رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة - الفرقان: أحمد عبد الرحمن 26 ديسمبر، 2011 0 تعليق

بروتوكول المراقبين العرب لن ينهي مجازر الأسد – سوريا تقترب من السيناريو الأسوأ

 

لم يكن توقيع النظام البعثي في سوريا على بروتوكول المراقبين العرب لتقييم مدى التزامه ببنود المبادرة العربية لتسوية الأزمة في سوريا التي تضمنت نقاطاً عدة منها: وقف العنف وسحب الجيش من المدن السورية وإطلاق سراح المعتقلين والدخول في حوار مع المعارضة في مقر الجامعة العربية بالقاهرة مفاجئًا لأحد،  فهذا النظام لم يكن أمامه خيارات عديدة إلا الموافقة على المبادرة العربية في ظل الوضع المعقد الذي يواجهه خلال الأشهر الثمانية الماضية من عزلة عربية وإقليمية وعقوبات اقتصادية لم تسبق أن فرضتها الجامعة العربية على أي من أعضائها منذ إنشائها عام 1945م.

       فالنظام الذي كان يواجه خطر تدويل القضية ودخول مجلس الأمن على خط الأزمة بحسب تصريحات رئيس الوزراء القطري جاسم بن حمد بن جبر آل ثاني في حالة عدم تعاطيه الإيجابي مع إيجاد حل عربي للأزمة كان مضطرًا للقبول بهذه المبادرة رغم حديثه المستمر عن أن هذا القبول قد جاء بعد إدخال تعديلات عليها تحفظ ما أسماه السيادة، ولكن يبدو أن مشروع القرار الذي تقدمت به روسيا لمجلس الأمن لإدانة العنف في سوريا كان له مفعول السحر وأجبر النظام السوري على القبول بالمبادرة العربية وبروتوكول المراقبين العرب خشية مواجهة السيناريو الليبي.

      وأسهم كذلك دخول النظام الطائفي القائم في العراق حاليًا طرفاً في الأزمة في إقناع الأسد بضرورة القبول بالمبادرة بعد وساطة مباشرة من وزير خارجية العراق هوشيار زيباري المرتبط بصلات قوية بنظام الأسد منذ إقامته الطويلة في سوريا إبان حكم صدام حسين وبإيعاز من رئيس وزرائه نوري المالكي الذي قدم دعمًا ماليًا سخيًا للنظام السوري يقدر بـ 6 مليارات دولار جعلته يفرغ العقوبات الاقتصادية العربية من مضمونها ولو مؤقتًا.

إملاءات إيرانية

      ولا يخفى على أحد أن الغزل من جانب المالكي وزيباري قد جاء بإيعاز مباشر من سادتهما في طهران الذين عدوا سقوط نظام الأسد كارثة استراتيجية على طهران وقطعًا لذراعها الطويلة التي مكنتها لمدة طويلة من التدخل في عدد من دول المنطقة واستخدام هذا التدخل لخدمة أهدافها الاستراتيجية.

      وليس أدل على أن النظام السوري قد وافق على البروتوكول مجبرًا  ومضطرًا من أن اليوم الذي شهد توقيع نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد البروتوكول داخل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية قد شهد مجزرة بشعة في مدينة حمص؛ حيث قتلت قوات الأسد ما يقرب من 200 سوريا في مدينة حمص بعد حصار للمدينة دام حوالي 4 أيام انتهى بفرار الثوار وبعدها أقدمت القوات التابعة للأسد على تصفية هذا العدد من الثوار، يضاف لذلك ما شهدته منطقة الجونة بحماة من مذابح قتل فيها العشرات ليصل عدد ضحايا الثورة السورية إلى أكثر من 6400 نحسبهم عند الله شهداء إن شاء الله منذ اندلاعها في مارس الماضي بحسب أرقام معلنة للهيئة التنسيقية للثورة السورية.

مجازر بشعة

      ولم تكن مجزرة الرستن هي الوحيدة بل إن النظام قد وقع البروتوكول العربي على وقع المذابح في إدلب؛ حيث لقي ما يقرب من 50ا شخصًا مصرعهم عبر القذف المستمر لدبابات ومدرعات الأسد للمدينة، بل إن أحد القذائف ضربت حافلة مدنية لعمال أدت إلى إيقاع أكثر من 35 قتيلاً.

      وفي ريف حماة لم يكن الوضع أفضل حالاً حيث ارتكبت قوات النظام مجزرة أدت إلى مقتل أكثر من 325 من الثوار دون أن يضع النظام في اعتباره إمكانية أي تدخل دولي يردعه عن ارتكاب المجازر المتتالية التي لم تتوقف خلال الأشهر الثمانية الماضية سواء في درعا أو حماة أو ريف دمشق أو حمص.

عودة السفاحين

      بل إن النظام قد أعاد خلال الأيام القليلة الماضية زمرة من السفاحين ورجال الاستخبارات الذين عملوا مع والده حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي مستشارين في رئاسة الجمهورية لتكرار مجازر الأسد الأب ضد المعارضين له في حماة عام 1982م في إطار مخططه لردع ما سماه بالتمرد على نظامه.

      ويرى مراقبون أن ما أقدمت عليه قوات الأسد من مجازر كان يسعى من جانبه لحسم الأوضاع على الأرض قبل إعلانه القبول بالمبادرة العربية وباستقبال المراقبين العرب، فالنظام ليس جادًا في التعاطي بإيجابية مع الجهود العربية مطمئنًا إلى أن لعبة التوازنات في المنطقة قد توفر له طوق نجاة للإفلات من مصيدة الأنظمة السابقة في تونس ومصر وليبيا أو حتى السيناريو اليمني.

خداع ومماطلة

      وإذا كان نظام الأسد قد عمل على تفريغ المواقف العربية من مضمونها واللعب بورقة الوقت لعل تطورات إقليمية قد تعيد خلط الأوراق خصوصًا أن المواقف العربية تبدو متشددة، فالأمين العام للجامعة العربية عدّ أن توقيع سوريا على بروتوكول المراقبين العرب لا يعني رفع العقوبات بشكل مباشر لاسيما أن هذا الأمر يحتاج لعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب، ناهيك عن أن الجامعة العربية ستترقب مدى التزام النظام السوري بتعهداته كما أن المعارضة السورية وعلى رأسها المجلس الوطني السوري عدت توقيع النظام السوري على المبادرة العربية مجرد مسعى للخداع وخلط الأوراق، بل طالبت الجامعة بالاعتراف بها ممثلاً شرعيًا للشعب السوري مدللة على ذلك بحجم المذابح التي ارتكبها النظام في عدد من المدن السورية وفي مقدمتها ما حدث في حي بابا عمرو في حمص حيث دكت الدبابات المنطقة أثناء توقيع المقداد على المبادرة العربية ما أفضى إلى مقتل عشرات الشهداء بحسب تأكيدات برهان غليون رئيس المجلس الوطني.

      بل إن هناك من ذهبوا أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن النظام السوري لن يلتزم بهذه المبادرة ولن تتوقف قواته عن أعمال القتل في صفوف السوريين وحسب تأكيدات د. بهجت قرني أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة الذي يرى أن طبيعة النظام السوري تجعل قبوله لهذه المبادرة أمرًا شديد الصعوبة، فهو لن يتحمل سحب الجيش من المدن السورية، ولن يتحمل وجود مظاهرات في أغلب المدن السورية ولاسيما أن خروج الجيش سيسمح لأبناء دمشق بالخروج في تظاهرات ضخمة كفيلة بإسقاط النظام.

      وتابع: النظام لا يدرك أن توقيعه على المبادرة قد أبعده عن سيف التدخل الدولي ولو مؤقتًا إلا أنه يتجاهل ردة الفعل الشعبية، فالسوريون لن يقبلوا بأي حال من الأحوال استمرار هذا النظام بعد أعمال العنف التي شهدتها سوريا طوال الأشهر الماضية.

      ولفت إلى أن نظام بشار ضيع فرصًا عديدة للإصلاح الحقيقي وضبط الأوضاع، وراهن كعادته على ورقة الوقت ولاسيما أن هناك إشارات إلى تغيير في المواقف الدولية في ظل قيام روسيا الحليف الأول له بتقديم مشروع قرار لمجلس الأمن بإدانة العنف في سوريا وهو تطور يحمل دلالات بوجود حالة غضب دولية على عدم وجود أي دلائل على أن حل الأزمة يبدو قريبًا.

حرب أهلية

      ويزيد من توتر الأجواء أن المعارضة السورية تبدو أكثر فهمًا لأساليب النظام السوري من جامعة الدول العربية فهي تدرك أن مخاوف الأسد من تدويل الأزمة قد دفعته للتوقيع مرغمًا، بل إن هذا النظام يسعى عبر هذه الموافقة إلى إشعال الخلافات بين المعارضة السورية من جانب وأطراف فاعلة في الداخل السوري لعل هذا يفلح في إشعال حرب أهلية قد تطيل وجوده في السلطة أو توفر له فرصة للاستمرار في الحكم تركيبته الحالية نفسها.

      بل إن المعارضة رسمت سيناريو أكثر قتامة يتمثل في أن النظام لن يسحب الجيش بل قد يضطر لاتخاذ خطوات تكتيكية منها سحب الآليات والمدرعات واستبدال الشرطة بها وما يطلق عليهم بالشبيحة ليواصلوا مسيرة القتل والتصفية نفسها في صفوف الثوار وهو ما يرجح استمرار تأجيج الاضطرابات والدفع بالبلاد للسيناريو الأسوأ.

ضغوط إقليمية

      وربما فهمت المعارضة السورية الدرس مبكرًا فأعلنت عدم اكتراثها بالتوقيع رغم الضغوط الشديدة التي تمارس عليها من جانب عدد من الدول العربية للقبول بالمبادرة والتعاطي بإيجابية مع الحوار الوطني الذي ترعاه الجامعة العربية، حيث وجه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الدعوة لوفود من المعارضة السورية في الداخل والخارج لإجراء مشاورات، وهذا دور يلعبه العراق بإيعاز من نظام الملالي في طهران لتوفير سبل لإنقاذ النظام السوري المتداعي، بل إن المعارضة السورية زادت على ذلك بالدعوة لعصيان مدني لشل المؤسسات السورية، وهي دعوة قد تخنق النظام وتدفع به لمواجهة السيناريو الأسوأ، فنظام الأسد لن يستطيع تحمل مظاهرات في أغلب المدن وانتقال الثورة لدمشق ووجود عناصر مسلحة من الجيش السوري الحر وتربص من جانب تركيا ودول الجوار.

      ولذا فالنظام يواجه اختبارًا شديد الصعوبة ولن يستطيع مواجهة مثل هذه الضغوط مهما وفرت قوى إقليمية سبل الدعم له.

ماضٍ وانتهى

      ويدعم هذا الطرح د. سيف الدين عبدالفتاح أستاذ العلوم السياسية؛ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حيث يرى أن نظام الأسد ورغم وجود قوى تحاول ضمان استمراره في السلطة أصبح من الماضي ؛فالشعب السوري لن يقبل باستمرار هذه الجرائم وبالنظام الطائفي البعثي الذي أذاق السوريين الأمرين.

      ولفت إلى أن توقيع النظام على المبادرة العربية قد يطيل أمد بقائه في السلطة لفترة ليست بالطويلة، ولكنه لن يوفر له طوق النجاة للاستمرار جاثمًا على صدور السوريين.

      وتابع: الأسد مهما توسع في استخدام آلته الأمنية ومهما استعان بجنرالات أبيه لإنقاذه صار من الماضي، فضلاً عن أنه لن يلتزم بالتعهدات بسحب الجيش وإطلاق سراح المعتقلين، وسيفشل حواره مع المعارضة باعتبار أن بنية النظام الأساسية لن تقبل بإدخال إصلاحات جذرية تقلل من هيمنته، فضلاً عن أن المعارضة السورية بشقيها المسلح والسياسي قد اكتسبت أرضية خلال الفترة الأخيرة عربيًا وإقليميًا وأصبح ينظر إليها بوصفها لاعباً أساسياً.

      ولم يستبعد تدويل الأزمة السورية في المستقبل المنظور ولاسيما أن المبادرة العربية ستفشل، وسيسعى النظام السوري بكل الوسائل لتفريغها من مضمونها، ما يفتح الباب أمام تدخل دولي أو عقوبات قاسية قد لا يستطيع النظام السوري تحملها في ظل تربص عدد من دول الجوار به ورغبة في إزاحته من السلطة.

الانفجار الأخير

      ولقد بث التلفزيون السوري صورا لانفجارين وقعا صباح الجمعة في دمشق في مقر أمن الدولة من قبل سيارتين مفخختين، وراح ضحية هذا العمل 30 عسكريا على حد وصف النظام بعد يوم واحد من وصول المراقبين التابعين لجامعة الدول العربية وعددهم 150.

      وواضح جداً أن هذه المنطقة العسكرية لا يمكن لأحد الوصول إليها إلا بإذن من السلطات السورية ودمشق لم تحصل فيها مظاهرة واسعة، فكيف يحدث فيها انفجاران، فضلاً عن عدم إمكان إدخال سيارات أجنبية أو إدخال أسلحة فكيف دخلوا؟! والعجب وقت وصول الدفعة الأولى من المراقبين، وهذه رسائل ترسلها القيادة السورية:

- إشغال المراقبين، وتحذيرهم من عدم التحرك إلا بأمر من القيادة، وإخضاعهم لقبول تقرير أمني تعهده الاستخبارات السورية، وعدم اتصالهم بالأهالي في المناطق التي تعارض النظام، والذي لاقت الإبادة الجماعية بكل أنواع الأسلحة، وتحذير أيضاً من الانشقاق من الجيش؛ لأن الذي ذهب في الانفجارين هم الذين لا يحبهم النظام ويتوجس منهم خيفة، فأوقعهم ضحية هذا الإجرام، وأخيراً لتمديد أكبر مدة وقتية للقضاء على المدن والمناطق حتى يستطيع التحكم بمن بقي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك