هرمز قراءة شرعية في إغلاقه وتداعياته الاقتصادية
- لايجوز شـرعًا تحويـل المضائق البحـريـة الـدوليـة إلـى أدوات ابتزاز أو إضرار جماعي بالناس
- نظمت اتفاقية الأمم المتحدة قانون البحار والمرور في المضائق الدولية ومنحت السفن حق المرور العابر الذي لا يجوز تعطيله نظرًا لأهمية هذه المضائق في التجارة العالمية وهو ما يجعل أي إغلاق لها مسألة ذات أبعاد قانونية دولية حساسة
- تمثل منطقة الخليج العربي محورًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي بسبب دورها في إنتاج الطاقة
- تسعى الشريعة الإسلامية إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول وذلك في إطار مقاصدها الكلية التي ترمي إلى حفظ المال وصيانة النفس
- يُفضي تعطّل مضيق هرمز إلى اضطراب مباشر وواسع في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية
- تأثرت الدول العربية كافة بارتفاع تكاليف المعيشة مع تباين في حدة هذا التأثير من دولة إلى أخرى
- يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية لما يشهده من عبور نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية
- تُعدّ الدول غير النفطية الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمة في حين تأثرت الدول النفطية عبر قنوات غير مباشرة ولا سيما من خلال التجارة وسلاسل الإمداد
- النجدي: إغلاق مضيق هرمز تعطيل لطريق عام حيوي وقد يرقى إلى الحرابة المعاصرة حيث أفضى إلى الإضرار بالناس وتعطيل التجارة وتهديد الأمن الغذائي
- المسباح: لا يجوز تحويل المضائق البحرية الدولية التي تعبرها احتياجات الأمم والشعوب إلى أدوات ابتزاز أو إضرار جماعي بالناس فالشريعة جاءت بحفظ المصالح العامة ودرء المفاسد
- تُعدّ الحرب على إيران نموذجًا واضحًا يبرز أثر النزاعات الجيوسياسية في بنية الاقتصاد العالمي واستقراره
- الموصلي: إغلاق المضائق البحرية ومنع الانتفاع بها اعتداء على المصالح العامة وخروج عن الوسائل المشروعة في الحرب
- السعيدي: يمرّ جزء كبير من غذاء المسلمين ودوائهم عبر هذا المضيق وتعطيله يفضي إلى صعوبة بالغة في تأمينهما بما يعد ضررًا عاما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس
- تمثل إدارة الأزمات الاقتصادية مسؤوليةً مشتركةً ذات بُعدين شرعي وسياسي ترمي إلى تحقيق استقرار المجتمعات وصون توازنها الاقتصادي مع تباين في حدة هذا التأثير من دولة إلى أخرى
- أبرزت الأزمة هشاشة البنية الاقتصادية العالمية وكشفت عن مدى اعتمادها الكبير على مصادر الطاقة
- تؤكد الشريعة الإسلامية ضرورة دفع الضرر العام وتحقيق العدالة الاقتصادية بوصفهما من مقاصدها الأساسية في تنظيم الحياة الاقتصادية
- أثّرت الأزمة الراهنة بعمق في اقتصادات دول العالم على اختلاف مستوياتها؛ إذ أصبحت أكثر عرضة لاضطرابات حادة؛ نتيجة تفاوت اعتمادها على واردات الطاقة، وتشابكها الوثيق مع سلاسل الإمداد العالمية
- النظر الفقهي في مسألة إغلاق مضيق هرمز لا ينفصل عن القواعد الكلية التي تقرر حرمة المال ووجوب حفظه وتحريم الإضرار به
مع تصاعد حدّة الأزمة الراهنة في منطقة الخليج العربي، واتساع نطاق تداعياتها، برزت آثار اقتصادية متسارعة تمثّلت في اضطراب أسواق الطاقة، واختلال سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم، وتعاظم احتمالات الركود الاقتصادي على المستوى المحلي والعربي والعالمي، وقد تفاقمت هذه الآثار على نحوٍ ملحوظ عقب إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعدّ أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة الدولية؛ إذ أسهم تعطّله في تعميق الأزمات الاقتصادية والمعيشية، سواء في الدول العربية أو على الصعيد العالمي، وفي هذا السياق، تبرز أهمية المعالجة الشرعية لهذه النازلة، وذلك ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية بتحديد النظرة الشرعية لمفهوم المال، ودرء الضرر العام المترتب على الممارسات الخطأ في المال ، وصيانة مصالح العباد، كذلك تتصل هذه القضية بجملة من المفاهيم الفقهية المعاصرة، وفي مقدمتها: (حكم تعطيل الطرق والممرات الحيوية)، ومدى اندراجه ضمن مفهوم (الحِرابة)، بالنظر إلى ما يترتب عليه من إضرار بالمصلحة العامة وتعطيل لمصالح الناس.
1- الإضرار بالمال في الفقه الإسلامي
- يُنظر إلى المال في الإسلام على أنه أمانة ووسيلة لتحقيق مقاصد الحياة، وليس غاية في ذاته، وهو في حقيقته «مال الله» والإنسان مستخلف فيه، وقد وضع الإسلام ضوابط دقيقة لكسبه وإنفاقه، وحرّم الإضرار به أو إتلافه، وتتجلى أهمية هذه القواعد عند النظر في النوازل المعاصرة، كإغلاق مضيق هرمز؛ لما يترتب عليه من أضرار واسعة في الأموال والمعاش.

تعريف المال في الإسلام ومكانته
- التعريف اللغوي للمال هو: كل ما يميل إليه الطبع قال -تعالى-: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (الفجر:20)، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، وله قيمة مالية، ويضمن من يقوم بإتلافه؛ أما مكانته عند الناس: فالمال ضرورة من ضرورات الحياة قال -تعالى-: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الكهف:٤٦)، وهو وسيلة للتبادل وتحقيق المصالح، لا غاية مستقلة. ونظرة الشرع للمال تتمثل في أن المال الحلال مبارك، والمال الحرام ممحوق، قال -تعالى-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}، ومن هنا فإن َّتعطيل الممرات التجارية -كمضيق هرمز- يُخِلّ بوظيفة المال في التداول وتحقيق المصالح، ويؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار.
أقسام الإضرار بالمال ينقسم الإضرار بالمال إلى نوعين رئيسيين:
- النوع الأول: الإضرار بالمال الخاص (أموال الأفراد)، ويشمل أنواع الاعتداء على أموال الآخرين دون حق، ومنها: أكل المال بالباطل: كالسرقة، والرشوة، والغصب. وكذلك المعاملات المحرمة: كالربا، والغش، والغرر؛ قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} (٢٩ النساء). وأيضا الإتلاف المباشر: تدمير ممتلكات الآخرين. وأيضا الإسراف والتبذير: إنفاق المال في غير وجهه المشروع.
- النوع الثاني: الإضرار بالمال العام (أموال الدولة والمجتمع)، وهو أشدّ خطرًا؛ لتعلقه بحقوق عامة، ومن أنواعه:
إزالة الضرر الواقع على المال:
- قرر الفقهاء أن الضرر في المال يجب رفعه ومعالجته، وذلك عبر: التعويض المالي بإلزام المتسبب بضمان ما أتلفه (بالمثل أو القيمة)، وتحريم الكسب غير المشروع: كالمتاجرة بالمحرمات أو استغلال الأزمات. ما ينشأ عن إغلاق المضائق من أضرار واسعة يستدعي -وفق هذه القاعدة- السعي إلى منعه أو تقليله، واتخاذ التدابير التي تحفظ مصالح الناس وأموالهم، ولاشك أن الإسلام يضبط حركة المال لحفظ مصالح الأفراد والمجتمعات، ولا يقرّ بأي نوع من أنواع الإضرار به، سواء كان هذا الإضرار خاصا أو عاما، ومن ثمّ، فإن تعطيل الممرات الحيوية كإغلاق مضيق هرمز يُعدّ من النوازل التي تندرج ضمن أنواع الإضرار العام والواسع بالمال والمعاش.
2- إغلاق مضيق هرمز في ميزان الشريعة
- تمثّل النوازل المعاصرة ذات الأبعاد الاقتصادية والسياسية مجالًا رحبًا لاجتهاد أهل العلم، لاستنباط الأحكام الشرعيَّة التي تنـزَّل على الوقائع المستجدّة في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها الكلية، ومن أبرز هذه النوازل ما يتصل بتعطيل الممرات المائية الحيوية، كإغلاق مضيق هرمز؛ لما يترتب عليه من آثار واسعة تمسّ حركة التجارة العالمية، وتؤثر في معايش الناس واستقرار الدول.
- وفي هذا السياق، يتجه نظر الفقهاء إلى تأصيل الحكم الشرعي لهذه المسألة، من خلال ردّها إلى القواعد العامة للشريعة، كقاعدة منع الضرر، واعتبار المصلحة العامة، وتحريم الإفساد في الأرض، وضوابط التصرف في الأموال والحقوق المشتركة بين الدول والشعوب، كما يستحضرون ما قرّره أهل العلم في أبواب قريبة الصلة، كأحكام الحرابة، وقطع الطريق، والتعدي على المنافع العامة، وضوابط تصرفات وليّ الأمر في أوقات الأزمات.

- من هنا فإنَّ إغلاق مضيق هرمز يؤدي إلى الإضرار بمال المسلمين ومصالحهم التي تُقضى من خلاله؛ حيث يتسبب هذا الإضرار بارتفاع تكاليف السلع وتأخر وصولها، وهو ما ينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للأفراد ومعايشهم، فيُلحق بهم ضررًا مباشرًا، ويُعدّ في حقيقته من أنواع الإضرار غير المباشر بالمال الخاص؛ لما يترتب عليه من أعباء اقتصادية متزايدة تثقل كاهلهم. من هنا فإن تعطيل مضيق هرمز - بوصفه مرفقًا عالميا للتجارة- يُعدّ من أنواع الإضرار بالمال العام الدولي؛ لما يترتب عليه من خسائر اقتصادية جسيمة تمسّ الدول والشعوب.
- ومن هنا، تأتي أهمية عرض أقوال أهل العلم في هذه النازلة، وبيان تأصيلهم لها في ضوء القواعد الشرعية، بما يكشف عن منهج الفقه الإسلامي في التعامل مع القضايا الكبرى التي تتداخل فيها المصالح والمفاسد، وتترتب عليها آثار تتجاوز حدود الأفراد إلى المجتمعات والدول.
المسباح: عدم جواز تحويل المضائق إلى أدوات ابتزاز

- بين الشيخ ناظم المسباح (رئيس اللجنة الشرعية بجمعية إحياء التراث الإسلامي): أنَّ المضائق البحرية الدولية التي تعبرها احتياجات الأمم والشعوب لا يجوز شرعاً تحويلها إلى أدوات ابتزاز أو إضرار جماعي بالناس؛ فالشريعة جاءت بحفظ المصالح العامة ودرء المفاسد، وقد قرر الفقهاء قاعدة عظيمة هي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة تُحرِّم كل فعل يترتب عليه إيقاع الضرر العام بالناس بلا حق، كما قال -تعالى-: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وإغلاق مضيق دولي مثل مضيق هرمز الذي تمر منه احتياجات الشعوب من الطاقة والغذاء والتجارة يوقع ضرراً واسعاً على دول وشعوب لا علاقة لها بأي نزاع، وهو ما يجعله من الاعتداء المرفوض شرعاً؛ لما فيه من إضرار بالمصالح العامة وتعريض الأمن الاقتصادي العالمي للخطر.

- كما إن الفقه الإسلامي قرر أن المنافع العامة التي ينتفع بها الناس جميعاً لا يجوز احتكارها أو منعها عنهم بغير حق، وقد جاء في الحديث: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»، وهو أصل فقهي يدل على اشتراك الناس في الموارد والمنافع العامة التي تقوم عليها حياتهم. والمضائق البحرية التي تعد شرايين التجارة العالمية تدخل في معنى المصالح المشتركة التي لا يجوز تعطيلها لأغراض سياسية أو عسكرية، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الأمن والاستقرار وإلحاق الأذى بالشعوب. ومن ثم فإن استخدام مثل هذه الوسائل لإيذاء الدول أو الضغط عليها يعد عملاً مخالفاً لمقاصد الشريعة التي تقوم على حفظ النفوس والأموال وتحقيق العدل بين الناس.
النجدي: قطع الطريق وحدّ الحِرَابة

- في هذا السياق، قال الشيخ: محمد الحمود النجدي: إن الطريق حقٌّ لجميع المارّة، وليس لأحد أن يستولي عليه أو يمنع الناس من الانتفاع به بعد أن جرى استعماله زمنًا طويلاً، بل يجب إقامته وتيسيره عند الحاجة إليه، وقد ورد الوعيد الشديد في أذية المسلمين عمومًا، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (الأحزاب: 58)، وقد وردت آثار كثيرة من السُنَّة النبويَّة عموما تنهى عن كل ما يضر المارّة، كالحجارة والشوك والنجاسات والزجاج ونحوها، وإماطته تعني إزالته ورفع الضرر عن الناس، كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله: «الإيمانُ بضعٌ وسِتُّونَ شُعبةً، والحَياءُ شُعبةٌ مِنَ الإيمانِ»، وهناك الكثير من النصوص التي تدل على عظيم أجر من يرفع الضرر عن الناس، وفي المقابل يدل على خطورة إيقاع الأذى في الطرق.
- ولا شك أنَّ أعظم من مجرد الأذى جريمة قطع الطريق (الحرابة)، وهم الذين يعترضون الناس بالسلاح - ولو كان يسيرًا - في الصحراء أو البنيان أو البحر، فيغصبونهم أموالهم جهارًا، وقد نص الفقهاء على ذلك، كما في كتب الفقه الحنبلي، وقد قال الله -تعالى- في بيان عقوبتهم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} (المائدة)، وهذه الآية نزلت في أحكام الحرابة، وتشمل كل من يروّع الآمنين، ويعتدي على الأنفس والأموال، ويشيع الفوضى في المجتمع.

عقوبة المحاربين
- وقد ورد في السُنَّة النبويَّة ما يؤكد شدة عقوبة المحاربين، كما في قصة العُرنيين الذين قتلوا الراعي وسرقوا الإبل، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنزال العقوبة بهم، جزاءً لما اقترفوه من قتل وسلب ومحاربة، وبيّن العلماء، كالإمام ابن كثير -رحمه الله-، أن هذه النصوص تؤكد خطورة جريمة الحرابة، وأنها من أعظم الجرائم التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، وتُعد الحِرابة حربًا على الله ورسوله وعلى المجتمع، قال -تعالى-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}، وقد بيّن الإمام القرطبي أن التعبير بمحاربة الله يدل على عِظم الجريمة؛ لما فيها من إيذاء للناس وإفساد في الأرض.
حكم قتال قطاع الطريق
- اتفق العلماء على جواز قتال قطاع الطريق إذا اعتدوا على الناس، ولو أدى ذلك إلى قتلهم، وكذلك من أعانهم أو آواهم. ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قُتل دون ماله فهو شهيد»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إن المسلمين أجمعوا على جواز مقاتلة قطاع الطريق، وأن من دافع عن نفسه وماله فقتل فهو شهيد، ومن قتل المعتدي في هذه الحال فلا ضمان عليه».

من الحرابة المعاصرة
- بناءً على ما سبق، فإن إغلاق مضيق هرمز - بوصفه طريقًا عالميًا حيويًا تمر عبره مصالح الناس والتجارة الدولية - يدخل في معنى تعطيل الطرق العامة، بل في صورة أوسع قد تقترب من الحِرابة المعاصرة إذا ترتب عليه: الإضرار بالناس، وتعطيل التجارة، وتهديد الأمن الغذائي والدوائي وعليه، فإن الشريعة الإسلامية تقضي بوجوب: إبقاء الطرق مفتوحة، ومنع الإضرار بالمصالح العامة، وحماية الأمن الاقتصادي والإنساني، وذلك تحقيقًا لمقاصد الشريعة في: حفظ النفس، وحفظ المال، وتحقيق الأمن والاستقرار.
د. السعيدي: اعتبارات شرعية مهمَّة

- أولًا: لا يجوز منع التجارة بين المسلمين وغير المسلمين؛ لما فيها من المنافع المباحة، ولما يترتب على تعطيلها من أضرار تعود بالدرجة الأولى على المسلمين؛ إذ إن الشريعة تُقرّ المعاملات النافعة وتنهى عن كل ما يؤدي إلى الإضرار بالمصالح العامة.
- ثانيًا: إنَّ غذاء المسلمين ودواءهم يمرّ في جزء كبير منه عبر هذا المضيق، وتعطيل هذا الممرّ الحيوي يجعل الحصول على كثير من الأغذية والأدوية أمرًا بالغ الصعوبة، بل قد يصل إلى حد التعذر، ولا شك أن في ذلك ضررًا عظيمًا على الإنسان عمومًا، وعلى المسلمين خصوصًا، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس.
- ثالثًا: إن الطرق العامة يجب أن تكون ميسّرة ومفتوحة، وقد ورد في ذلك توجيه نبوي كريم؛ حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والجلوس في الطرقات!»، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بدٌّ من مجالسنا نتحدث فيها، فقال: فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال - صلى الله عليه وسلم -:غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر»، فإذا كان هذا الحكم في الطرق العادية التي يسلكها الناس في شؤونهم اليومية، فمن باب أولى أن يُراعى في طرق التجارة العالمية والممرات الحيوية، التي تتعلق بها مصالح الأمم، وهي أولى بالحفظ والرعاية وعدم التعطيل.
د.الموصلي: ثلاث قواعد شرعية كبرى

- القاعدة الأولى: الأشياء خلقت لمنفعة الإنسان
- القاعدة الثانية: المصالح والمنافع المشتركة
- القاعدة الثالثة: تحريم كل ما يضر بالآخر

حكم تعمد الإضرار بالممرات البحرية
وبناءً على هذا التأصيل الشرعي، فإن تعمد الإضرار بالممرات البحرية، أو إغلاق المضائق، أو منع الناس من الانتفاع بها، يُعدّ اعتداءً ظاهرًا واستئثارًا غير مشروع، وتجاوزًا على المصالح العامة والخاصة، بل لا يُعد ذلك وسيلة مشروعة من وسائل الحرب أو من قبيل الخداع العسكري، وإنما يدخل في باب الإضرار بمصالح الخلق.- وعليه، فإن ما يقع من إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه، أو التهديد بذلك، لا يجوز شرعًا؛ لما فيه من تعدٍّ على حق مشترك بين الناس، وما يترتب عليه من ضرر عام يمس مختلف المجتمعات، ويؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار؛ إذ أصبحت هذه المضائق في واقعنا المعاصر من أهم الطرق المعتمدة في التجارة والنقل بين دول العالم، وتعطيلها يفضي إلى تعريض مصالح الناس للاضطراب، بل قد يؤدي إلى الكوارث والمجاعات، نتيجة اختلال سلاسل الإمداد، ومن هنا، جاءت الشريعة بأحكامها وقواعدها المحكمة لتحريم مثل هذه الأفعال؛ لما تنطوي عليه من إضرار بالناس، وما تعكسه من دوافع غير مشروعة، كالحقد والرغبة في الانتقام، وهي أخلاق رفضتها الشريعة، وأنكرها العقلاء في كل زمان ومكان.

3- التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز
- أثّرت الأزمة الراهنة بعمق في اقتصادات دول العالم على اختلاف مستوياتها؛ إذ أصبحت أكثر عرضة لاضطرابات حادة؛ نتيجة تفاوت اعتمادها على واردات الطاقة، وتشابكها الوثيق مع سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما عزّز من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في حال من عدم الاستقرار، تتجلى في ارتفاع معدلات التضخم بالتوازي مع تباطؤ النمو الاقتصادي، فيما يُعرف بالركود التضخمي.
- وقد تجسدت هذه التداعيات بوضوح في ارتفاع أسعار الطاقة، وما ترتب عليه من تحديات مالية متزايدة واجهت الحكومات، تمثلت في اتساع عجز الموازنات العامة، وزيادة الإنفاق لدعم الأسر، إلى جانب تبنّي حزم من الإجراءات الاقتصادية، كالتخفيضات الضريبية ودعم القطاعات الحيوية، للتخفيف من الأعباء المعيشية.
- وتزداد ملامح هذه الأزمة وضوحًا عند النظر إلى التطورات الميدانية؛ حيث أدى توقف حركة الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز -بوصفه شريانًا حيويا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية- إلى ارتفاع تكاليف الشحن البحري وأقساط التأمين، وتأخر وصول السلع والمواد الخام إلى الأسواق، الأمر الذي انعكس مباشرة على سلاسل الإمداد الدولية، فأصاب قطاعات حيوية، في مقدمتها الصناعات الغذائية والدوائية وقطاع البناء؛ نتيجة صعوبة تأمين المواد الأولية وارتفاع تكلفتها، كما امتد أثره إلى تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية بفعل تصاعد مستويات المخاطر وتنامي حال عدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية.
- ويُفسَّر هذا المشهد في التحليل الاقتصادي ضمن إطار (صدمة العرض)؛ حيث ينخفض الإنتاج بالتزامن مع ارتفاع الأسعار؛ ما يُفضي إلى اختلالات هيكلية في الأسواق.
- وقد أكد صندوق النقد الدولي أن معدلات التضخم مرشحة للارتفاع في مختلف دول العالم، في مقابل تراجع معدلات النمو الاقتصادي، موضحًا أن حدة هذه التأثيرات ستظل رهينة بمدة الصراع ومدى قوته التدميرية واتساع نطاقه.
4- التأثيرات على الدول العربية
- تشير التقديرات الأولية حتى أواخر مارس وأبريل 2026 إلى خسائر اقتصادية هائلة للدول العربية؛ نتيجة الحرب الحالية؛ حيث يُقدّر أن الشرق الأوسط خسر نحو: (186 مليار دولار) خلال شهر واحد فقط من الصراع، وفقًا لتقديرات مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبدالله الدردري.

أبرز الخسائر الاقتصادية:
- الناتج المحلي الإجمالي: يتوقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تنكمش اقتصادات الدول العربية بنسبة تتراوح بين 3.7% و 6%، مع احتمالية وصول الخسائر الإجمالية إلى 200 مليار دولار.
- خسائر قطاع الطاقة: تسببت الحرب في تعطيل حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز؛ ما أدى إلى خسائر نفطية بـ 50 مليار دولار وسحب 500 مليون برميل من السوق.
- ارتفاع الأسعار: شهدت أسعار نفط خام برنت ارتفاعاً من حوالي 70 دولاراً إلى أكثر من 80 دولاراً للبرميل خلال أيام.
- الطيران والسياحة: إغلاق المجال الجوي في دول الخليج (الإمارات، قطر، الكويت) أدى إلى إيقاف آلاف الرحلات الجوية؛ ما تسبب في خسائر كبيرة في إيرادات الطيران والسياحة.
- سوق العمل: تشير التقديرات إلى فقدان نحو 3.6 مليون وظيفة في المنطقة؛ ما يرفع معدلات البطالة.
- الأسواق المالية: انخفضت أسواق الأسهم الخليجية والعربية؛ نتيجة عدم اليقين والمخاطر الأمنية.
آثار اقتصادية ومعيشية واسعة
- يتبيّن مما سبق أن تداعيات الأزمة الحالية لا تقف عند حدودها المباشرة، بل تمتد لتُخلّف آثارًا اقتصادية ومعيشية واسعة النطاق، تشمل الدول العربية والاقتصاد العالمي على حدّ سواء، ومع استمرار حال عدم اليقين، تظل قدرة الدول العربية على احتواء هذه التداعيات مرهونة بمدى استقرار الأوضاع الإقليمية، وبكفاءة السياسات الاقتصادية المتبعة في التخفيف من حدة آثار الأزمة.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار
- تُعدّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أُقرت عام 1982 ودخلت حيّز التنفيذ عام 1994، الإطار القانوني الدولي الشامل الذي ينظّم استخدامات البحار والمحيطات وحقوق الدول والتزاماتها فيها، وقد استهدفت تحقيق توازن بين سيادة الدول الساحلية وحرية الملاحة والمصالح المشتركة للمجتمع الدولي، وتقوم الاتفاقية على تقسيم البحار إلى مناطق قانونية محددة، لكل منها نظامها الخاص، ومن أبرز ما جاء في هذه الاتفاقية فيما يتعلق بتنظيم المرور في المضائق الدولية، أنها منحت السفن حق «المرور العابر» الذي لا يجوز تعطيله، نظرًا لأهمية هذه المضائق في التجارة العالمية، وهو ما يجعل أي إغلاق لها مسألة ذات أبعاد قانونية دولية حساسة، وخلاصة ذلك أن الاتفاقية أرست نظامًا قانونيا عالميا يوازن بين سيادة الدول الساحلية ومتطلبات النظام الدولي، مع التأكيد على حرية الملاحة وحماية المصالح المشتركة في البحار.
نموذج للنزاعات الجيوسياسية
- تمثّل الأزمة الحالية نموذجًا جليًّا لتأثير النزاعات الجيوسياسية -ويقصد بها الجغرافيا السياسية- في الاقتصاد العالمي؛ إذ أفضت إلى اضطراب أسواق الطاقة، وتعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتبرز الدول العربية بوصفها من أكثر المناطق تأثرًا بهذه التداعيات، نظرًا لموقعها الجغرافي واعتمادها الاقتصادي، وفي ضوء المرجعية الشرعية، فإن معالجة هذه الأزمات تقتضي الالتزام بمبادئ العدالة، ومنع الظلم، وتحقيق المصلحة العامة، بما يضمن تقليل الأضرار وصون المجتمعات من الانهيارات الاقتصادية.
مبادئ كلية تنظّم الحياة
- لقد قرّرت الشريعة الإسلامية جملةً من المبادئ الكلية التي تنظّم الحياة، وتُحقّق التوازن المجتمعي -ولا سيما في أوقات الأزمات والشدائد-؛ حيث قامت على أساس تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ومنع الظلم والفساد، ومن أبرز هذه المبادئ تحريم الإضرار بالمصالح العامة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار»، ووجوب إقامة العدل، كما قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}، بما يكفل عدم تحميل الفئات الضعيفة تبعات الأزمات، كما أكدت الشريعة ضرورة تدخل الدولة لضبط الأسواق، وحماية الفئات الهشة، ومنع الاحتكار واستغلال الظروف الاستثنائية، وعلى هذا الأساس تُعدّ إدارة الأزمات الاقتصادية مسؤولية شرعية تُناط بتحقيق الاستقرار وصيانة المجتمع، في إطار مقاصد الشريعة في حفظ المال والنفس، وخلاصة ذلك أن الشريعة تؤسس لنظام اقتصادي متكامل يقوم على العدل ومنع الضرر ورعاية المصلحة العامة، ما يجعلها مرجعية أصيلة وفاعلة في مواجهة الأزمات الاقتصادية المعاصرة.
خلاصة القول:
إن إغلاق مضيق هرمز يُعدّ نازلة معاصرة ذات أبعاد اقتصادية وشرعية واسعة؛ إذ إن تعطيل هذا الممر الحيوي أفضى إلى اضطراب أسواق الطاقة، واختلال سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم؛ بما انعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي عمومًا، والدول العربية خصوصا، وأدّى إلى خسائر اقتصادية جسيمة طالت مختلف القطاعات، ولا ريب أن ذلك يتعارض مع القواعد الكلية للشريعة الإسلامية التي أكدت حفظ المصالح العامة، ومنع الضرر، وتحريم الإفساد في الأرض؛ فتعطيل الطرق والممرات الحيوية يُعدّ اعتداءً على الحقوق المشتركة بين الناس، وقد يرقى ذلك إلى معنى (الحرابة المعاصرة)؛ لما يترتب عليه من تعطيل للتجارة، وتهديد للأمن الغذائي والاقتصادي.
لاتوجد تعليقات