اقتحام المقار السيادية في العالم العربي يفتح الملف الساخن؟!هل عادت الفوضى الخلاقة لتطل برأسها على المنطقة؟
إذا كان اقتحام مقر الأجهزة الأمنية أو المقرات السيادية مقبولاً في بعض البلدان العربية التي حولت حكومتها المتعاقبة وأنظمتها الحاكمة حياة شعوبها إلى جحيم ونشرت عبر سياسات استمرت لعقود الفقر والجهل والمرض بين شعوبها معتمدة على ممارساتها القعمية، وسياساتها الديكتاتورية، فإن هذا الأمر يبدو غريبًا جدًا بل غير مقبول جملة وتفصيلاً في عدد من البلدان، وفي مقدمتها الكويت التي انفردت دون سواها من البلدان العربية بتجربة يحتذى بها، حيث أدى البرلمان الذي حاول بعضهم اقتحامه وإتلاف محتوياته والعبث بالممتلكات العامة مهمة تعزيز المشاركة السياسية في المجتمع الكويتي.
ولا يمكن في هذا السياق الحديث عن أن اقتحام البرلمان الكويتي قد عد يومًا أسود في تاريخ الديمقراطية كما وصفه سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ولا سيما إن الحكومة الكويتية لم تمارس طوال تاريخ الكويت الحديث قمعًا ضد شعبها، بل إن البرلمان العريق ودواوين المواطنين كانت توفر أدوات للرأي والرأي الآخر ولم تقابل السلطات هذا الأمر بأي نوع من القمع، بل عززت من دور هذا البرلمان الذي أسهم في الارتفاع بالممارسة الشورية في البلاد.
ورغم الغضب الحكومي الشديد من قيام مجموعة من النواب والمواطنين باقتحام البرلمان إلا أنها تعاملت مع الحدث بتعقل وحكمة حيث لم تلجأ إلى إجراءات استثنائية واكتفت بإحالة المقتحمين للبرلمان للقضاء؛ رغبة في عدم الخروج بالقضية من مسارها القانوني الطبيعي إلى مسار استثنائي.
رفاهية ونمو
ولعل ما يزيد الاستغراب أن الكويت مستقرة اقتصاديًا منذ سنوات وتقدم دعما وخدمات لمواطنيها وتؤمن دخولاً عادلة حولت المواطن الكويتي لواحد من أكثر المواطنين العرب دخلاً، بل إن سياساتها تراعي بين حقوق المواطنين حاليًا وتأمين حق الأجيال القادمة لتعيش في مستوى الأجيال الحالية نفسها.
بل إنها ـ أي السلطات الكويتية ـ لم تنتهج النهج القمعي الذي تبنته نظيراتها في بلدان عربية عديدة، بل لم تتعامل بعنف مع المقتحمين وتركت الأمر للمعالجة القانونية حتى يتم محاسبة من ارتكبوا هذه التجاوزات وحاولوا المساس بأحد مقرات السيادة، في وقت لم تغلق الحكومة باب الحوار بل أعلنت استعدادها للانخراط في الحوار لحل أي مشكلة.
بل إن هذا التصعيد لم يجبر الحكومة الكويتية على تبني إجراءات تصعيدية فمثل هذه الخطوات الخاطئة لم تدفع سمو أمير البلاد مثلاً إلى حل البرلمان حلا غير دستورياً أو أي إجراءات تتنافى مع تقاليد الكويت الراسخة.
سيادة البلاد
إن سمو الأمير حرص خلال بيان رسمي على إبداء الحرص على سيادة الدولة بالتأكيد على أنه لن يقيل الحكومة ولن يسحب الثقة من رئيس الوزراء حتى لو كانت له تحفظات على أدائه «فسيادة الدولة محفوظة ولن نقبل إملاءات أو محاولة لفرض وجهة نظر معينة على الدولة».
ولا شك أن اقتحام هذا المبنى المهم لم تقف تداعياته عند هذا الحد، بل إن بعض الأطراف استغلته لإشعال فتنة بين الكويت وبعض بلدان الخليج، وهو الأمر الذي نفته الكويت والعواصم الخليجية جملة وتفصيلاً.
فوضى خلاقة
وإذا تركنا الكويت فلن نجد الأوضاع أفضل حالاً في مصر، حيث اشتعلت فتنة بعد قيام الشرطة في مصر بفض اعتصام لضحايا ثورة 25 يناير في أحد البقاع بميدان التحرير وهو الإجراء الذي أغضب ذوي الضحايا والشهداء، بل إن الأمر انقلب إلى مذابح راح ضحيتها أكثر من 35 قتيلاً حتى ساعة إعداد هذا التقرير، وهي أحداث تفتح الباب واسعًا أمام فوضى عانتها أقطار عربية في الفترة الأخيرة وكأنها تعيد كتابة التاريخ وتعيد إنتاج تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس التي تحدثت عن فوضى خلاقة في المنطقة، وهي الفوضى التي تمكن أعداء الأمة من إعادة رسم خريطتها والانقلاب على أنظمة وطنية ومنها أنظمة لم ترتكب أي أخطاء بل بذلت الغالي والنفيس من أجل مصالح مواطنيها، وعملت على ضمان رفاهيتهم وكفلت لهم كل سبل الراحة والرفاهية.
أحداث متكررة
والخطير في الأمر أن ظواهر اقتحام مقرات سيادية في بلدان عربية قد تكررت خلال الفترة الماضية دون أن تجد هبة كبيرة من العلماء والمرجعيات الدينية في المنطقة لدرجة أن الكثيرين لم يركزوا على الأحداث بل حاول بعضهم غض الطرف عنها والتعامل معها كتطور عادي في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، رغم أنها تفتح الباب أمام فتن ومساس بهيبة الدولة، وتعد خروجًا على ولي أمر شرعي، بل إنها تتماهى مع مخططات قوية معادية للعالم العربي والإسلامي ترغب في تنفيذ أجندتها الساعية للسطو على ثروات المنطقة وإضعاف أنظمتها والعمل على فرض عملاء لهم في المنطقة يبيحون لهم ما كان يرفضه الآخر.
فالمساس بهيبة الدولة وضرب الاستقرار داخل دولنا يحوّل عبر هذه العمليات المرفوضة شرعًا وقانونًا إلى عنوان رئيس في مجمل الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ أشهر عدة وهو مخطط تحركه قوى خارجية تبذل الغالي والنفيس وتؤمن الدعم لجماعات فوضوية تبغي تكريس الفتنة وتذهب بالمنطقة إلى النفق المظلم.
الفتنة نائمة
ولا ينبغي هنا تجاهل التداعيات السلبية لمثل هذه الحوادث خصوصًا أن مرورها مرور الكرام قد يقودنا إلى انزلاقات تضرب الاستقرار في المنطقة في مقتل، وهو أمر يعده الشيخ يوسف البدري الداعية الإسلامي المعروف نوعًا من الإفساد في الأرض ينبغي الضرب على يد من يقترفونه، ويطبق حد الحرابة عليهم، معتبرًا أن هذا الأمر يتورط فيه في الأغلب الأعم أناس على صلات بأجهزة استخبارات خارجية يضمرون العداوة والبغضاء للأمة.
ولفت إلى ضرورة أن يهب العلماء للتحذير من هذا الخطر ويحذروا الأمة من مخاطر هذه الفتن التي تهدد الأخضر واليابس في المنطقة، مطالبًا بضرورة تطبيق حد الحرابة على كل من يحاولون المساس بأمن الأمة واستقرارها، لافتًا إلى وجود مخاطر لمثل هذه الأحداث كونها تتيح للخارجين على القانون شرعية إجرامهم مادامت النخب تتورط في هذا الأمر.
وأبدى البدري ضيقه من دعاة الفتنة وإتاحة الفرصة أمامهم لبث سمومهم أمام الجميع تحت ذريعة الخلاف السياسي، متسائلاً: هل يحل الخلاف السياسي عبر البلطجية وترويع الآمنين وإتلاف المرافق العامة؟!
وأنحى البدري باللائمة على غياب إقامة دين الله ونصرة سنة رسول الله [ عن أجندة دعاة الفتنة، متسائلاً: لماذا لم نشهد هبة حين تستباح حرمات الإسلام ولم نجد جماعة تشدد على ضرورة تطبيق شرع الله رغم خلفيتها الإسلامية؟! وهذا ما يقدم دليلاً على وجود أيد أجنبية تعبث في جسد الأمة وتقود عبر عملاء لها ما يطلق عليه الربيع العربي.
طرق ملتوية
وفي السياق ذاته يرى د. محمد إمام أستاذ السياسة الشرعية بجامعة الأزهر أن الإسلام وضع قواعد لحل الخلاف السياسي عبر الحوار لطرح جميع وجهات النظر والبحث عن تسوية تضمن حلولاً وسطا لأي أزمات، ولاسيما إذا كانت الأزمة ذات طابع سياسي.
وأشار إلى أن استخدام العنف لتحقيق أجندة سياسية أمر منهي عنه شرعًا، ولاسيما إذا كان هناك برلمان يستطيع فيه كل طرف أن يعبر عن وجهة نظره دون تثريب فلم اللجوء لطرق ملتوية وغير قانونية لتحقيق أجندات سياسية؟!
غير أن د. إمام أرجع الأمر إلى غياب الاهتمام بالقضايا الشرعية في الأحداث الأخيرة بالتأكيد على أن مناخ الحريات هو حجر الزاوية في نصرة شرع الله ومادامت الحرية تحققت عبر ضوابطها الشرعية فستعود نصرة شرع الله لواجهة الأحداث شاء من شاء وأبى من أبى، مشيرًا إلى أن هذه العودة قريبة.
لاتوجد تعليقات