقع على مسافة 8 كم من دمشق وداخل حدود المدينة ويشبه المنطقة الحضرية، ويختلف تمامًا عن تجمعات اللاجئين الفلسطينيين الأخرى في سوريا.
موقف الفصائل الفلسطينية وأثرها على المخيمات
يذكر المحلل الفلسطيني ماجد الكيالي أن مواقف الكيانات السياسية الفلسطينية تفاوتت مما يجري في سوريا، فهذه القيادة الرسمية (وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح)، مثلاً، التي كانت اتّخذت موقفًا حذرًا وباردًا من ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا، تماشيًا منها مع النظام الرسمي العربي، وبالنظر إلى التجارب المريرة السابقة، اتخذت الأمر ذاته بالنسبة إلى الثورة في سوريا، رغم العلاقة الفاترة بينها وبين النظام فيها، بسبب مناهضته لسياساتها، ودعمه معارضتها.
أما فصائل «اليسار» فلم يكن موقفها أحسن حالاً، رغم أنها تتحدّث بلغة مزدوجة، بمسايرتها النظام في اعتبار ما يجري مجرّد مؤامرة وتدخّلات خارجية حينًا، وبمسايرتها المطالب الشعبية المتعلّقة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية حيناً آخر.
ولعلّ حركة(حماس) كانت الفصيل الأكثر تأثّرًا وتفاعلاً، إزاء ما يجري في سوريا، ومع ذلك فقد اتّسمت سياساتها في البداية بالتردد؛ إذ هي مؤيّدة لثورات «الربيع العربي»، ولاسيما مع رؤيتها للصعود الباهر للتيارات الإسلامية في تلك الثورات، إلا أنها في حيرة إزاء الثورة السورية، حيث شكلت سوريا حاضنًا وداعمًا لها، ومعزّزًا لشرعيتها ولمكانتها (مع محور طهران- دمشق- حزب الله- حماس)، وعلى العموم، فقد حسمت «حماس» أمرها، بعد حين، بإخراج قيادييها، وبنقل مقرات قيادتها، من دمشق إلى القاهرة وقطر، بطريقة هادئة، دون طلاق معلن، فيما بدا أنه بمثابة خروج، أيضاً، من المحور المذكور.
يبقى دور الفصائل الفلسطينية الموجودة حصرًا في سوريا، فهذه وجدت نفسها في مواجهة تحدٍ كبير إزاء احتمال تغيّر الأوضاع في هذا البلد، بواقع معارضتها قيادة المنظمة والسلطة، وبحكم أنها تدين بوجودها وبمكانتها وحتى بشرعيتها للنظام السوري.
هذا الوضع نمّى عند بعض هذه الفصائل قناعة مفادها أن مصيرها بات وثيق الصلة بمصير النظام، مما يفسّر المواقف والسلوكيات المتوتّرة التي باتت تعتمدها، وضمن ذلك محاولاتها إقحام المخيمات فيما يجري، بطريقة أو بأخرى، أي إن هذه المنظمات أدت دورًا سلبيًا لانحيازها الواضح إلى جانب النظام وعلى الضد من ثورة الحرية التي يخوضها الشعب السوري.
وبديهي أن ذلك انعكس سلبًا على وضع المخيمات التي عانت التوتر على خلفية ذلك، وعلى خلفية محاولات هذه الفصائل إثارة الفتن بين بعض المخيمات وجوارها السوري، كما محاولاتها خلق جماعات مسلحة في المخيمات ذاتها، بدعوى الحماية الذاتية.
استهداف الـمخيمات
وعلى أثر هذه التداعيات في مواقف الفصائل الفلسطينية تم استهداف المخيمات الفلسطينية بطريقة وحشية من قبل أجهزة النظام، والميليشيات المسلحة التابعة له؛ حيث أكد مدير عام منظمة ثابت لحق العودة في لبنان علي هويدي، أن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات السورية تزداد سوءًا يومًا بعد آخر، وذلك في ظل حالة الاستهداف الواضحة التي يتعرضون لها، مشددًا على أن ذلك يتطلب وقفة جدية من قبل المؤسسات والجهات المعنية، وقال هويدي: إن مجازر ترتكب بحق الفلسطينيين في مخيم اليرموك وغيره من المخيمات الفلسطينية في سوريا، وكأنها تُعاقب على حيادها الإيجابي وتقديمها للمساعدات الإنسانية والإغاثية للنازحين الفلسطينيين والسوريين.
وفي سياق آخر الإحصائيات المتعلقة بأعداد الشهداء والنازحين، كشفت التقارير عن تجاوز العددلـ 600 شهيد، والآلاف من الجرحى والمصابين، يضاف إليها حالات تدمير البيوت، وسرقة الممتلكات بسبب الفوضى الجارية، وأشار هويدي إلى أن هناك زيادة في أعداد النازحين من المخيمات إلى لبنان والأردن وغيرهما من البلدان، حيث إن هناك أعدادا تقريبية تتحدث عن وجود 2000 عائلة نازحة إلى لبنان، وبما يتجاوز 10 آلاف نازح، تعترف الأونروا رسميا بـ7500، فيما أن هناك ألف لاجئ نزحوا إلى الأردن.
الهدف من استهداف اللاجئين
وحذر هويدي، من مخططات وصفها «بالخفية» تستهدف اللاجئين الفلسطينيين بكافة السبل والوسائل المرعبة؛ تمهيدًا لطردهم من مخيماتهم في سوريا.
وقال: إن هناك محاولات تبذلها أطراف خارجية وعصابات مأجورة، تسعى لجر المخيمات الفلسطينية إلى المزيد من المواجهات المسلحة في ظل الوضع القائم في سوريا، من أجل طرد اللاجئين، وأوضح أن هذه القضية ستفتعل قضية أمنية وديموغرافية لدى البلدان المجاورة، مؤكداً أن المستفيد الأول من الأحداث الجارية للمخيمات الفلسطينية هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لإلغاء حق العودة.
وأكد أن النظام السوري يقوم بعملية «عقاب جماعي» للمخيمات الفلسطينية، التي احتضت اللاجئين السوريين جراء العنف القائم في بلادهم، وذلك على غرار احتضان السوريين للفلسطينيين إبان نكبتهم عام 1948م.
وطالب وكالة الغوث الدولية بضرورة التدخل العاجل لحماية اللاجئين الفلسطينيين، والعمل على تحمل مسؤولياتها الدولية تجاه الأوضاع المعيشية والإنسانية للفلسطينيين هناك.
كما ذكر المشرف العام للجنة الدفاع عن عقيدة أهل السنة في فلسطين، أن للنظام النصيري الحاكم في سوريا تاريخا مريرا ومؤلما مع قضية فلسطين, فمذابح الفلسطينيين في تل الزعتر وجسر الباشا في لبنان شاهدة على مدى الحقد الدموي الذي يحمله هؤلاء النصيريون على الفلسطينيين, فهذه الفرقة هي التي أزالت الوجود الفلسطيني المقاوم في لبنان, وفي الوقت نفسه دعمت الصفويين هنالك, فما خرجت من لبنان إلا والصفيون هم أقوى قوة عسكرية في ذلك البلد بل هم أقوى من الجيش اللبناني نفسه.
ولا شك أن استهداف المخيمات الفلسطينية في سوريا ولاسيما في اليرموك والرمل الجنوبي في اللاذقية وأخيرًا ما حصل من قصف بربري لمخيم اللاجئين في درعا، يصب في مصلحة اليهود ويثبت حقد هؤلاء النصيريين على الفلسطينيين وإن تظاهروا بأنهم حماة المقاومة الفلسطينية والمدافعون عنها, فالواقع العملي أثبت غير هذا, بل هم أعداء للفلسطينين وأكثر من ألحق الضرر بهم, فكانوا بجدارة حماة للعدو اليهودي في فلسطين، وهاهي حدودهم مع اليهود تشهد على هذا، ولعل النظام النصيري بعد أن اشتد عليه الخناق من الجيش السوري الحر أراد أن يبعث رسائل طمأنة وعربون تودد إلى دولة اليهود لعلها تعطف عليه وتخلصه من المأزق الذي يعيش فيه، ويكون ثمن هذا القربان من دماء شعبنا الفلسطيني المضطهد.
العدو الحقيقي
يذكر الكاتب والمحلل السياسي علي بدوان أن للشعب الفلسطيني قضيته الوطنية وصراعه الأساس وله عدو واحد هو المشروع الصهيوني، فيكفي الشعب الفلسطيني ما يلقاه يوميًا على يد الاحتلال من قتل واعتقال ونهب للأرض، وهو يخوض معركته دون أن يجد دعمًا أو إسنادًا فاعلاً وهامًا وقديرًا من أحد.
إن بوصلة الشعب الفلسطيني في الشتات تؤشر باتجاه فلسطين، ولا طريق للفلسطينيين سوى دروب فلسطين وطنهم التاريخي مهما تعقدت الظروف وتعاظمت التحديات، إن تلك البوصلة هي وحدها التي تُعبّد الطريق الطويل والدروب الوعرة إلى فلسطين، ودون ذلك فإن التواءات الطريق ستقذف بالقضية الفلسطينية نحو المجهول.
إن وعي الفلسطيني، وارتقاءه وسموه، وابتعاده عن الرغبات والإسقاطات الذاتية لبعضهم، يُشكّل الآن سلاحًا مهماً، للنأي بهم عن مسارب مخيفة ومظلمة -لا قدر الله- في أزمات طاحنة تعيشها المنطقة ككل، ومنها سوريا على وجه الخصوص، ويدفع بهم هذا الوعي الراقي في سموه وفي نباهته وحذقه الرفيع لمساعدة سوريا وشعبها الشقيق من أجل وقف نزف الدماء، وفتح الدروب أمام التغيير الحقيقي في بلد كان ومازال موئلاً لفلسطين وشعبها منذ خروج العثمانيين من بلاد العرب.
وأخيرًا فلا شيء على الإطلاق أسوأ من لاجئ يجد نفسه وقد تقطعت به السبل من جديد ويذهب ضحية صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، فوضعه القانوني سيظل دائمًا لاجئًا، بلا وطن أو عنوان، أو دولة توفر له الملاذ الآمن، وعلى وسائل الإعلام العربية أن تدرك أن الزج بالفلسطينيين في الصراع الدامي في سوريا هو بمثابة التخطيط لكارثة حقيقية وخيمة العواقب، قد يجد الفلسطينيون أنفسهم بعدها مطاردين مرة أخرى عندما يسوء الوضع أكثر وأكثر، وعلى الطوائف الفلسطينية أن تضع مصالحها الشخصية جانبًا وتتوحد حتى ولو مؤقتًا، وذلك من أجل حماية الفلسطينيين في سوريا.
لاتوجد تعليقات