الدكتور محمد يسري لـ«الفرقان»: الحركات اليسارية الاشتراكية تريد تقويض مؤسسات الدولة وهدمها، وإسقاط آخر أعمدة الدولة على رؤوس من فيها، وهو عمود الجيش والـمؤسسة العسكرية
«من ينقذ مصر؟» كان هذا لسان حال الدكتور محمد يسري الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في مصر، والذي لـمسته منه في حواري معه حول الأحداث الدامية التي تمر بها مصر في المرحلة الراهنة، تلك الأحداث التي تُنْذر بخطر عظيمٍ قد تدخل البلاد بسببها في فوضى عارمة إن لم ينتبه أهل الحل والعقد، وتُغلَّب لغة الـمنطق والعقل، إن هؤلاء الجهلة الذين يعبثون بأمن البلاد والعباد لا يدركون فداحة ما يفعلون، ولا جُرم ما يصنعون، ولكنهم كأصحاب السفينة الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ [ قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»، فإن لم نأخذ على أيدي هؤلاء البغاة، ونردهم عن غيهم وبغيهم غرقت مصر بمن فيها وعندها لا ينفع الندم.
- فضيلة الدكتور ما أبعاد هذه الأزمة ومن له مصلحة في إشعال البلاد بهذه الطريقة، وما الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ذلك، وهل هناك أياد خارجية تعبث بأمن البلاد؟
- باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:
بداية مسألة وجود أجندات أجنبية هذه مسألة مقطوع بها يعرفها الجاهل قبل العالم، ويراها الأعمى قبل المبصر، فمصر الآن ساحة لعمل المخابرات العالمية، دولة مفتوحة قبل الثورة وهي الآن مفتوحة ومكشوفة تمامًا، فالمخابرات كلها تعمل بكل سهولة دون رقيب، فضلا عن وجود أجندات خاصة موجودة على الأرض كذلك، فالتيارات اليسارية الاشتراكية لها أجندتها، والتيارات الليبرالية العلمانية لها أجندتها، وفلول الحزب الوطني والنظام القديم السابق لهم أجندتهم، وكل اللاعبين على الأرض لهم أجندات، وكلهم يسعى لتأمين مصالحه؛ لذلك تعارض هذه الأجندات وتضارب هذه المصالح يفضي إلى حالة الفوضى التي نعيشها الآن في مصر، خط العقل والمنطق والشرع والأعراف الرسمية والقانونية والدستورية يقول: تمضي البلاد وفق الاستفتاء الذي حدث في 19 مارس الماضي وفق الخطوات التي رسمها، ما خطواته؟ خطواته أن يوجد مجلس شعب منتخب، ثم يوجد مجلس شورى منتخب، ثم تدخل البلاد إلى انتخابات رئاسية ليستقر النظام السياسي في مصر؛ والذين لم يربحوا سياسيًا والذين خسروا معركتهم السياسية بالطبع لن يقبلوا بأن تنتهي القضية عند هذا الحد.
محاولة استرداد الثورة
الحاصل الآن أنه يوجد محاولة لاسترجاع الثورة من جهة، ومحاولة لاسترداد النظام القديم من جهة أخرى واستعمال كل الوسائل المتاحة إعلاميًا، وفكريًا، وثقافيًا، واجتماعيًا لتحقيق هذين الغرضين، وهذا مثبت في أشرطة فيديو للقاءات خاصة تعلن فيها تلك القوى أنها ستسعى لتفجير الوضع الداخلي، وستوقع المزيد من القتلى، وستثوّر شباب الحركات الإسلامية على قياداتهم، وستضرب قواعد العمل الإسلامي بقياداته، كل هذا على أجندة الإثارة وتعميم الفوضى ونشر الذعر، يقولون: سنظل نقاتل حتى نسقط الدولة، وسنظل نقاتل حتى نقوض مؤسسة الجيش، وسنسعى لتفكيكه وتحلله، وسنعمل على انضمام مجموعات من الجيش إلى الثورة، {كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله}، فالحاصل الآن أن هذه الجهات تحاول أن تعاكس وتعرقل المسار السياسي وتمنع الاستحقاقات الوطنية التي اتفق عليها في الاستفتاء الشعبي.
وأما عن الأسباب التي تقف وراء اندلاع هذه الأحداث، فأنت إذا أردت أن تبحث عن أسباب الاضطرابات ففتش عن المستفيد، وقد وضح تمامًا لكل ذي عينين أن الإسلاميين هم أصحاب الجماهيرية، وهم أصحاب الرؤية، وهم الذين يثق فيهم المصريون، ولا يثق المصريون في ليبراليين، ولا علمانيين، ولا يثق المصريون في اشتراكيين ويساريين، ولا يثق المصريون إلا فيمن يتعاطى مع مشكلاتهم ويعطيهم الحلول الناجعة لها، وقيادات البلاد بأسرها تعرف تاريخ هؤلاء وما يقدمونه، وتعرف ثقة الناس فيهم، وربما كانوا ضمن الناس الذين وضعوا ثقتهم في الدعاة إلى الله عبر صناديق الانتخاب والاقتراع.
- من الـمستفيد؟
< من المستفيد؟ المستفيد هم الذين لفظهم الشعب ورفضهم.
من المستفيد؟ هم الذين يحاولون الآن عرقلة المسار وحجب الاستحقاقات الوطنية التي ثبتت بالمشروعية التي تسمى بالدستورية، وعبر هذه النتائج التي حصلت في المرحلة الأولى والثانية، وستتأكد بمشيئة الله في المرحلة الثالثة من الانتخابات المصرية.
موقف الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح
وأما عن موقف الهيئة الشرعية فقد كان واضحًا منذ البداية، وهو المنع من التجاوب مع هذه الاستفزازات التي ربما أفضت بالبلاد إلى ما لا تحمد عاقبته، وقد ظهر ذلك من البيانات التي أصدرتها والاجتماعات التي عقدتها.
- ماذا عن موقف الجيش من هذه الأحداث؟
- موقف الجيش المعلن أنه مع استقرار الأمور في البلاد وانضباطها وإعادة ترتيب الموقف.
- وماذا عن الموجودين في شارع محمد محمود أو ما يسمى بمربع الحكم، مجلس الشعب ومجلس الشورى ومجلس الوزراء؟
- هؤلاء عامتهم من المنتمين إلى الحركات التي أتحدث عنها الآن، الحركات اليسارية الثورية الاشتراكية التي تريد تقويض مؤسسات الدولة وهدمها، وإسقاط آخر أعمدة «المعبد» على رؤوس من فيه وهو عمود الجيش والمؤسسة العسكرية، ولا شك أنه إذا سقط الجيش فإن البلد سيدخل في الفوضى التي لن يخرج منها.
- بعضهم يتهمكم بالتضامن مع الجيش على حساب مكتسبات الثورة والثوار؟
- نحن لسنا متضامنين مع الجيش وإنما نحن متضامنون مع الاستقرار، نحن متضامنون مع تحقق هذه المصالح لأمتنا، ومع بقاء مؤسسات الدولة وليس مع انهيارها، ولا يعنينا بالضرورة المجلس العسكري وإنما تعنينا القوات المسلحة المصرية والجيش المصري، ونسعى للمحافظة عليه وعلى بقائه واستقراره وقوته؛ لأنه آخر حائط صد موجود الآن بيننا وبين الفتن والمحن، وهذا موقفنا المعلن أننا منحازون للمسار الذي اختاره الشعب أثناء الاستفتاء، ونقاوم هذه المجموعات التي تحاول أن تثير الناس بأي حال لتحقيق أجندتها الشخصية والخاصة، وفي الوقت نفسه نحافظ على بقاء الروح الثورية - ليست الفوضوية – وإنما الروح التي لها القدرة على المطالبة بتحقيق الإنجازات، التي تضمن القدرة على تحقيق المصالح، وتضمن القدرة على الوصول إلى التغيير حقيقي.
نحن لا نريد أن نقتل هذه الثورة، ولكننا أيضًا لا نريد أن نثوّر الناس في غير ميدان، ولا نثور الناس في غير اتجاه، نحن مع تقويض نظام فاسد ظالم مستبدل للشريعة، ومع إقامة نظام يحتكم إلى الإسلام، وتقوم دعائمه على حفظ الأمن، وتحقيق السلام الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، وإنعاش الاقتصاد المصري وتحرير الكلمة في أفواه الدعاة والمصلحين.
الذين يسمون أنفسهم الثوريين الاشتراكيين اليساريين، أجندتهم تقوم على مزيد من الدماء، ومزيد من الفوضى، ومزيد من الانهيار؛ لأنهم وجدوا أنفسهم لا وزن لهم في الانتخابات، ولا وزن لهم في الشارع المصري، ولا وزن لهم عند جموع الناخبين، ولا شك أنهم يسعون بكل وسيلة إلى استنزال الإسلاميين إلى الميدان وضرب الناس بعضها ببعض، واغتيال عدد من القيادات الإسلامية ومحاولة تفجير الوضع الداخلي بكل سبيل ممكنة.
وما حدث من قتل الشيخ عماد عفت – رحمه الله - فأغلب الظن أنه مقتول بأيدي هؤلاء الموجودين في الميدان سواء كانوا خونة، أم كانوا مندسين، أم كانوا من الفلول، ولم يقتل على أيدي الجيش أو الشرطة غالبًا، وإنما قتل على أيدي هؤلاء الذين نزل متعاطفًا معهم محاولاً تسكين ثائرتهم، محسنًا الظن بهم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهم البلاد رشدها ويقينا شرور أعدائنا وأن يضع البلاد في مسار الاستقرار والهدوء، وأن يحقن دماء المصريين جميعًا.
- بعضهم يصف موقف الجيش بالضعيف ولاسيما أن طرح هؤلاء أصبح علانية ودون استحياء أو خوف من أحد؟
- هناك حملة شرسة على الجيش من جميع القنوات الفضائية، ونحن نقول: الجيش آخر مؤسسات الدول، فإذا انهار ذهبت البلاد، فالجيش يتعرض لحملات دعائية وإعلامية مغرضة وشديدة جدًا.
ولا يمنع هذا من وقوع أخطاء من جهة، أو من جهة بعض قيادات بعض قيادات المجلس العسكري في إدارة هذه الأزمات.
- الأمر الثاني: الجيش نشر أول من أمس صورا وتحقيقات واعترافات لهؤلاء الذين تقاضوا أموالا في سبيل تثوير الوضع الداخلي، وهذا يجب أن يتابع على قناة النيل المصرية وغيرها، فالجيش بدأ يفصح عما لم يكن يفصح عنه من قبل، أيضًا فالجيش يريد أن يبدوا غير متحيز لفئة من فئات المصريين مهما كانت مخالفاتهم وانحرافاتهم.
- ولكن بعضهم يقول إن الجيش له غرض ومأرب في تأجج هذه الأحداث؟
- ولنفرض جدلاً هذا الأمر ماذا نفعل؟ هل نتعاطى مع هذه الرغبة مع اعتبار هذه الافتراضية جدلاً؟ وهل ننساق وراء رغبتهم؟!
لو فرضنا أن الجيش طلب هذا، والمخابرات العسكرية تسعى لهذا، والاتجاهات الثورية اليسارية تطلبها، وأن العلمانيين كذلك، فمن المفترض ألا نتعاطى معها ولا نقبل الاستفزاز؛ لأن هذا في عكس مصلحة أمتنا حيث سيتم تفجير الوضع الداخلي، وإلغاء الانتخابات وإرجاعنا إلى مربع الصفر مرة أخرى، والله أعلم إلى أي اتجاه تسير الأمور، ومنها أن يعلن الجيش الأحكام العسكرية ويدير الجيش البلد بحكم عسكري كفترة انتقالية لمدة سنتين، فاللعب على ورقة الجيش ليس أمامه إلا خياران: أن تهدم مؤسسة الجيش، أو يتسلط الجيش، وكلا الخيارين يدخل البلد في فوضى عارمة، فأين العقل وأين المنطق..؟؟!!
- ماذا عن الجبهة الإسلامية وتوحيدها على هذه الرؤية حتى لا يقع أحد تياراتها في هذا الفخ؟
- الجبهة متحدة من خلال الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح؛ حيث إن الهيئة بأعضائها المائة والعشرين يمثلون جميع أطياف التيار الإسلامي العام، فالقرار الذي يصدر عن هذه الهيئة يمثل قرار أغلبية إسلامية.
- وماذا عن ظهور كيانات وهيئات متعددة كمجلس شورى العلماء وغيره, هل يعد ذلك تشتيتًا للجهود؟
- ليس تشتيتًا للجهود فمجلس شورى العلماء كلامه متوافق ومتطابق مع الهيئة، هذا المجلس أعضاؤه ثمانية، ستةٌ منهم في الهيئة، فلا يوجد تشتيت طالما أن الكل يتفق على رأي واحد بحمد الله تعالى.
وبعد هذا وقبله فإن الثقة بالله تبارك وتعالى أن يبارك جهود العاملين، وأن يوفق جهود المخلصين، وأن يتقبل أعمال الصالحين بكرمه ورحمته, إنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين, والحمد لله رب العالمين.
لاتوجد تعليقات