رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 24 أكتوبر، 2011 0 تعليق

الشيخ ياسر برهامي في حوار مع الفرقان: جميع الإسلاميين متفقون على أن الأمة فـي حاجة إلى إعداد مسبق وتمهيد قبل أن يحكمها نظام إسلامـــي كامل

 

استكمالاً لما بدأناه في العددين السابقين من الحديث عن مستقبل الدعوة السلفية والحركات الإسلامية في مصر بعد الثورة، كان لا بد لنا أن نلتقي بأحد أهم رموز هذه الدعوة المباركة، الرجل الذي وصفته إحدى المجلات العلمانية الليبرالية شديدة العداء للإسلاميين بأنه أخطر رجل في مصر؛ إنه الشيخ الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية بالإسكندرية، لنستشرف رؤيته حول هذا الموضوع، وكان معه هذا الحوار:

- ما توصيفكم للحالة التي تعيشها الحركات الإسلامية عمومًا والدعوة السلفية خصوصًا الآن في مصر بعد زوال النظام السابق الذي كان يتعامل مع هذه الحركات بيدٍ من حديد على اختلاف توجهاتها؟

- الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله[، أما بعد: فلا شك أنه بفضل الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له حدث تغيير كبير بعد الثورة، حيث كان النظام السابق يحاصر الدعوة، ويصد عن سبيل الله، وتمثل هذا الصد في أمور منها:

• الاعتقالات المستمرة والتعذيب.

•  إيقاف الدعاة والحجر عليهم.

• المنع من السفر والانتقال داخل الجمهورية بل داخل المحافظة الواحدة بل داخل المدينة الواحدة.

• منع كثير من الدعاة من الظهور على وسائل الإعلام، أو حتى كتابة مقال في صحيفة.

• مصادرة كافة الحقوق السياسية للحركات الإسلامية ومنعها من تأسيس أحزاب على أساس المرجعية  للشريعة الإسلامية كما ينص على ذلك الدستور.

• فضلاً عن المتابعة الشديدة جدًا لكل الحركات والسكنات داخل المساجد وخارجها والتنصت على المكالمات وعلى الأحاديث واللقاءات.

      كل هذا كان يثمر فى النهاية أنواعًا من الصدّ عن سبيل الله، ولا شك أنه لما زالت كل هذه الأمور أصبحت الحركات الإسلامية كلها تستطيع أن تنطلق في العمل الدعوي - مادامت سلمية - وأصبحت تعمل في النور وبطريقة رسمية، وتمكنت من تأسيس جمعيات خيرية كانت ممنوعة من إنشائها بالكلية في المدة السابقة للثورة، منها جمعية الدعوة المسماة باسم جمعية الدعاة، وكذلك إنشاء حزب سياسي أسسه أبناء الدعوة السلفية على أساس المرجعية العليا للشريعة الإسلامية كما ينص عليها الدستور، كذلك أمكنها العودة إلى الأنشطة العلمية التي كانت ممنوعة منها مثل إنشاء المعاهد العلمية التي أغلقت وصودرت وأصبحت مقارها إلى أشهر قليلة موطنًا لتجار المخدرات والمدمنين؛ لأنها أغلقت وتركت وأهملت ولم تتولها وزارة الأوقاف بأي نوع من الرعاية كما كانوا يزعمون، وبفضل الله تمكنا من إصدار جريدة النور بعد أن كان هذا الأمر ممنوعًا علينا.

- هل معنى هذا أن الأمور استقرت تمامًا للإسلاميين؟

- بالطبع لا، فلا شك أن هناك موازنات ضخمة داخل المجتمع لا تزال موجودة؛ لا تزال هناك قوى أخرى كالعلمانية، والليبرالية، والمحاولات الدائبة للدولة الصفوية للاختراق والدخول من خلال الصوفية أو بعض فرق الصوفية، وما زالت هناك محاولات مستمرة للوقيعة بين الاتجاهات الإسلامية على اختلافها، كل هذه موازنات وكلها مؤثرات على الساحة السياسية والاجتماعة والدعوية، فضلاً عن محاولات القفز على إرادة الأمة في كتابة الدستور بوضع ما يسمى بالمواد فوق الدستورية أو بالوثيقة الحاكمة للدستور، أو بمحاولة جعل الهيئة التأسيسية التي تكتب الدستور ليست منتخبة وإنما يعين فيها العلمانيون والليبراليون واليساريون والأقباط واليهود والكاثوليك والبروتستانت أيضًا برغم ضعف وجودهم بالكلية؛ كل هذا من أجل تنحية الشريعة الإسلامية، كلها معارك ضخمة موجودة قبل الانتخابات وبعدها وأثناءها وسوف تظل موجودة.

زوال الخوف

      لكن الذي أستبشر به أن ما حدث لم يكن متوقعًا، ولا في قدرة أحد، ولا في حسابات أحد أن يقع إزالة النظام البائد الذي كان في غاية الاستبداد والظلم والصد عن سبيل الله، لم يكن يخطر ببال أحد كان أن نظامًا من أقوى النظم البوليسية في العالم، وكان لديه جهاز أمن أخذ صلاحيات من أوسع ما يكون لا يناظرها إلا صلاحية أجهزة المخابرات في الدول الشيوعية المنهارة، مع كل ذلك أزاله الله عز وجل، وحدث ما لم يكن في حسبان أحد من مظاهرات محدودة إلى ثورة حقيقية، أصبح الناس يشعرون بحرية وزال للخوف الذي كان موجودًا قبل ذلك، وإن كنا نريد أن تكون هذه الحرية منضبطة بما شرعه الله عز وجل لمراعاة مصلحة العباد والبلاد لا بالتعدي ولا بالتجاوز.

- نقول: إن الذي حدث من صنع الله عز وجل، قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}، فالله ذو فضل علينا، ولذلك نقول: إن ما نستبشر به أن ما حدث لم يكن بجهد أحد، بقدر ما هو فضل الله قلَّب القلوب، حتى لم تسر الأمور كما نرى الآن في سوريا، أو كما وقع فى ليبيا واليمن، بل سارت إلى أحسن ما يتصور في مثل هذه الثورات بالمقارنة فيما بينها، وذلك كله بفضل الله سبحانه وتعالى.

- لذلك أقول: إن الله عز وجل هو الذي صنع لنا، والله عز وجل قدَّر لنا الخير وتفضل علينا، فنحن نرجو أن يتفضل علينا في المستقبل، وأن يولي أمورنا خيارنا وألا يولي أمورنا شرارنا.

- ما تصوركم عن طبيعة العلاقة بين السلطة القادمة أيا كانت والإسلاميين؟ وهل يمكن أن يحدث ما حدث من قبل من انقلاب السلطة على هذه الحركات بعد تحقيق أهدافها كما حدث في ثورة  يوليو52، أو كما حدث في الجزائر مثلا؟ أم إن الوضع يختلف هذه المرة؟

- بالتأكيد الوضع يختلف، فالحركات الإسلامية قبل الثورة وفي الثورة وبعد الثورة لها وجود بفضل الله سبحانه وتعالى على الأرض يصعب تجاوزه، وأظن أن أي سلطة أيا كانت لا بد أن تضع في حساباتها جميع الحركات الإسلامية بأوزانها الحقيقية.

- وأقول بدايةً: ثورة 25 يناير كانت ثورة شعبية حقيقية تحركت فيها الملايين فعلاً على الأرض، ومعلوم أنه إذا بلغ عدد المتظاهرين فوق المليون فمن الصعب جدًا لجيش وطني - أعنى ليس محتلاً بل هو من أبناء البلد - أن يصادم هذه الثورة، هذا علميًا وتاريخيًا غير ممكن؛ لأن هذا الجيش فى النهاية من أبناء هذا الوطن، من أبناء هذا الشعب.

- ثانيًا: الوضع في ثورة 52 كان انقلابًا عسكريًا، ولم تكن الحركة الإسلامية في ذلك الوقت قد ضربت بجذورها في الأرض مثل ما هي عليه الآن، والحقيقة أن انقلاب 52 كان مدعومًا من الخارج بدرجة أو بأخرى، وبالتالي فالموازنات التي كانت موجودة في ذلك الوقت سمحت بسيطرة قادة الثورة، وجعلتهم يتمكنون من إقصاء الإسلاميين رغم أنهم تسلقوا عليهم، لكن الآن السلفيون استطاعوا -بحمد الله- إن يجمعوا 4 ملايين أو أكثر في يوم واحد في مليونية 29 /7/2011 وهذا بلا شك له وزنه عند أصحاب القرار والمراقبين.

مقارنة غير سديدة

وظهر من خلال أحداث الثورة والعلاقة مع القوات المسلحة والعلاقة مع الناس أنه لا بد من لزوم التعاون والتكامل، فمن الذي حمى أقسام الشرطة، وحمى الأماكن الحساسة في البلاد؟ إنهم أبناء الدعوة السلفية!!

      لقد طُلب إلينا مرات عدة القيام بهذه المهمة لحماية أقسام الشرطة والمنشآت الحساسة بالوجاهة والاحترام الذي للدعوة والدعاة أمام الناس أو عند الناس.

      كما أنني أرى أن الوضع يختلف أيضًا عما وقع في الجزائر، الحركة الإسلامية في الجزائر كان عمرها نحو 6 أو 7 سنوات عند الانتخابات، ولم تكن ضربت بجذورها في الأرض كما فعلت الحركات الإسلامية في مصر، عمر الصحوة في مصر نحو 40 عامًا تعرضت خلالها لأنواع شتى من البلاء، وبفضل الله خرجت منها صامدة وقوية، والجيش الجزائري كان في عنفوان قوته مع وجود الجهاز الأمني المستبد الباطش بالظلم والعدوان، هذا الأمر غير موجود في مصر.

      كما أن الجيش المصري ليس لديه رغبة في مواجهة الثورة، بالعكس، هو في الجملة عضَّدَّ الثورة ووقف معها، وجزء كبير وأساس من هذه الثورة هو الحركات الإسلامية.

      لذلك أنا أستبعد التصور الذي يحاول بعضهم أن يفرضه بأنكم ستُضربون كما ضُربتم قبل ذلك، الله عز وجل خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين، ثم الموازنات على أرض الواقع تمنع حدوث هذا بإذن الله.

حكومة غير محاربة الإسلام

- بعض الباحثين في شؤون الحركات الإسلامية يقول: إنه ليس من مصلحة مصر أن يحكمها الإسلاميون خلال السنوات العشر القادمة، فما رأيكم فى هذا الطرح؟

- جميع الإسلاميين وعلى رأسهم الدعوة السلفية أظنهم متفقين على أن الأمة في حاجة إلى إعداد مسبق في ظل موازنات داخلية وإقليمية وعالمية لابد أن نراعيها ونراعي قوتنا وقوة أعدائنا، وأن الأمة تحتاج إلى تمهيد قبل أن يحكمها نظام إسلامي كامل، ولذلك نحن لا نسعى إلى الحكم، ولا نسعى للرئاسة، ولا لتكوين الحكومة، ولكن نسعى لتكوين نظام أو حكومة غير محاربة للإسلام هذا تصورنا في هذه المرحلة.

-  بماذا تفسرون الحملة الشرسة على التيار السلفي عمومًا وعلى مشايخ الإسكندرية على وجه الخصوص؟ 

- هذه الحملة دليل على قوة السلفيين على أرض الواقع؛ لماذا يهاجمونك إذا كنت ميتًا؟ لن تهاجم، إنما هذه المهاجمة بسبب ظهور أثر الدعوة في الناس، وهذه علامة صحة وقوة، وجود المعارضة والمدافعة دليل على صحة المنهج، لو كنا نرضيهم لكنا نتبع ملتهم، {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}، فإذا رضوا عنا كان ذلك طعنًا فينا، إن ذم الكفار والمنافقين زين، وإن مدحهم شين؛ لذلك نقول بالتأكيد: إن هذه الحملات مدروسة من الداخل والخارج، وأنا لا أشك في ذلك لحظة أن هذا الأمر مدبر، وهو محاولة لإزالة آثار الانتشار السلفي إلى الطبقات التي كانت لا تسمع عنا الا السوء،  فأصبحت تسمع منا مباشرة لتعرف حقيقتنا، وبالتأكيد فإن ذلك يجذب طائفة كبيرة إلى المنهج الصحيح، كل هذا يحاولون إزالة آثاره بمزيد من هذه الحملات التي أجزم أنها لا تزيد الدعوة إلا قوة.

نظرية المؤامرة

- معنى هذا - بارك الله فيكم - أنكم تؤيدون نظرية المؤامرة وأن هناك أطرافا خارجية تحاول العبث بالبلد؟

- أنا اجزم بذلك، هم قد رصدوا كما ذكروا 7 مليارات يورو لجميع الثورات العربية، أمريكا تخصص جزءا من ميزانيتها من أجل استعادة مصر، كلينتون تقول في الكونجرس: «دعونا نحاول أن نسترجع مصر» فماذا تقول في ذلك؟!

- سمعنا عن وجود انقسام بين مشايخ الدعوة السلفية بالإسكندرية على وجود حزب سلفي، فما حقيقة هذا الكلام؟ وهل عمل الحزب منفصل عن العمل الدعوى؟

- أول مرة أسمع هذا الكلام فضلاً أن يكون حقيقة، جميع مشايخ الدعوة السلفية فى الإسكندرية يؤيدون المشاركة السياسية، وجميع أعضاء مجلس أمناء الدعوة السلفية يوافقون على ما فعله أبناء الدعوة لتأسيس حزب سياسي هو حزب النور.

- ماذا تقصد بمجلس الأمناء؟ هل هو مجلس شورى الدعوة؟

- مجلس الأمناء هم الشيوخ المؤسسون، فضلاً عن مجلس الشورى ومجلس الإدارة، فهم يدعمون هذا الحزب ويؤيدونه بالتأكيد.

      وأما عن انفصال الحزب عن الدعوة فالانفصال هذا بمعنى التنوع وليس بمعنى التضاد - أي وجود الاختلاف في طبيعة العمل - فالحزب مجاله العمل السياسي والدعوة مجالها المسجد والوسائل الدعوية الأخرى، وهناك تكامل في هذا النوع، ثم هو كما ذكرت أسسه أبناء الدعوة ولم يؤسسه أجانب أو أغراب عنها فهم فى النهاية لهم مرجعيتهم العلمية لشيوخ الدعوة لكن عملهم السياسي قانونا لابد أن يكون مستقلاً.

- ألا تتفقون معي شيخنا - بارك الله  فيكم- أن وجود هذا الحزب يعد نقلة نوعية كبيرة في العمل السلفي قد تكون أكبر من طاقات وإمكانات الشباب السلفي الذي لم يتدرب على العملية السياسية من قبل نتيجة لما اقتضته طبيعة المرحلة السابقة؟

- بالتأكيد نقلة كبيرة، لكن ليس فوق طاقات الشباب، فطاقات الشباب متفجرة وتضم طاقات كبيرة كانت خاملة وتم تفعيلها، هذه الطاقات انضمت للعمل بوجود الحزب فبإذن الله يرجى مضاعفة الطاقات الموجودة وليس الطرح منها.

أحزاب سلفية متعددة

- هل من المصلحة وجود أكثر من حزب سلفي على الساحة؟

- لا شك أن هناك مصلحة في وجود أكثر من حزب – على الأقل في المرحلة الحالية - مادام هناك تنسيق بينها فيه قدر من المصالح، فالعلمانيون يكاثروننا بالعدد فيقولون عندنا 68حزباً ليبرالياً، ونحن نقول عندنا 6 أحزاب إسلامية أو 7 من 68حزبا كرتونيا- أتذكر موقفا طريفا في اجتماع دعت إليه قيادة المنطقة العسكرية الشمالية مع بعض أعضاء المجلس العسكري، وحضر ممثلو الأحزاب فقام أحدهم يُعرِّف بنفسه فقال: أنا فلان رئيس حزب كذا - من الأحزاب الكرتونية!

- قال: أنا كنت أدخل الانتخابات من قبل فكنت أحصل على 230 أو 250 صوتا في مجلس الشعب، ولكن لما أراد الحزب الوطني أن يعمل معارضة ديكورية حصلت على50.000 صوت، فقدمت الاستقالة بعد هذا النجاح لأنني أعرف وزني الحقيقي - فهذه الأحزاب من باب المكاثرة بهم فقط .

      فوجود تنوع يؤدى إلى ضم أكبر قدر من الجهود، لكن أنا أرى أنه من الضروري في المستقبل أن تندمج هذه الأحزاب مع بعضها.

- ألا يعد ذلك تشتيتًا للجهود وتفتيتا لأصوات السلفيين ولاسيما أنهم في بداية ممارسة العمل السياسي؟

- لا يعد تشتيتا، نحن ساعدنا على تأسيس حزب الأصالة مثلاً وندعم وجوده، فالأمر هين إن شاء الله.

- هل يمكن للسلفيين فعلاً أن يوازنوا بين العمل السياسي والعمل الدعوي؟ أم سيقعون في الأخطاء التي وقع فيها غيرهم ويحدث خلط للأوراق ويفقد السلفيون الميزة الكبرى التي يتميزون بها وهي الدعوة إلى الله عز وجل وتربية الناس على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؟

- الحمد لله الدعوة ما زالت مستمرة وبقوة؛ أنا لا أتوقف عن إعطاء الدروس اليومية إلى وقتنا هذا برغم المؤتمرات الأخرى السياسية، بل في الحقيقة كثير من كلماتنا في هذه المؤتمرات كلمات دعوية، بل كلها كذلك؛ لأننا نريد أن نبين أن السياسة عندنا سياسة شرعية وليست السياسة الميكافيلية الوصولية.

      والدليل على ذلك أن هناك صحوة علمية بعد زوال النظام السابق فقد تكون خلال هذه المدة بفضل الله أكثر من 20 معهدًا علميًا، فضلاً عن الأنشطة العلمية لمسجد الفرقان ومسجد نور الإسلام وأنا أحد المدرسين فيه، والمشايخ يشاركون فيه، كذلك الشيخ أحمد حطيبة مدير المعهد، كذلك يشارك فيه الشيخ سعيد عبد العظيم،  وتدرَّس فيه 17 مادة؛  فمع تنسيق الجهود وتنوعها سيستمر عمل الدعوة في طريقه المرسوم له بإذن الله.

قصة الخلاف

- كيف ترون مستقبل العلاقة بين الحركات الإسلامية في المرحلة المقبلة؟ وهل يمكن أن تستمر الحالة التوافقية التي تعيشها الآن هذه التيارات؟ أم إنها مصالحة مؤقتة يمكن أن تتحول فيما بعد إلى صراع مبادئ وأفكار ومعتقدات؟

- القدر المشترك بين الاتجاهات الإسلامية، ما زال أكثر من القدر المختلف فيه وخصوصًا مع وجود مواجهة مع العلمانيين والليبراليين - أبناء أعدائنا منا - كما سماهم الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، فهذا يعضد الجهود ويضمها، وما أظن أن الغرب وأعوانه سيتركوننا دون مقاومة، فهذه المقاومة سبب من أسباب التقارب وزيادة القدر المشترك، ورجاؤنا أن تظل العلاقة رغم الاختلاف وننظر إلى القدر المشترك المتفق عليه لتحقيقه وتُحل أنواع الخلاف الموجود بتطبيق فقه الخلاف، اختلاف التنوع يُستثمر، واختلاف التضاد غير السائغ يًردّ، واختلاف التضاد السائغ يُحتمل.

سياسة المداهنة

- هل يملك السلفيون مشروعا حضاريا يمكن أن ينقذ مصر من الأزمة الراهنة أم إنهم كما ذكر بعضهم مراهقون سياسيون لا يجيدون العملية السياسية ولا يملكون مشروعا يمكن أن نطلق عليه مشروع نهضة ؟

- الإسلام مشروع نهضة لا مثيل له في التاريخ ولا في الوجود كله، نحن ندعو إلى الإسلام كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو أعظم مشروع نهضة في العالم كله، نحن ندعو إليه ونرجو أن نكون من أهله القادرين على تطبيقه، أعنى تطبيق هذه النهضة الحضارية الكاملة- نحن بالفعل لسنا نُحسن سياستهم- السياسة القائمة على المداهنة، وعلى الكذب، وعلى الوصولية، على أن الغاية تبرر الوسيلة، على نقض العهود وخيانة الأمانات، نحن لا نحسن ذلك وهذا شرف لنا، أما السياسة الشرعية بفضل الله عز وجل فنحن بفضل الله على علم كاف بها، ولا شك أننا نحتاج إلى المزيد، وبالممارسة ستزداد الخبرة، وهذه العلوم الإنسانية عمومًا البشر هم الذين ينتجونها، أعني عملهم وممارستهم هي التي تكسبهم خبرة في هذه العلوم، وعندنا بالتأكيد سياسة مختلفة، اقتصاد مختلف، وإعلام مختلف، وتعليم مختلف، وسوف يكون هناك فرق كبير جدًا بين كل هذا وبين ما يعرفونه في أنظمتهم.

التجربة التركية

- ما تقييمكم للتجربة التركية التي يتغنى بها الكثيرون الآن وهل يمكن عدها نموذجًا مثاليًا يمكن تطبيقه في مصر؟ وما تعليقكم على تصريح أردوغان الأخير عن العلمانية وتطبيقها في مصر؟

- التجربة التركية لا تصلح عندنا بالمرة؛ لأننا سبقنا تركيا بعشرات السنين من الجهة الإسلامية والدينية، صحيح لم نسبقهم اقتصاديًا لأننا في الحقيقة لم يكن لدينا أي فرصة ولا أي ممارسة، نحن كنا مقيدين تقييدًا تامًا، لكن كما ذكرت من الناحية الإسلامية المجتمع المصري ومعظم المجتمعات العربية تختلف كثيرًا عن المجتمع التركي الذي فرضت عليه العلمانية بالحديد والنار نحو أكثر من تسعين سنة بطريقة بشعة جعلت جيل أردوغان كله ولد يتنفس العلمانية، ولا يتصور مخالفتها قط، فضلاً ًعن التصريح ببطلانها؛ ولذا قال هذه التصريحات غير المقبولة بالمرة، كيف ينصح شعب مصر بأن يصوغ دستورًا يفصل الدين عن الدولة وعن الحياة، ويزعم أن العلمانية ترادف الإسلام؟ إما أنه لا يعرف الإسلام! وإما أنه لا يعرف العلمانية! ولكن يبدو أنه يعرفها جيدًا لأنه يقول: «العلمانية أن تقف الدولة على مسافة واحدة من سائر الأديان، وأن الدولة ليس لها أي صبغة دينية لا أعنى الدينية بالاصطلاح الأوروبي ولكن أعني المرجعية في التشريع».

      مثلاً الدستور المصري ينص على ما يعد جريمة يعاقب عليها في القانون التركي، «فالشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع» وهذا يُعدّ في القانون التركي جريمة يعاقب عليها بالسجن سنوات إذا كان القائل بذلك فردا وأما إذا صدر من جماعة فيعاقبون بالسجن المؤبد - والشعب المصري جماعة - فحسب القانون التركي الذي يحكم به أردوغان فالشعب المصري كله يستحق السجن المؤبد مدى الحياة.

      فهذه تصريحات غير موفقة وتصريحات مخالفة لشرع الله تعالى الذي قال: {كتب عليكم الصيام}، وهو الذي قال: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، وهو الذي قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة}، وهو الذي قال: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين}، وهو الذي قال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.

      كيف يزعم مسلم أنه ملتزم بإسلامه ويقول لا دخل لى بهذه الآيات؟! فلو وصل صوتي إلى أردوغان فأنا أقول له: إنه يجب أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يعلم أن الإسلام الذي جاء به محمد[ يختلف بالكلية عن هذا الإسلام الذي يدعي أنه يوافق العلمانية.

- ما رأيكم في مستوى الخطاب السلفي ولاسيما بعد الثورة، وهل يرقى هذا الخطاب إلى طموح المواطنين على اختلاف توجهاتهم وثقافاتهم؟

- الخطاب السلفي متفاوت على حسب قدرة المتكلمين على إدراك الواقع ومعرفة الشرع فى معالجته، وبالتالى فهو بالتأكيد يتطور وإن شاء الله إلى الأفضل ونرجو الله عز وجل أن يرقى إلى المستوى المطلوب.

عودة للدعوة مرة أخرى!!

- ما رد فعل الدعوة السلفية فيما لو حصل العلمانيون على أغلبية في البرلمان القادم؟ وماذا لو لم تُفعَّل المادة الثانية من الدستور؟

- لو حصل العلمانيون على أغلبية لدلَّ ذلك على لزوم مزيد من العمل الدعوى بإقناع الناس بالعودة إلى الالتزام بالإسلام، وفهم الإسلام، وهذا الذي سنفعله، سنسير من دار إلى دار، ومن شارع إلى شارع، ومن «زنقة إلى زنقة»، نُبلغ الناس أن مَن رفض شرع الله عز وجل واختار فصل الدين عن الحياة يحتاج إلى مراجعة إيمانه وإسلامه.

      وأما مسألة تفعيل المادة الثانية كما ذكرت فنحن ندعو إلى ذلك ونحرص عليه، ونسعى إلى تهيئة الأمة وإعدادها لحصول ذلك، والأمر يأتي بالتدريج حسب المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز، وهذا التدرج لا نضعه نحن من أنفسنا أو نؤخر شيئًا قدرنا عليه، ولكننا نقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الأصل أن هذه الحدود تقام على أحسن الوجوه، فما أمكن إقامته من واحد لم يحتج إلى اثنين، وإذا أمكن إقامتها بعدد وبغير سلطان أقيمت ما لم يكن فى إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإن كان في إقامتها فساد للراعي والرعية يزيد على إضاعتها لم يدرأ فساد بأفسد منه» وعلى أي الأحوال فالأمر كما ذكرت مبني على القدرة والعجز والمصلحة والمفسدة ولا بد من تهيئة.

- ختامًا وفقكم الله ما هي الرسالة التي توجهونها إلى الشباب السلفي في الداخل والخارج خاصة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها الأمة؟

- أقول: إن الأمة في مفترق طرق، هناك من يريد الأخذ بها ذات اليمين، وهناك من يريد الأخذ بها ذات الشمال، والعمل خلال هذه المرحلة سيترتب عليه مصير أجيال قادمة بمئات الملايين من البشر؛ لأن وضع مصر سيؤثر على العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص.

      لذلك أقول لإخواني السلفيين في كل مكان: نحن نحتاج إلى بصيرة ومعرفة بثوابت الحق التى لا يمكن التنازل عنها، وموازنة بين المصالح والمفاسد بميزان الشرع لا بموازين الأهواء ولا بالجهل، ولكننا نحتاج إلى علم وبصيرة، ثم نحتاج الى إخلاص وإرادة لوجه الله والدار الآخرة، ثم نحتاج الى صدق وجدية في العمل {خذوا ما آتيناكم بقوة} وصية الله عز وجل أوصي بها نفسي وإخواني وجزاكم الله خيرًا .

جزاكم الله خيرًا على سعة صدركم وحسن تعاونكم معنا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك