منارات في مسيرة طلب العلم (4) طالب العلم بين فقه الواقع والعلم بالواجب (2-3)
- من أراد إصلاح بيئة علمية أو دعوية فلابد أن يفقه أحوال أهلها ومستوياتهم العلمية وظروفهم الاجتماعية واحتياجاتهم ومشكلاتهم ليكون إصلاحه قائمًا على بصيرة
- من أدق أبواب الفقه وأعظمها حاجةً فقهُ المعاملات إذ به يعرف المسلم كيف يوازن بين حفظ مصالحه وأداء حقوق الآخرين والإحسان إليهم
- تقوم الربانية على تكامل العلم والحكمة والفقه فبالعلم تُعرف الأدلة وبالحكمة يحسن الخطاب والتدرج وبالفقه تُفهم الوقائع وتُنزل عليها الأحكام وفق ضوابطها الشرعية
- العالم الرباني لا يُلقي على الناس كل ما يعلم ولا يُحمِّل المبتدئ فوق طاقته بل يتدرج بهم من الأصول إلى الفروع ومن الواضح إلى الدقيق، حتى يتحول العلم إلى عمل
استكمالا للحديث عن طالب العلم بين فقه الواقع والعلم الواجب، حيث ذكرنا أن للعلم مقامات متكاملة، أشار إليها ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين، وهي الرواية والدراية والرعاية؛ فالرواية تعنى بنقل العلم وضبطه، والدراية بفهم معانيه وإدراك مقاصده، والرعاية بحفظ حدوده والعمل بمقتضاه، ولا يكتمل البناء العلمي والتربوي لطالب العلم إلا باجتماع هذه المقامات؛ إذ لا يكفي أن يحمل العلم في ذاكرته حتى يظهر أثره في قلبه وسلوكه ومعاملاته، وتحدثنا عن أهم القضايا التي تواجه طالب العلم وذكرنا منها: فقه الواقع بين المثالية والحقيقة، والعلم بالواجب وفهم الواقع، وفقه الأولويات.
رابعًا: فقه المعاملات
من أدق أبواب الفقه التي يحتاج إليها طالب العلم فقه المعاملات؛ أي أن يعرف كيف يتعامل مع الناس، وكيف يجمع بين حفظ مصالح نفسه والإحسان إلى غيره، فقد تجد من يبالغ في خدمة الآخرين حتى يهمل نفسه وأهله وعلمه، فيصبح كالشعلة التي تضيء ما حولها وتستهلك نفسها، وفي المقابل قد تجد من ينشغل بنفسه ومصالحه الخاصة، حتى لا يكاد يكون للناس نصيب من علمه ووقته وإحسانه، وكلا المسلكين يحتاج إلى تصحيح؛ لأن الشريعة جاءت بالعدل والتوازن، وإعطاء كل ذي حق حقه. وليس المقصود أن ينصرف طالب العلم عن خدمة الناس بحجة بناء نفسه، ولا أن يضيع واجباته الخاصة بحجة الانشغال بالإصلاح، وإنما أن يجمع بين الأمرين على قدر استطاعته، فيحسن ترتيب الحقوق والواجبات، وفي هذا الباب تظهر قيمة التربية العلمية التي لا تقتصر على تلقين المعلومات، وإنما تغرس في الطالب الرفق والحلم والإنصاف، وتعلمه كيف يخاطب الناس، وكيف يصبر على أخطائهم، وكيف يفرق بين الخطأ وصاحبه، وبين بيان الحق والتشفي من المخالف. فقد يحمل الإنسان علمًا صحيحًا، لكنه يعجز عن تقديمه إلى الناس بأسلوب حسن، فتكون قسوته حاجزًا بينهم وبين الانتفاع بعلمه، وربما وجدنا في المقابل إنسانًا لطيف المعشر، حسن العبارة، لكنه يفتقر إلى العلم الذي يهدي لطفه ويوجه كلامه، والمطلوب هو اجتماع الأمرين: صحة المنهج وحسن الخلق، وسلامة الطريق ورقة القلب، فالعلم الذي لا يورث صاحبه رحمة بالناس، وتواضعًا للحق، وإنصافًا للمخالف، يحتاج صاحبه إلى مراجعة أثره في قلبه وسلوكه؛ فإن من أعظم ثمرات العلم أن يهذب النفس قبل أن يصلح الآخرين.
خامسًا: بين التأثير والنفع
من القضايا التي ازدادت أهميتها في عصر وسائل التواصل الاجتماعي الخلط بين التأثير والنفع، فليس كل من كثر متابعوه عظم نفعه، ولا كل من اشتهر اسمه اتسع أثره الإصلاحي، ولا كل من حضر في النقاشات العامة كان أكثر خدمة للعلم والدعوة، قد يكون الإنسان حاضرًا في كل منصة، مشاركًا في كل قضية، متحدثًا في كل نازلة، حتى يصبح اسمه مألوفًا لدى الناس، ومع ذلك لا نجد وراء هذا الحضور بناءً علميًا راسخًا، أو تربية صالحة، أو معرفة نافعة انتفع بها الناس. وفي المقابل قد يكون هناك عالم أو معلم قليل الظهور، لا يعرفه إلا عدد محدود من الطلاب، لكنه يبني عقولهم، ويزكي نفوسهم، ويغرس فيهم أصول العلم والأدب، فيمتد أثره سنوات طويلة، وهنا ينبغي أن يسأل طالب العلم نفسه: هل أريد أن أكون مشهورًا أم نافعًا؟ وهل أقيس نجاحي بكثرة من يسمعونني، أم بما يتحقق لهم من علم وهداية وإصلاح؟ إن التأثير قد يكون وسيلة إلى النفع، لكنه ليس غاية مستقلة عنه. وقد يتحول إلى عبء على صاحبه إذا صار همه أن يظل حاضرًا في أعين الناس، ولو على حساب علمه ووقته وسكينة قلبه، وما أحوج طالب العلم إلى أن يستحضر قول الله -تعالى-: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} (الرعد:17)، فالعبرة ليست بضجيج الحضور، وإنما ببقاء النفع؛ وليس المهم أن يعرفك الناس اليوم، وإنما أن يبقى من علمك وعملك ما ينتفعون به غدًا.سادسًا: خصائص البناء العلمي النافع
حتى يكون طالب العلم صالحًا في نفسه، نافعًا لغيره، قادرًا على التعامل مع واقعه بحكمة وبصيرة، فإنه يحتاج إلى خصائص كبرى ينبغي أن تتغلغل في تكوينه العلمي والإيماني، لا أن تبقى مجرد شعارات يرددها، وأبرز هذه الخصائص ثلاث: الوسطية، والشمولية، والربانية، وهي خصائص متكاملة؛ فالوسطية تضبط منهجه وموازينه، والشمولية توسع نظره وتمنع اختلال بنائه، والربانية تصل علمه بالله -تعالى-، وتجعله وسيلة للهداية والإصلاح. ولا يكفي أن يكثر طالب العلم من الحديث عن الوسطية وهو لا ينصف مخالفيه، أو يدعو إلى الشمولية وهو يهمل أبوابًا عظيمة من الدين، أو يثني على العلماء الربانيين دون أن يجاهد نفسه في تحصيل صفاتهم، وإنما المطلوب أن يجعل هذه الخصائص موازين يراجع بها نفسه، فيعرف مواضع قوته وضعفه، ويجتهد في استكمال ما نقص من علمه وسلوكه.الوسطية
قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143)، والوسطية ليست مجرد الوقوف بين طرفين في كل مسألة، وإنما هي التزام الحق والعدل، ووضع الأمور في مواضعها، والبعد عن الغلو والتفريط، ومن أعظم مقوماتها اجتماع العلم والعدل؛ فالعلم بغير عدل قد يتحول إلى وسيلة للظلم والتعصب، والعدل الذي لا يستند إلى علم قد يضل صاحبه عن معرفة الحق، ولهذا يحتاج طالب العلم إلى أن يربي نفسه على الإنصاف، وألا يجعل موافقته لشخص سببًا لقبول كل أقواله، أو مخالفته له سببًا لرد كل ما عنده من حق. وتحتاج الوسطية كذلك إلى فقه الاقتران؛ أي الجمع بين المعاني التي يكمل بعضها بعضًا: بين العلم والرحمة، والشجاعة والحكمة، والحزم والرفق، والعناية بالظاهر وإصلاح الباطن، والتمسك بالحق وحسن عرضه على الناس، فليست الرحمة ضعفًا، ولا الشجاعة اندفاعًا، ولا الحزم قسوة، ولا الرفق تنازلًا عن الحق؛ وإنما يستقيم كل خلق حين يوضع في موضعه ويضبط بضوابط الشرع.
وتظهر الوسطية في حياة طالب العلم خاصة في ثلاثة مجالات: معاملته للناس بين العطاء والمنع، وحكمه عليهم بين المدح والذم، ومشاعره تجاههم بين الحب والبغض، فليس من العدل أن يغلو في مدح من يحب حتى يرفعه فوق منزلته، ولا أن يبالغ في ذم من يخالفه حتى يسلبه فضائله وحسناته، وقد جاء في الحديث: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»، وهذا ميزان عظيم يحرر الإنسان من سلطان الهوى، ويجعل مواقفه خاضعة لما يرضي الله -تعالى-، لا لما تمليه العصبية أو الخصومة.
ومن أخطر مظاهر غياب الوسطية التوسع في التبديع والتضليل والتكفير بغير علم ولا ضوابط شرعية، أو تحويل الخلافات العلمية إلى خصومات شخصية تستنزف الجهود وتفرق القلوب، فطالب العلم الذي يريد أن يكون مصلحًا لا بد أن يكون عادلًا في أحكامه، منصفًا في عباراته، رحيمًا في معاملاته، ثابتًا على الحق دون قسوة أو عدوان.
الشمولية
قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (البقرة: 208)، والإسلام دين شامل، تتكامل فيه العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، وتتساند فيه علوم الشريعة وشعب الإيمان، فلا يصح أن يختزل طالب العلم الدين في جانب واحد، ثم يغفل عن بقية جوانبه. وقد يعتني بعض الطلاب بمسائل الاعتقاد عناية عظيمة، وهذا من أشرف أبواب العلم، لكنه يقصر في الفقه أو التفسير أو تزكية النفس وآداب الخلاف، وقد يشتغل آخر بالأخلاق والرقائق، لكنه لا يمنح أصول الاعتقاد والأحكام الشرعية ما تستحقه من عناية، وهذا الاختلال ينعكس على الشخصية العلمية؛ لأن نقص التكوين قد يؤدي إلى قصور في الفهم أو اضطراب في الممارسة.حقيقة التربية العلمية
وفي هذا المعنى تتجلى حقيقة التربية العلمية؛ فالعالم الرباني لا يلقي على الناس كل ما يعرف، ولا يحمل المبتدئ ما لا يطيق، وإنما يتدرج بهم من الأصول إلى الفروع، ومن الواضح إلى الدقيق، ومن العلم إلى العمل، وهو كذلك لا يجعل خطابه قائمًا على المجادلة والمشاغبة، وإنما على التعليم والمذاكرة والمناصحة، يقصد هداية الناس لا الانتصار لنفسه، ويحرص على وصول الحق إلى قلوبهم قبل أن يحرص على ظهور تفوقه عليهم. وتقوم الربانية على اجتماع العلم والحكمة والفقه؛ فالعلم يمنح صاحبه الحجة، والحكمة تعينه على حسن الخطاب والتدرج، والفقه يمكنه من فهم الوقائع وتنزيل الأحكام عليها وفق ضوابطها، ومن هنا كانت تربية العلماء لطلابهم أوسع من مجرد شرح الكتب؛ فهي تربية للقلوب والعقول، وتكوين للملكات، وتعليم للأدب قبل الخلاف، وللإنصاف قبل النقد، وللعمل قبل التوسع في القول. وما أحوج طالب العلم إلى أن يراجع نفسه في هذا الباب فيسألها: هل يزيدني العلم تواضعًا أم كبرًا؟ وهل يقربني من الله أم يشغلني عن عبادته؟ وهل يجعلني أرحم بالناس وأحرص على هدايتهم، أم أكثر خصومة معهم؟! إن هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة أثر العلم في النفس، وتعين طالب العلم على تصحيح مسيرته قبل أن تتسع الفجوة بين ما يعرفه وما يعمل به.
لاتوجد تعليقات