ثروات رئيسي تونس ومصر تجاوزت مئات المليارات ولا عزاء للفقراء-التضييق على الدين والفقر والبطالة والفساد فجرت شلال الغضب العربي
لعل من راقب الموجات الاحتجاجية التي شهدتها دول عربية عدة في الفترة الأخيرة لاحظ هيمنة المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية من نوعية الإصلاح السياسي والقضاء على الفساد والتفاوت الطبقي في هذه الدول والعمل على ضمان عدالة اجتماعية بما يوفر احتياجات المعيشة لكل أفراد الشعب ويمنع سيطرة فئات بعينها على الممتلكات والثروات.
وأدت المظالم الاجتماعية الدور الأهم في إشعال هذه الموجة بدءًا من لطمة شرطية تونسية لشاب يدعى محمد البوعزيزي عقابًا له على ماعدته الشرطية مخالفة لقواعد المرور نتيجة إصراره على المرور بالعربة الخاصة لبيع بعض الحاجيات قد توفر له لقمة العيش بعد سد أذناب حكم بن علي جميع مصادر العيش أمام التونسيين نتيجة الفساد والاستحواذ على ثروات الشعب التونسي وإيداعها في البنوك السويسرية.
بعد ذلك تفجرت اضطرابات طويلة في تونس أنهت حكم بن علي العائلي.
وما حدث في تونس لم يختلف كثيرًا في مصر حيث ضاق الشعب المصري ذرعًا من فساد النخبة المحيطة بالرئيس السابق واحتكارها لعدد من السلع الأساسية ورفع أسعارها لما يقرب من 400% في بلد يعيش أكثر من 70% من مواطنيه تحت خط الفقر، وتبنيها لسياسات كرست الفقر والبطالة والغلاء في بلد يتمتع بخيرات وفيرة منّ الله بها عليه وعلى شعبه إلا أن هذه الخيرات كانت تذهب إلى السلطة والمحيطين وأباطرة الاحتكار.
وأصر المصريون على ضرورة التخلص من هذا النظام الذي قدرت مصادر اقتصادية رفيعة المستوى داخل القطاع المصرفي السويسري ثروات العائلة الحاكمة فيه بأكثر من 70 مليار دولار كحد أدنى، فيما قدره اقتصاديون محليون ومن بينهم د. حمدي عبد العظيم العميد السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية بما يزيد على 150 مليار دولار.
وإذا كانت السلطة قد نجحت في (التكويش) على هذا الرقم الضخم من الشعب المصري فإن أكثر من ضعف هذا المبلغ ذهب إلى رجال الأعمال الذين وضعوا أيديهم طوال السنوات الأخيرة على حوالي 3.2 ملايين فدان من أراضي الدولة بأسعار شديدة التدني وقاموا (بتسقيعها) وبيعها بأسعار مضاعفة لشركات خاصة ورجال أعمال أجانب وليذهب بسطاء المصريين للجحيم.
دول بوليسية
وأما الأمر اللافت في استحواذ النخب الحاكمة في كل من مصر وتونس على ثروات الشعوب فتمثل في توجيه نسبة كبيرة من الموازنات العامة للدولة لخدمة أجهزة الأمن والاستخبارات الوطنية ووضع ميزانيات مفتوحة أمام هذه الأجهزة للاستعانة بأحدث آلات التعذيب والترهيب لاستخدامها ضد من يشتبه في كونهم معارضين ليذيقوهم صنوف العذاب لدرجة أن مصر وتونس قد حققتا أرقامًا قياسية في أعداد قوات الأمن بالنسبة لعدد المواطنين، ففي مصر وصلت الأزمة إلى وجود جندي لكل 47 مواطنًا مصريًا، في حين تجاوزت في تونس جنديا لكل 54 مواطنًا، وهي أرقام تتفوق على نظام شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي كان يخصص جنديا لكل 48 مواطنا، وتزايدت أعداد العاملين في الأجهزة الأمنية التي استخدمت أداة لإرهاب المواطنين والتخديم على نظم الحكم دون أن تولي مصالح دولها العليا أي اهتمام، بل عملت على الحفاظ على الأنظمة القائمة وغضت الطرف عن تجاوزاته اعتقادًا من رؤوس هذه الأجهزة أن بقاءهم على رأس هذه الأجهزة مرتبط ببقاء من قاموا بتعيينهم.
وكانت تقارير المنظمة الدولية للشفافية قد قدرت حجم الفساد في العالم العربي بما يقرب من 600 مليار دولار ذهب أغلبها إلى بنوك في سويسرا ودول في جنوب شرق آسيا وبنوك في جزر البهاما لإيجاد عراقيل أمام سبل استردادها من قبل الشعوب.
وذهبت هذه المليارات إلى جيوب المسؤولين والمافيا المحيطة بهم في وقت شهدت البنية الأساسية في العالم العربي حالة من الانهيار غير المسبوق ولاسيما في قطاعي الصحة والتعليم حيث تذيلت الدول العربية قوائم الدول الأكثر إنفاقًا على التعليم حيث لم تتجاوز 4% من الموازنة العامة في حين وصلت هذه النسبة ما بين 12% و15% من الموازنة العامة لدول أخرى.
وبدلاً من توظيف هذه المليارات لخدمة المصالح الوطنية وجدنا المستشفيات تعاني انهيارًا غير مسبوق في بلداننا لدرجة أن مناطق بعينها في عدة دول عربية لم تعرف حتى الآن إلا مفردات الخدمة الصحية بينها دول كانت معروفة بقدرتها على توفير الكوادر الطبية لدول جوارها العربي.
أسعار بخسة
ولم يتوقف انهيار البنية التحتية عند هذا الحد، ففي الوقت الذي تنفق السلطات على الأجهزة الأمنية والترسانات العسكرية وترصد المليارات للتنصت على المواطنين ومراقبة منازلهم وهواتفهم وجدنا هذه الدول تهمل كافة مرافقها مثل الكهرباء والمياه وحتى المساجد، وكلنا يتذكر في الصيف الماضي كيف كانت إحدى الدول العربية تحرم مواطنيها من الكهرباء لمدة 5 ساعات يوميًا في قيظ الصيف الساخن بحجة توفير الطاقة في الوقت الذي كانت تصدر الغاز الطبيعي لكل من إسرائيل وإسبانيا بأسعار متدنية للغاية، في حين يشدد مسؤولوها على أنهم يقدمون دعمًا كبيرًا لمجال الطاقة لشعبهم كأنهم يمنون على هذه الشعوب.
بل إن الأدهى والأمر أنه في الوقت الذي تنهب الحاشية مليارات الدولارات وتهربها لبنوك الغرب نراها تحاول تدمير بنيان المجتمع، فمثلاً لقد تراجعت ميزانية القطاع الزراعي في كل من مصر وتونس بـ 30% و20% على الترتيب مما كرس اعتماد البلدين في احتياجاتهما الغذائية على الاستيراد من الخارج مما يرهن استقلاله وقراره السياسي بإرادة الخارج ولا يجد حرجًا في المساس بسيادة بلاده من أجل البقاء في السلطة لأكثر فترة ممكنة.
قيود شديدة
ويزيد من قتامة المشهد أنه في الوقت الذي ينفق مليارات الدولارات في تشييد القصور والفيلات والمنتجعات الترفيهية على الحاشية نجد أن أوضاع المساجد في كل من مصر وتونس حالها يرثى له؛ حيث ما زالت مساجد في القاهرة وباقي المحافظات مغلقة منذ عدة سنوات لعدم وجود ميزانيات لترميمها، بل إن الحكومة وضعت منذ سنوات ما أسمتها الشروط العشرة لإنشاء المساجد وكأنها تضيق على بناء المساجد في وقت كانت الحكومة التونسية تنفق ملايين الدولارات على استخراج بطاقات إليكترونية لا يسمح بموجبها للشخص بأداء صلاة الجمعة إلا في مساجد معينة.
وإذا كانت كل الأسباب السابقة قد وقفت وراء اشتعال موجة الاحتجاجات في عدد من البلدان العربية فإن الملمح الأساسي لهذه التظاهرات أنها خلت من أي مطالب تتعلق بالدين أو مناشدات لإنقاذ مواد الشريعة الإسلامية أو إصلاح المؤسسات الدينية أو إعادة الاعتبار لكتاتيب تحفيظ القرآن ورفع دعوات تطالب بالتصدي للحملات الشرسة التي تهاجم الإسلام وتحاول النيل من رموزه ومقدساته.
هيمنة السياسة
فمعظم المطالبات اقتصرت على الأوضاع السياسية وضرورة تبني الإصلاح السياسي والديمقراطي والتصدي للفساد والغلاء والمطالبة باستعادة مليارات الدولارات التي هربت في الخارج، وقد يزعم بعضهم أن سيطرة الاتجاهات الشبابية على التظاهرات وتبني القائمين عليها لأجندة علمانية أو لنقل وطنية تجمع جميع عناصر الأمة في محاولة لإيجاد توافق وطني حولها، هو الذي منع ظهور المطالب الدينية في هذه المظاهرات وجعلها تتراجع عن صدارة المشهد إن لم يلغها، ورغم أن المطالب الدينية كفيلة بإصلاح دنيا المؤمن وآخرته وإعطائها القدرة على العيش في ظل رضا الله، فالحياة في سبيل الله أشد صعوبة من الموت في سبيل الله كما يؤكد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ حيث كان يجب على المتظاهرين أن يركزوا على دينهم كأداة للإصلاح والتقدم بدلاً من التركيز على مطالب دنيوية محضة.
توافق وطني
ويفسر الدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق هذه الظاهرة بأنها تعكس رغبة القائمين على المظاهرات في إيجاد توافق وطني وعدم طرح مطالب قد يصفها بعضهم بالفئوية والطائفية، وهو ما قد يفتح الباب أمام اختلافات قد تكون لها تداعيات سلبية على وحدة الصف داخل من يقفون وراء موجة الاحتجاجات.
ولا يخفي د. أبو النور إمكانية أن تؤدي الأسباب الاقتصادية دورًا في هيمنة الطابع الاقتصادي على المظاهرات في الأيام الأولى حيث كانت مخصصة للمطالب بالتصدي للغلاء والبطالة خصوصًا أن الأوضاع الاقتصادية في عدد من الدول العربية ومنها مصر وتونس واليمن قد تكون أدت دورًا مهمًا في إشعال هذه الأحداث.
غير أن د. أبو النور يستبعد أن تبقى المطالب الدينية بعيدة عن الساحة لمدة طويلة فالكف عن حصار المساجد وتحكم أجهزة أمنية في كل ما يتعلق بالدعوة الإسلامية وتطوير المؤسسات الدينية الرسمية للقيام بدورها في نصرة الدين وإعادة الاعتبار لدور العلماء في المجتمعات الإسلامية والاحتكام لشرع الله سيطفو على السطح خلال المرحلة القادمة في ظل مشاركة عدد من العلماء ورجال الأزهر الشريف وشخصيات إسلامية عديدة في هذه المظاهرات.
مليارات مهربة
ولم يكن غياب المطالب الدينية فقط هو الغالب على هذه الاحتجاجات حيث قفزت قضية في غاية الأهمية، ولاسيما بعد نجاح هذه الاحتجاجات في الإطاحة برموز الحكم في مصر وتونس؛ إذ كشفت وثائق وأفلام مصورة حجم ثروة القائمين على السلطة سواء الموجودة في الداخل أم في الخارج بعد أن نقل عن دوائر خارجية تجاوزها لمئات المليارات حتى إن بعض الزعماء قد وضعوا رصيد بلادهم من الذهب والاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية بأسمائهم وببصمة صوتهم؛ حيث لا يمكن لدولهم الحصول عليها إلا بعد إجراءات معقدة أو توافق مع هؤلاء الزعماء لاستعادة جزء منها مقابل عدم ملاحقة هؤلاء القادة على هذه التجاوزات.
وتتطلب استعادة هذه الأموال حزمة من الإجراءات منها التقدم بمطالب بتجميد هذه الأموال وتليها خطوات قانونية لإثبات ملكية حكومة الدولة المتقدمة لهذه الأموال وتقديم بيانات تفيد بتورط من نقلوها في مخالفات قانونية أو استولوا عليها بشكل مخالف وبعدها يصل الأمر للبنوك الكبرى التي تشترط مرور أكثر من عامين لاستعادة أجزاء من هذه الأموال باعتبار أن سحبها بشكل مفاجئ قد يضر بالمركز المالي لهذه البنوك.
إجراءات معقدة
ويتفق خبير اقتصادي مع الآراء التي تتحدث عن إمكانية استعادة هذه الأموال أو أجزاء كبيرة منها ولكن بشكل بطيء مرتبط بعدد كبير من الإجراءات القانونية والسياسية، فضلاً عن إمكانية تدخل الإنتربول كطرف في هذه المشكلة، لافتًا إلى أن الأموال المهربة من مصر وتونس قد يسهل استعادة أجزاء منها مع إبداء عدد من الدول الأوروبية رغبتها في التعاون لتجميد أموال كبار المسؤولين في الأنظمة السابقة.
وأضاف أن مئات المليارات المهربة يمكن استخدامها في تطوير الأوضاع الاقتصادية والتنموية في الدول العربية وإنقاذ بلداننا من أمراض الفقر والبطالة والغلاء التي يعاني منها السواد الأعظم وهو ما حوّل بلدانًا عربية عديدة إلى أكثر دول العالم فقرًا.
وطالب بعدم الاقتصار على الأموال التي هربها السياسيون، بل فتح تحقيقات موسعة في العائدات التي حصل رجال الأعمال عليها من الممارسات الاحتكارية والسيطرة على أراضي الشعوب والحصول عليها بأسعار متدنية وهي مليارات كانت كفيلة بإفاقة هذه الاقتصاديات من عثرتها
لاتوجد تعليقات