رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر المحلي 15 نوفمبر، 2015 0 تعليق

وقفات مع خطاب صاحب السمو أمير البلاد- رسالة من أب محبٍ لجمع الكلمة وغرس المحبة وزرع الألفة ونشر المودة والرحمة

دعا الخطاب الأبوي الحاني لتكاتف الأيدي، وأن يقوم الجميع بواجبه لـمراجعة مواطن التقصير وبذل الإصلاح وإيقاف مسلسل الهدر والترف والسرف، وتعزيز ثقافة الاستهلاك والاقتصاد

 أعظم النعم التي امتن الله بها على هذا البلد نعمة الأمن والأمان، فالأمن نعمة كبرى، ومنّة من الله عظمى

جاء في الخطاب الأبوي أهمية التأمل في الحال والواقع لمعرفة حجم التحديات وتأمين المتطلبات لمواجهتها وتجاوزها بإذن الله -عز وجل-.

 الوطن أغلى ما يملك المرء بعد دينه، وما من إنسان إلا ويعتز بوطنه؛ لأنه مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته, وملجأ كهولته, ومنبع ذكرياته, وموطن آبائه وأجداده, ومأوى أبنائه وأحفاده، ومن أجله يضحي بكل غال ونفيس؛ لذلك كان من الحقوق والواجبات الاجتماعية في الإسلام التي غرسها في فطرة الإنسان حقوق الوطن والأرض التي يعيش فيها، ويأكل من خيرها، ويعبد الله تحت سماها، وأول هذه الحقوق الحب الصادق لهذا الوطن ولقيادته.

وقد جاء خطاب سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح خطابه الذي تلاه في افتتاح الفصل التشريعي الأخير في مجلس الأمة، رسالة قوية من أب محبٍ إلى أبنائه لجمع الكلمة وغرس المحبة، وزرع الألفة ونشر المودة والرحمة.

وما بكم من نعمة فمن الله

     فقد ابتدأ سموه -حفظه الله وسدده- بقوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} وهي إشارة لمعرفة نعمة الله -عز وجل- علينا التي لا تعد ولا تحصى، ولا شك أن من أعظم النعم التي امتن الله بها على هذا البلد نعمة الأمن والأمان، فالأمن نعمة كبرى، ومنّة من الله عظمى، إذا اختلّت أو فقدت فسدت الحياة، وشقيت الأمم، وساءت الأحوال، وتغيرت النِّعَم بأضدادها، فصار الخوف بدل الأمن، والجوع بدل رغد العيش، والفوضى بدل اجتماع الكلمة، والظلم والعدوان بدل العدل والرحمة ،عافانا الله بمنه وكرمه.

     ولقد امتنّ الله على الخلق بنعمة الأمن، وذكّرهم بهذه المنّة، ليشكروه عليها، وليعبدوه في ظلالها، قال الله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ { 3 } الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 3-4)، وعن عبيد الله بن محسن الأنصاري -=رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها»(رواه الترمذي، وقال: حديث حسن).

أيها المسلمون: لقد حث الخطاب السامي على أهمية التناصر والتعاون والبعد عن أسباب العداوة والبغضاء وما يحمل على الكراهية والشحناء، وما يثير الأحقاد وضغائن القلوب والتحذير الشديد من إثارة الطائفية البغيضة لتبقى بلادنا في أمن وأمان.

أصل أصيل من أصول الدين

     ولا شك أن هذه النصيحة هي أصل أصيل من أصول هذا الدين العظيم، ولقد عني النبي صلى الله عليه وسلم  في بناء المجتمع المسلم من داخله بهذا الأصل عناية عظيمة ليكون بناءً محكمًا قويًا قائم على الألفة والمحبة ووحدة الكلمة واجتماع القلوب، وكان من أوليات عمله صلى الله عليه وسلم حين وطئت قدمه المدينة: المؤاخاة بين أصحابه -رضي الله عنهم- تلك المؤاخاة التي لم يشهد التاريخ لها نظيرًا حين نقلت أصحابه -رضي الله عنهم- من التباغض في الجاهلية إلى التحابب في الإسلام، وجعلت غرباء الدار إخوة للأنصار، يقاسمونهم دورهم وأموالهم وضياعهم، وكان من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه -رضي الله عنهم- أنه يقضي على أي بادرة اختلاف بينهم في مهدها، ويطفئ فتيلها قبل اشتعالها، ولا يتهاون في ذلك أبدًا، بل نجده صلى الله عليه وسلم  وهو الرفيق الرحيم يغلظ المقال في هذا المقام أكثر من غيره؛ لعلمه صلى الله عليه وسلم  أن نار الخلاف والفرقة والفتنة إذا توقدت فمن العسير إطفاؤها، عير رجل رجلا بأمه فقال صلى الله عليه وسلم : «أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية» (رواه الشيخان)، وفي إحدى مغازيه تثاور المهاجرون والأنصار فقال الأنصاري: «يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال دعوى جاهلية، وقال: دعوها فإنها منتنة» (رواه الشيخان).

تحذير الأب لأبنائه

     لقد حذر الأب أبناءه مما تعيشه الدول المجاورة من حروب ثائرة وشرور متطايرة وفتن تدمي لها القلوب، وتتفطر لها الأكباد، وتقشعر لها الأبدان، تلك الحروب تجعلنا دومًا في يقظة واعتبار واتعاظ من سرطان الإرهاب في التفجير والتخزين للأسلحة وإثارة الفتن وإذكائها، والمحاولات اليائسة لزعزعة الأمن والإخلال به، واستهداف الدماء المعصومة، وهي جرائم لا يرضاها دين، ولا يقرها عقل، وتأباها الأعراف والفطر السلمية، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعًا «من حمل السلاح علينا فليس منا».

إيقاف مسلسل الهدر

     لقد دعا الخطاب الأبوي الحاني لتكاتف الأيدي، وأن يقوم الجميع بواجبه لـمراجعة مواطن التقصير وبذل الإصلاح وإيقاف مسلسل الهدر والترف والسرف، وتعزيز ثقافة الاستهلاك والاقتصاد، وهذه الدعوة صادرة عن استشعار بعظم المسؤولية والحنكة ورؤية ثاقبة بخطورة الأوضاع الحالية، وهي سمة أساسية من سمات القيادة الواعية، ففي الحديث: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (أخرجه البخاري).

أيها الأحبة: لقد أبرز الخطاب الأبوي لأبنائه أهمية الاستمرار في التعاون بين دول مجلس الخليج العربية لوجود تهديد حقيقي يستهدف دول المجلس؛ وعليها تداعت الدول لدفعه والتعاون لدحره، قال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }(المائدة: 2)، وقال سبحانه: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الأنفال: 46)، فأي تهديد لأية دولة خليجية هو تهديد لأمننا؛ لأن المصير واحد؛ فيجب إقالة العثرات واليقظة ضد تلك المخاطر المتربصة بدولنا.

نسأل الله -عز وجل- أن يؤلف على الخير دولنا، ويصلح ذات بيننا.

تلمس مواضع الإصلاح

     فعلينا جميعًا أن نتلمس معالم الإصلاح ومنهجيته ومقوماته وأسسه ووسائله قال تعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَماتَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}(هود: 88)، وإن صدق الانتماء إلى البلاد يتطلب منا جميعًا حماية أمنها وصون وحدتها والذود عنها {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىعَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}(البقرة: 126).

معرفة حجم التحديات

     لقد جاء في الخطاب الأبوي أهمية التأمل في الحال والواقع لمعرفة حجم التحديات وتأمين المتطلبات لمواجهتها وتجاوزها بإذن الله -عز وجل- ومحاسبة النفس على التقصير والتفريط في جنب الله، وإصلاح مواطن الخلل في النفس والمجتمع؛ فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة صادقة إلى الله -عزوجل- قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(البقرة: 155)، ولا شك أن الثبات على الإسلام وعقيدته في صف واحد مجتمعين في كلمة واحدة خلف قيادة واحدة يعزز من قوتنا وصلابة موقفنا، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَتَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ، وَأَنْ تَنَاصَحُوا لِمَنْ وَلاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ : قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ»(رواه مسلم).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك