رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.بسام خضر الشطي 17 أبريل، 2011 0 تعليق

جمع كلمة السلفيين على الحق

 

منذ طفولتي تربيت في كنف الدعوة السلفية المباركة، وتعلمنا من العلماء والمشايخ وطلبة العلم الحرص على الوحدة ولم الشمل وجمع الكلمة وإزالة أسباب النزاع والتفرقة؛ لأنها بذور الشقاق الذي يؤدي إلى الفشل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا}.

- وتعلمنا أيضاً أن السلف الصالح - رضي الله عنهم - هم أصبر الناس على أقوال المخالفين ودعواتهم؛ فهاهو شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - دعا إلى السنة والإسلام، وجادل أهل الباطل باللسان وجالدهم بالسنان بهمة وقادة وعزمة وثابة حتى نصر الله به السنة وكسر به البدعة وجدد به الدين وجعله شجى في حلوق المبتدعة.

      والحال نفسه يتكرر مع مجدد القرن الثاني عشر الهاجري الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - فلقد خرج هذا الإمام في مجتمع يعج بالشرك والبدع والضلالات، فقام لله، ودعا إلى سبيل الله، وشمر عن ساعد الجد، واستفرغ لذلك الطاقة والجهد، فهدى الله به قلوبا غلفا وأذانا صما، وأعينا عميا، وأبان به المحجة وأقام على الناس الحجة.

- وتعلمنا من المشايخ أن أهل السنة قد يحدث بينهم خلاف ويتناظرون في المسائل الاجتهادية والتنظيمية مع بقاء الألفة والمودة والمحبة فيما بينهم في حدود الأدب واللباقة بعيدا عن الإسفاف والصفاقة.

      فالسلف لا يختلفون - بحمد الله - في أصل من أصول الدين، وقواعد الاعتقاد، ولا يختلفون من أجل المراء وإحداث فتنة ومجلبة للتعصب واتباع الهوى ومطيةللانتصار للنفس والتشفي من الآخرين وذريعة للقول على الله بغير علم، بل يريدون ضبط وتأصيل العمل الإداري ليكون الجميع على بصيرة، قال مسلم ابن يسار: «إياكم والمراء؛ فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته»، وقال جعفر ابن محمد: «إياكم والخصومات فإنها تشغل القلب وتورث النفاق».

- وتعلمنا من المشايخ أن ديننا سهل وسلس وواضح، فلا بيعات تقام ولا جلسات في السراديب تحاك ولا مسلك باطلا يطال، بل منهج صاف ووسطي وقد أسس على بنان متين وتأصل على قواعد ذهبية وأجيز من كوكبة وثلة من العلماء الربانيين الأفذاذ لهم عقول راجحة وعواطف صادقة ومعايير منضبطة وحكمة بالغة ونظرة ثاقبة وحنكة صائبة؛ فلم يضعوا المنهج السلفي لضغوط سياسية ولم يستفزهم مخالف أو يستثرهم معاكس؛ فأوجدوا المنهج لردود فعل غير منضبطة، بل ليكون نبراسا للقاصي والداني والسير بخطى ثابتة والتعامل بالعدل؛ فمحبتهم للسلف لم تجعلهم يرفعونهم عن منزلتهم، وكراهيتهم للكفار والمبتدعة لم تدفعهم لظلمهم أو التقول عليهم؛ قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى}.

- وتعلمنا من علمائنا أن نتعامل بالدليل القاطع والبرهان الساطع بالأمانة العلمية بعيدا عن التزوير وقلب الحقائق وبتر النصوص أو ضرب النصوص ودمج المحكم بالمتشابه أو زخرفة الباطل، أو تحكيم العوائد واتباع الهوى ولا التقليل للمخالف أو التهويل للمواقف ولا التعصب لرأي قابل للمناقشة وليس من المسلمات والثوابت.

- وتعلمنا من علمائنا أن الشيطان يئس أن يعبد في الجزيرة، ولكن قد يحرش بين أهل الحق وبين العلماء وطلبة العلم ويطرح الشبهات ليكثر الجدال والخصومة عن طريق القيل والقال: «إن الله - تبارك وتعالى - كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».

      والقيل والقال، وكثرة السؤال مدعاة للتشدد والتنطع، والتقعر، والتنقيب، والاعتراض، والتعنت، والسؤال عما لا ينبغي السؤال عنه، ولا الخوض فيه، كما جاء في الحديث: «ذروني ما تركتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فَأْتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري.

- وتعلمنا من علمائنا ألا نجعل الكثرة والغوغاء والسواد الأعظم الذي تحركه العواطف والإعلام، تدفعنا للرفض أو تكوين رأي أو التعدي بلساننا أو جوارحنا، ولكن نسأل أهل العلم ونلتف حولهم، فهم أكمل الناس عقلا، وأعدلهم قياسا، وأصوبهم رأيا، وأسدهم كلاما، وأصحهم نظرا، وأهداهم استدلالا، وأقومهم جدلا، وأتمهم فراسة، وأحدهم بصرا ومكاشفة، وأصوبهم سمعا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا، فنتشاور معهم ونقوي الروابط وكلمة الصف من خلالهم لتتوثق عرى الألفة ووحدة الهدف، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد».

- وتعلمنا أن المنهج الذي يبنى على دليل قطعي، سليم من الاضطراب والتناقض واللبس، قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وهو محفوظ بإذن الله تبارك وتعالى، وتتناقله الأجيال جيلا بعد جيل، ومن التزم به رفع الله قدره ورقى قلبه وزكى نفسه ونقى بصره وزاده عزا، قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، ويحمي ربنا تبارك وتعالى أصحاب المنهج السليم من التخبط والفوضى والضياع ويمنحهم الراحة النفسية وشراحة الصدر واستنارة الفكر وسلامة القصد والحياة الكريمة والسعادة في الدارين، قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}.

- وتعلمنا من علمائنا أننا نحب العلماء ونتأدب معهم ونذب عنهم ونحسن الظن بهم وننشر محامدهم ونسعى إليهم ونأخذ منهم ونصدر عن رأيهم، والعلماء مفزع الأمة - بعد الله - عند الشدائد؛ فنواليهم وننزلهم منازلهم ونقدرهم حق قدرهم، ولكن العلماء بشر غير معصومين، بل يجوز عليهم في الجملة الخطأ والنسيان والهوى، وهذا لا ينقص قدرهم ولا يسوغ ترك الأخذ عنهم ولا نسارع في تخطئة العلماء، ولا يجوز الوقيعة فيهم أو تحريض الناس عليهم، لكن نحمل كلامهم على أحسن المحامل.

- وتعلمنا من علمائنا أننا وسط في التعامل مع ولاة الأمور؛ فلا ندين بالخروج على أئمة الجور، ولا نرى أنهم هم وحدهم سبب الشر والفساد، وأن الخروج عليهم كفيل بإصلاح الأحوال، ولا نكون مداهنين أو متخاذلين أو مخذِّلين ونسكت عن ظلم الولاة وترك نصحهم والإنكار عليهم، ولا نزين باطلهم ونسوغ لهم ظلمهم وفسادهم ووقوفهم مع الباطنية وقبولهم بطانة سوء عندهم وغشهم وخدعهم وتأليبهم على المصلحين والصالحين؛ لأننا في سفينة واحدة إن تركناهم يعبثون فسنغرق جميعا، وواجبنا أن نتعاون لإسداء النصيحة لولاة الأمر وبيان خطورة هؤلاء في الماضي والحاضر والمستقبل ونتعاون مع الولاة لتحصيل المنافع وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأن الولاة من يتحمل مسؤولية كل منكر وفساد وكل مسؤول معين ولديه القدرة والاستطالة.

- تعلمنا من علمائنا أهمية الشورى التي تشمل الأمور الدينية والدنيوية، الخاصة والعامة، والابتعاد عن التفرد والاستبداد امتثالا لأمر الله عز وجل، واتباعا لرسوله [ ولعلم السلف بفضائل الشورى وعوائدها الجمة وفوائدها الكثيرة، فهي سر النجاح والاستمرار، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد».

- وتعلمنا من علمائنا أهمية محبة بعضنا بعضاً، أهل السنة والجماعة، ونرحم بعضنا بعضاً، ونبني علاقتنا على المودة والألفة والنصرة وجسور الترابط؛ قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}، وقال سبحانه: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}، فنكف لساننا عن التفسيق أو التبديع أو التكفير، فنحن نرد على المخالف منا ونوضح له الحق، وهم ونحن بشر نخطئ وننسى ونغفل ونجهل فنلتمس العذر، فلابد من سلامة اللسان والجوارح، ويترحم بعضنا على بعض ونأخذ العلم من بعضنا البعض ونذب عن أعراضنا ونذكر فضائل من أحسن، وكلنا يعمل في الدعوة من أجل إعلاء كلمة الله ونشر الحق المبين، وواجبنا أن نواسي بعضنا في مدلهمات الملمات والفتن.

      نسأل الله أن يزيل الأحقاد والضغائن ويؤلف على الخير والحق قلوبنا ويجعلنا إخوة متحابين على سرر متقابلين، مفاتيح للخير مغاليق للشر رجاعين إلى الصراط المستقيم وقافين عند الدليل، والحمد لله رب العالمين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك