من أرشيـف علماء الدعوة السلفية في الكويت – الشيخ عبد الله السبت- رحمه الله (3) الاختلاف والموقف منه
هذه محاضرات ألقاها الشيخ أبو معاوية عبد الله السبت -رحمه الله- على أوقات متفرقة ومجالس متنوعـة، دارت حول إيضاح مفهـوم المنهج السلفي الصافي، وكشف عُوار الدعوات المشوهة له، وقد أثراها بالأمثلة الحية التي تُلامس الواقع، بأسلوبٍ موجز لا حشو فيه، سهل ميسّر، بقوة حجة، واطلاعٍ تام بحال الجماعات الإسلامية المعاصرة، موجَّهٌ إلى أفهام عُموم الناس، غير مختَصٍ بنخبةٍ معينة، قام بجمعها وترتيبها الأخ بدر أنور العنجري، في كتاب (ملامح أهل الحديث) المطبوع حديثًا، ومنه استقينا مادة هذه السلسلة.
أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذه الأمة سيقع فيها الاختلاف والفرقة، وأنَّ هذا الأمر قدره الله -سبحانه وتعالى-، وإن كان -سبحانه وتعالى- لا يحبه شرعًا، لكنه أراده إرادة كونية أن يقع في ملكه لحكمة، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:118-119)، فهذا خبر من الله -عز وجل- أن الأمة ستبقى مختلفة منذ أن خلق الله -عز وجل- الناس، وإلى أن يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها، لهذا الاختلاف ذكر ربنا -سبحانه وتعالى- أمورا بين الحكمة التي من أجلها خلق الله هذا الشيء؛ ليميز الحق من الباطل.
نؤمن ونصدق ونسلم ونوقن
وكما هو مقرر عندنا أننا نؤمن بما جاء عن ربنا -سبحانه وتعالى-، وما جاء عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ونسلم لذلك، سواء عقلناه أم لم نعقله، ولكن نقول كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، فنحن نؤمن ونصدق ونسلم ونوقن، ولكن لا مانع من أن نتلمس الحكم من ذلك، ومما يدل أيضا على أن هذا الخلاف سيقع، حدیث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه مسلم: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها» السنة: القحط.
من نعم الله -عز وجل
وهذا من نعم الله -عز وجل- على هذه الأمة ألا تموت جوعا مطلقا كلها، لكن قد يقع القحط في بعضها ولا يقع في الآخر، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها» يعني أن الأمة الإسلامية لا تهلك بالغرق، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها». إذا هذه الأمة واقع فيها الفرقة والخلاف بل القتال، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «هذه أهون»، يعني أهون الشرين أي أهون ما مضى.
لا يجوز للمسلم أن يعلق إيمانه بالحكمة
أولا نحن نؤمن بما جاء عن الله -عز وجل- من غير أن نسأل عن العلة؛ ولذلك أكبر مساوئ هذا العصر أنهم يسألون ما الحكمة؟ وما علة هذا الشيء؟ لماذا فعل الله كذا؟ وهذا يخالف الإيمان، ويخالف التسليم، فسواء عرفنا لماذا حرم الله لحم الخنزير أم لم تعرف، فلا يعنينا الأمر، عرفنا علة تحريم الربا أم لم تعرف، لا يعنينا الأمر، لماذا هذا الطعام حرام، وهذا الطعام حلال؟ لا ندري، إذا لا يجوز للمسلم أن يعلق إيمانه بالحكمة أو العلة، وإنما يقول: سمعنا وأطعنا، كل من عند ربنا، لكن من تمام اطمئنان القلب فلا مانع من لمس الحكمة {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (البقرة:260).
كيف يقع في ملك الله شيء لا يريده؟
نقول نعم هناك فرق بين المحبة والإرادة، فالله -عز وجل- الذي لا يریده لا يقع، لأنه متصرف في الكون -سبحانه وتعالى-، لكن هل الذي لا يحبه وقع؟ نقول نعم سمح بذلك، قال الطحاوي: «اعلم أن المراد نوعان مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وأما لغيره فقد يكون المقصود أمرا آخر». فإجمال المعنى أن الله -سبحانه وتعالى- سمح بأن يحصل في هذا الكون ما لا يحب -سبحانه وتعالى- ولكنه لا يرضاه لعباده، ولكن لا يقع في الكون ما لا يريده -جل وعلا-، فكل ماهو موجود من خير وشر هومراد وهو مخلوق لله -سبحانه وتعالى.
فالله -عز وجل- لا يحب الافتراق، وحذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحذر الصحابة -رضي الله عنهم-، فإذا كان الأمر سيحصل فما فائدة التحذير؟
- الجواب: أنك لا تدري من أي الفرق ستكون، أنت مأمور أن تلزم الفرقة الناجية، فَلِمَ تحكم على نفسك أنك من أهل الهلاك؟! مثله تماما قول: إن الله مقدر الأرزاق فلماذا نسعى؟ نقول سعينا أيضا قدر.
إذا الفرقة ستحصل فلماذا نحاربها؟ لأننا نريد أن نكثر سواد أهل الجنة ونقلل سواد أهل النار، نريد أن نكثر سواد المهتدين، ونقلل من سواد المضلين المنكرين للجادة، فإذا الأحاديث والآيات، وكلام الصحابة -رضي الله عنهم- وما يفعله الدعاة، في التحذير من الفرقة والاختلاف، لا لأنها لن تقع، ولا لأن غير المسلمين غير مختلفين، وإنما ليمنعوا الناس من أن يدخلوا في هذه المتاهات، ويكثروا من السواد الأعظم لهذه الأمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن هذه الأمة أنها ستكون إن شاء الله (نصف أهل الجنة).
إذا الشاهد أنه لا تعارض بين إقرارنا بأن الفرقة حاصلة، وبين دعوتنا للناس إلى أن يكونوا على الجادة وعلى الطريق المستقيم، لا يوجد تعارض مطلقا، بل هذا من تمام النصح لله -عز وجل- ولعموم المسلمين.
دعوة الناس إلى الفرقة الناجية
المحذور ما يقوم به غير السلفيين من محاولة جمع الثلاث والسبعين فرقة في إطار واحد، نقول هذا يخالف الحديث، فمن سعى إلى أن يلملم كل الثلاث والسبعين فرقة أو كل طوائف الأرض الموجودة الآن، ويجعلها كلها على ملة واحدة وطريقة واحدة، وأن الخلاف بينها خلاف بسيط وتنوع! نقول له: أخطأت الدرب وأخطأت الطريق، وخالفت أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن من يقول: يا قوم هذه جادة مستقيمة اسلكوها، وهناك طرق تؤدي بكم إلى المهلكة فاحذروها، فهذا قد حقق حدیث النبي - صلى الله عليه وسلم -. إذا الذين يحذرون من الاختلاف على نوعين:
- الأول: تحذير بمعنى أن نجتمع لغاية الاجتماع، بغض النظر عن المهتدي والضال، وهذا الذي تقوم به كل الدعوات ماعدا السلفية.
- الثاني: تحذير بأن نجتمع على غير الجادة المستقيمة، حتی نقلل الروافد الهالكة؛ لأنه كما قال بعض العلماء: قد يكثر عدد الفرق، لكن عدد أتباعها في الدنيا أقل عددا من الفرقة الناجية الواحدة. وهذا الذي جاءت به الآثار.
وليس هناك تلازم بين كثرة الفرق وبين كثرة البشر، وإنما هذا يخضع في أزمنة معينة، وأماكن معينة، وفي زمان يقوى أهل السنة ويكونون الأكثر، وفي زمان يضعف أهل السنة ويكونون الأقل.
التحذير من الاختلاف والفرقة
إذًا نحذر من الاختلاف ونحذر من الفرقة، وندعو إلى الوحدة وإلى التآلف، لكن -كما ذكرناه في قاعدة التمايز لا التجانس- أننا ندعو إلى توحيد المسلمين المميزين عن غيرهم، ولا ندعو إلى تجميع المسلمين على اختلاف طرقهم، فإذا الفرقة الواحدة هي التي تكون مميزة في سلوكها ومنهجها وطريقتها، عن بقية الفرق التي يراد بها أن تضيع في أوساطها، فهم -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم -: «كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود».
فيبقى أن الاختلاف الموجود الآن في دنيا الناس -بغض النظر عمن يذكيه ويدعمه، هل هو إنتاج يهودي أو غير ذلك-، فإنما هو في غالبيته إما للشياطين، أو أن بعض الناس قد تحولوا إلى شياطين، قد وسوس إليهم، فوصلوا إلى أن جعلوا أهواءهم آلهة تعبد من دون الله.
تجريد التوحيد
علاج ذلك -كما ذكر علماؤنا- بأن يعلم الناس تجريد التوحيد لله رب العالمين، لا يمكن أن يزال الخلاف الذي عند الناس إلا إذا علم الناس علما يقينيا أن هذا يخالف حقيقة عبادتهم الله -تبارك وتعالى-، وإلا فإنه يصير تجمیعا سياسيا.
قد تجمع الناس على مصلحة طعام، على مصلحة سياسة، على مصالح الدنيا، فيكونون كما وصفهم الله -تبارك وتعالى-: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} (الحشر: 14). وهذا يحصل بين أمم الكفر على اختلاف ما بينها وما فيها، وكل مختلف قلبه وعقيدته عن الآخر، ولكن جمعهم إما الخوف وإما الرجاء، نحن لا نريد هذا، نريد أن يجمعهم حبهم لله -عز وجل- وخوفه ورجاؤه.
إذا علاج الهوى هو دعوة الناس إلى أن يكونوا مسلمين على الحقيقة، متبعين لدين الله -سبحانه وتعالى.
لاتوجد تعليقات