رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: حاتم محمد عبد القادر 14 فبراير، 2011 0 تعليق

استغلوا الوضع المتأزم وحرفوا وثيقة ونسبوها لعلماء أفاضل- «الفرقان» تكشف مخطط العلمانيين لوضع دستور مصري جديد يوافق أفكارهم

 

لأن الثورات تأتي بما يشتهيه مفجروها، إلا أنها في المقابل تحصد خسائر  وأفكارا هدامة من أطياف واتجاهات أخرى قد تكون صديقة أمس إلا أنها لن تسكت حتى تحصل على ما تريد اليوم، فقد أتت الفرصة ولا يمكن تفويتها.

إن ما حدث في مصر من شباب بريء لم يتسلح بثقافة ومعرفة إلا عن طريق شبكته العنكبوتية (الإنترنت) وموقع (الفيس بوك) الذي فجر ثورة 25 يناير في مصر من قبل شبابه والتي ركبها جميع ألوان الطيف السياسي، جاء ليمهد الأرض ويخصبها للأعداء قبل الأشقاء سواء من داخل الوطن او خارجه.

       لقد تابعنا على مدى الأيام الماضية وثيقة تتناولها عدة مواقع إلكترونية تفيد بأنها موقعة من 25 عالما وداعية مصريا يعلنون فيها عن موافقتهم على تحول نظام الدولة إلى العلمانية والسماح بالاختلاط بين الجنسين بلا ضوابط، ووضع الموقعون على الوثيقة 22 بنداً من يقرأه يجد نفسه أمام دستور جديد للبلاد، ودستور مرعب ومخيف يبتعد كثيراً عن الأخلاق وعن الدين وعن عقيدة التوحيد.

       وأخطر ما ورد بهذه الوثيقة الدعوة إلى إمكانية أن يصبح رئيس الدولة المسلمة كمصر مسيحياً والاعتراف المطلق بولاية المرأة سواء في رئاسة الدولة أو المناصب القيادية المتعددة، وتنقية كتب الحديث والتفسير، وتنقية الفكر السلفي.... إلخ من بنود الوثيقة.

       وفي الحقيقة إن أخطر ما هالنا في هذه الوثيقة هو الأسماء الموقعة عليها، فهي لعلماء ودعاة مشهود بعلمهم وأمانتهم حتى لو اختلفنا مع أحدهم في مسألة أو مسألتين، فقد تصدر الموقعون الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية الأسبق والشيخ خالد الجندي الداعية الإسلامي المعروف والدكتورة آمنة نصير أستاذة الفلسفة بجامعة الأزهر والشيخ فوزي الزفزاف وكيل الأزهر سابقاً والدكتور محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر والشيخ صفوت حجازي وغيرهم. وما يؤكد ذلك أن محرفي الوثيقة لم يكتبوا الصفات الحقيقية لمن نسبوها لهم، فعلى سبيل المثال د/آمنة نصير أستاذة بجامعة الأزهر وليست القاهرة، والدكتور محمد الشحات الجندي هو أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وليس داعية إسلامي، بما يعني أنهم لا يعرفون حتى وظائف من أقحموهم في هذه الوثيقة.

الوثيقة المدسوسة

       وبعد أن تحرت «الفرقان» الأمر واتصلت ببعض هؤلاء العلماء تبين أن هذه الوثيقة مدسوسة عليهم وأنهم أقروا بعكس ما تناولته هذه الوثيقة مما يخالف شرع الله وكتابه وسنة نبيه [، وتأكدت «الفرقان» أن هذه الوثيقة محرفة تماماً وقد دسها العلمانيون مستغلين هذا الظرف العصيب الذي تمر به مصر والأمة بأسرها، علهم يجدون فرصة لتمرير أفكارهم وأحلامهم في نشر العلمانية فكراً وعملاً خاصة أن هناك تعديلات دستورية تشهدها مصر هذه الأيام.. وفي التحقيق التالي تفاصيل ما سجلته «الفرقان» حول هذا الأمر:

د. نصر واصل

      في البداية اتصلنا بالدكتور نصر فريد واصل، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر ومفتي الديار المصرية الأسبق لنتعرف منه على حقيقة الأمر فقال: إن ما تذكره بعيد كل البعد عن الحقيقة ولم يجتمع كل من جاء اسمهم في الوثيقة، والموضوع هو أن ما قلناه أن الشباب الذي ثار في مصر من أجل مطالب معينة مثل الحرية والعدالة الاجتماعية والفصل بين السلطات وغيرها هي مطالب مشروعة وله الحق في التعبير عن رأيه ومنها التعديلات الدستورية المطلوبة، ولكن حين تطرق البعض إلى المادة الثانية من الدستور المصري والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع أراد البعض أن يلغي هذه المادة وكان رأيي ورأي عدد ممن وردت أسماؤهم بالوثيقة التي تحدثت عنها أنه لا مساس بهذه المادة مطلقاً فهذه المادة هي التي تحقق الأمن المجتمعي وتحمي المجتمع من بث الفتن ووجودها وبقاؤها هو صمام الأمان للمجتمع المصري، ولم نقل غير ذلك، كما نفى د/نصر فكرة تولي غير المسلم لمنصب رئيس الجمهورية أو أن يصبح ولي الأمر لدولة مسلمة وكذلك ولاية المرأة فهو مما لم يقره الشرع، وأكد أن كل ما ورد بالوثيقة التي نشرتها بعض المواقع على الإنترنت محرف وعار من الصحة تماماً ولم يوقع عليها هو أو غيره، وهذا ما أكدته أيضاً د/آمنة نصير عندما اتصلنا بها.

      وفي السطور التالية قامت «الفرقان» باستطلاع آراء بعض العلماء حول هذه الوثيقة وخطورة انتشارها ومحاولة استغلال الظروف للترويج لها.

د. عبدالفتاح عاشور

       يرى فضيلة أ.د/ عبدالفتاح عاشور، أستاذ التفسير وعلومه بجامعة الأزهر أنه لا داعي للتحدث في هذا الأمر فمن شأنه لفت الانتباه إليه، ومن الحكمة أن نترك القذارة في مكانها ولا نحركه، ومن العقل ألا تنشر الصحف وتتبارى وسائل الإعلام في خلق سجال للرد والرد المضاد ؛ لأن هذا في حد ذاته سيخلق جواً لإشاعة الأفكار والترويج لها وربما يخدم أهداف أصحاب هذه الأفكار أنفسهم. كما استبعد عاشور أن توقع هذه الأسماء على مثل هذه الوثيقة، لا لتشددهم وإنما لعلمهم وأمانتهم التي يشهد لها الخصم قبل الصديق، فالدكتور نصر فريد واصل من رجال العلم والفقه المشهود لهم بالنزاهة والأمانة ولا يمكن أن تصدر عنه مثل هذه الأفكار أو يوقع على مثل هذه الافتراءات على الله وعلى دينه، ويختتم عاشور كلامه بأن من أصدر هذه الوثيقة المحرفة مجرم ومن مثيري الفتن بين الناس.

د. آمنة نصير

       اتصلنا بالدكتورة آمنة نصير، أستاذة الفلسفة بجامعة الأزهر والتي نفت تماماً أن يكون قد اتصل بها أحد للتوقيع على مثل هذه الوثيقة أو أنها وقعت على شيء من هذا القبيل، وأوضحت أنه في مثل هذا الأمر يتصل بها شخص لمعرفة رأيها في أمر معين ثم يحرفه بعد ذلك على لسانها، وتضرب مثلاً بأن لها عتابا على الأزهر بأن يقوم تطوير مناهجه بما يناسب العصر وثقافته في ظل التطور الهائل لوسائل الاتصالات والإنترنت وهذا لا غبار عليه، فأنا هنا أدعو لاستخدام التكنولوجيا بما يفيد ولا يضر أو أن نعلم الدعاة بشكل يوافق طبيعة العصر حتى يستطيعوا نشر الدعوة والرد على الشبهات المثارة وهذا أيضاً لا غبار عليه، ولكن من الممكن أن يحرفه المغرضون طبقاً لما يوافق أهواءهم كما جاء بالوثيقة التي تتحدث عنها، ويكون على خلاف ما صرحت به في الحقيقة.

د. سامي حجازي

      من جهته يقول أ.د/ سامي عفيفي حجازي، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر: صدق الكلمة دليل النجاح، فإذا شوهت الكلمة بين المعطي والمستقبل تشوشت المصداقية أمام الرأي العام وهذه قضية خطيرة؛ ولذلك فعلى من يتناول الخبر أن يمتلك الأدلة التي تبرهن على صدقه، فالكلمة بمثابة سلاح، إلا إذا غير الكاتب أو الباحث رأيه.

       و يقول د/سامي: نحن أصبحنا في زمن الفتن وقد استخدمت عديد من القنوات المغرضة أنواعا عدة من التضليل والتعتيم وهنا يقول علماء أدب البحث والمناظرة «إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعياً فالدليل».

        فالدكتور نصر فريد واصل معروف أنه أصدر فتوى رسمية بأن التدخين حرام وهذه فتوى موثقة عن الرجل، فلو ظهر اليوم من يدعي بأن الكتور نصر أصدر فتوى تحل التدخين فعليه أن يقدم الدليل على ذلك.. ومن هنا فهذه الوثيقة المحرفة ينبغي أن يخرج ثلاثة أو أربعة على الأقل ممن وردت أسماؤهم بها ليكذبوها.

د. عبدالله شاكر

       أما الدكتور عبدالله شاكر، الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية فيقول : من المعروف أن العلمانية دعوة مناهضة للدين كلية تناقض الدين الرباني، فهي ثورة على الدين وعلى النبوة وفي مجملها نقض لأصل الدين وبعض ملامحها: لا دينيون، وصلب دعوتها فصل الدين عن الدولة، وأفرزت هذه العلمانية جوانب سيئة في المجتمع المسلم منها نبذ عقيدة الولاء والبراء التي تدعو إلى النصرة والولاء لأهل الإيمان وترك ذلك مع الكافرين مع التأكيد على أن الإسلام لا يظلم أحدا من البشر ولا يعتدي عليه دون حاجة إلى ذلك، بل نحن مأمورون بالإحسان إلى عموم الخلق وتاريخ الإسلام والمسلمين يشهد بذلك.

        أما أن يتولى غير المسلم ولاية على المسلم في بلاد الإسلام فهذا لا يكون ؛ لأن المسلم في دار الإسلام يجب أن يقوم بالشرع وأن يقوده مسلم لكي تقوم الدولة نفسها بإظهار الدين وتعظيم شعائره والاحتكام إليه وهذا لا يكون من غير المسلم، يقول تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} (سورة النساء).

       أما عن دعوة الاختلاط وهي من إفرازات العلمانية الخطيرة فهي دعوة فاسدة أراد من ورائها أعداء الإسلام أن تخرج المرأة المسلمة في زي فاضح وشكل مخز عندما تكشف عن زينتها وفتنتها وتختلط بالرجال الأجانب.

       والمرأة في الإسلام لها مكانتها العالية ومنزلتها الرفيعة ومن هذه المكانة والمنزلة أن أسند إليها رعاية بيتها وتربية أولادها فهي مربية الأجيال وصانعة الأبطال وعندما تخرج إلى الشارع مختلطة بالرجال الأجانب تضيع هويتها وتمسخ فطرتها وتتنصل من رسالتها وهذا لا شك فيه ضرر كبير على المجتمع الذي تعلو فيه المرأة إلى درجة أن يقوم الرجل على خدمتها ورعايتها والإنفاق عليها والقيام بما تحتاج إليه.

       وأيضاً المرأة لا تصلح للولاية بطبيعة فطرتها وخبرتها؛ ولذلك النبي [ لما سمع أن امرأة تولت الملك في فارس قال [: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».. هذه الدعوات التي تنطلق بين الحين والآخر مستخدمة وسائل الإعلام العصرية تحتاج إلى رصد ومتابعة ثم قيام أهل العلم بالتصدي لها وبيان فسادها وبطلانها، وهذه مسؤولية العلماء سيادة للدين وحفاظاً على كرامة المسلمين التي يود أعداء الإسلام أن يقضوا عليها وعلى كل ملمح أصيل يمت إلى الإسلام بصلة.

د. إلهام شاهين

        أما أ.د/ إلهام محمد شاهين، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر فتقول : بداية أرى أنه لا يعقل أبداً أن مثل هذه الوثيقة يوقع عليها علماء أفاضل أمثال د.نصر فريد واصل أو الشيخ خالد الجندي، وأرى أن هذا مدسوس عليهم وأن المقصود من نشر هذه الوثيقة أو تحريفها إن صحت هو هدف خبيث جداً، وهو أن تكون أداة لنشر فتنة وبداية صراع فكري جديد وإثارة للرأي العام، وتوجيهه بعيداً عن الثورة أو زعزعة الثقة من هم موثوق بهم، فيدور صراع بينهم وبين أهل الدين من أمثالهم وأيضاً العلمانيين من جهة أخرى حتى يتحول الأمر إلى ساحة من العراك، وقبل أن نناقش بعض ما جاء من بنود في هذه الوثيقة يجب أن نتفق على أن لكل منا قناعاته النابعة من معتقداته وأصوله الشرعية والاعتقادية أو الفكرية، والذي يجب أن نتفق عليه أيضاً هو ألا يتحول الاختلاف فيما بيننا إلى خلاف.

الدين والدولة

      وأنا أناقش أهم بند جاء في هذه الوثيقة بالنسبة لي والذي يترتب عليه قبول أو رفض بعض البنود الأخرى وهو الفصل بين الدين والدولة، فهذا المبدأ هو أساس العلمانية وزرعها في البلاد الإسلامية وقد سبقتها إلى ذلك البلاد الغربية.

       وقبول العلمانية لدى المجتمع الإسلامي يعني إطراح الشريعة الإسلامية ورفض أحكام الله واتهام هذه الشريعة بأنها لا تصلح لهذا الزمن واتخاذ البشر شرائع لأنفسهم من وضع عقولهم ورفعها على علم الله، والله تعالى يقول : {قل أأنتم أعلم أم الله} والسكوت على هذا الأمر منكر كبير ومخالفة بينة لأمر الله سبحانه وتعالى بإعمال شريعته، وقد أعلن القرآن صراحة في أكثر من موضع التمسك بحكم الله وذلك بقوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} وقال تعالى: {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} وقال تعالى {والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب} حكم على من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والفسق والظلم فقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} وقال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.. فالله تعالى نزّل إلينا القرآن الكريم وفصل لنا القول فيه، وأوضحت السنة النبوية المطهرة ما خفي علينا وغمض، ثم أمرنا أن نتمسك بهما وأن يكون الحكم لله ولرسوله، وما لم يرد فيه حكم سواء في الكتاب والسنة أو فعل الصحابة فعلينا أن نجتهد فيه ونعمل فيه عقولنا ونتخذ له قوانين من صنع البشر أيا كانوا من أي دين أو فكر أو توجه ما دام لا يصطدم أو يخالف الشريعة الإسلامية، والذين يريدون أن يفصلوا بين الدين والدولة هم المنكرون في الحقيقة للأساس الذي قامت عليه الدولة الإسلامية، فالرسول كان يقود الجيوش وينظمها وهذا عمل عسكري من شؤون الدولة، وكذلك كان ينظم بيت المال ويضع الأسس لجمع المال وتوزيعه وهذا من الأسس الاقتصادية للدولة، وكذلك يتفقد المسلمين وما يصادفهم من مشكلات وهذا من الأسس الاجتماعية في الدولة، ويضع القواعد الأخلاقية التي تضمن سلامة المجتمع.. فأي أساس من أسس المجتمع وأي أساس من مؤسسات المجتمع المدني لم يضعه الرسول [؟! ولم تبن عليه الدولة الإسلامية حتى يقولوا إنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؟!

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك