رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: فاطمة مرحبا 26 أغسطس، 2026 0 تعليق

محبة واتباع لا ادّعاء وابتداع

  • المحبة الصادقة ليست دعوى تقال، ولا مشاعر تترجم إلى عبادات لم يأذن بها الشرع، وإنما حقيقتها الاتباع والاقتداء
  • معيار المحبة الصادقة يكون بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء سنته وطاعته، لا بابتداع ما لم يشرعه
  فاطمة مرحبا  

إن محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل القربات وأعظمها أثرًا في حياة المسلم؛ إذ لا يكتمل إيمان العبد حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، غير أن المحبة الصادقة ليست دعوى تقال، ولا مشاعر تترجم إلى عبادات لم يأذن بها الشرع، وإنما حقيقتها الاتباع والاقتداء، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.

       ومن المسائل التي كثر فيها الجدل: الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث استدل له بجملة من النصوص والآثار، وظن أن فيها ما يسوغ إحداث هذا الموسم دينيا. ولأهمية هذه الشبهات، وحاجة المسلم إلى التمييز بين الدليل الصحيح والاستدلال غير الصحيح، يجدر الوقوف عليها واحدة واحدة، وردها إلى أصولها، والنظر فيها بميزان الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة؛ إذ إن العبادات توقيفية، لا مجال فيها للاستحسان المجرد أو العاطفة المنفصلة عن الدليل. وفيما يأتي نستعرض ملخصا لما أوردته الأستاذة الفاضلة منيرة المقوشي في كتابها «إحياء الآثار»، وفيه أبرز الشبهات التي استُدل بها على مشروعية الاحتفال بالمولد، مع بيان وجه الاستدلال بها، ثم مناقشة ذلك وبيان ما يظهر من الجواب عنها، وهي خمس شبهات أساسية:

الشبهة الأولى

  • الاحتجاج بحديث صيام عاشوراء وقياس المولد على صيامه، شكرا لله على نعمة إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • والجواب: أن هذا قياس باطل؛ فالصيام ثبت بدليل شرعي محدد، ورغب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف الاحتفال بالمولد، كما أن الاستدلال به يخالف إجماع السلف، ويؤدي إلى الوقوع في النهي عن اتخاذ قبره عيدا، أو الإطراء عليه، كما أطرت النصارى عيسى -عليه السلام-.

الشبهة الثانية

  • الاحتجاج بحديث «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» واعتبار إحياء المولد من «السُّنَنِ الْمُبَارَكَةِ».
  • والجواب عن هذا: أن المراد بالسنة الحسنة هو الابتداء بعمل له أصل شرعي سابق، وليس اختراع أمر جديد، والقول بخلاف ذلك يستلزم عدم كمال الدين في عهده - صلى الله عليه وسلم -، وتفضيل المتأخرين على الصحابة الذين لم يعملوا هذا العمل! والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي».

 الشبهة الثالثة

  • الاحتجاج بقول عمر - رضي الله عنه -: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» واستغلال العبارة للقول بوجود «بدعة حسنة» في الدين.
  • والجواب عنها: أن صلاة التراويح سنة فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمر باتباع الخلفاء، والمراد بالبدعة في قول عمر هو المعنى اللغوي لا الشرعي؛ لأن البدع الدينية الشرعية كلها ضلالة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».

الشبهة الرابعة

  • الاحتجاج بقوله - صلى الله عليه وسلم - عن الاثنين: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» واعتبار صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين مسوغا للاحتفال بيوم مولده.
  • والجواب: أن الصيام سبب أسبوعي لعرض الأعمال على الله، وليس مقصورا على (١٢ ربيع الأول)، ولو سلمنا بأن صيامه - صلى الله عليه وسلم - كان شكرا، فإن الشكر المأثور يكون بالصوم، لا بالاحتفال وإيثار الشهوات من الطعام والشراب.

الشبهة الخامسة

  • الاحتجاج برؤيا تخفيف العذاب عن أبي لهب؛ والتخفيف عن كافر لفرحه بالمولد فكيف بالمسلم الذي فرح بمولده - صلى الله عليه وسلم -.
  • والجواب: أن الخبر مرسل وضعيف، ولا يثبت تاريخيًا، وعلى فرض صحته، فالرؤيا المنامية ليست حجة شرعية.

خلاصة الموضوع

- الاحتفال بالمولد بدعة محدثة، أصلها من الرافضة، ولم يفعلها السلف. - فيها تشبه بالنصارى، وتؤدي إلى مفاسد عقدية، كالشرك والإطراء، ومنكرات سلوكية، كالإسراف واختلاط الرجال بالنساء. - إضافة إلى فتح باب للبدع الأخرى، والانشغال عن الفرائض والسنن بها.

معيار المحبة الصادقة

       معيار المحبة الصادقة يكون بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء سنته وطاعته، لا بابتداع ما لم يشرعه والقاعدة الجامعة في ذلك أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان؛ فما وافق الكتاب والسنة قبل، وما خالفهما ترك، وكلام كل أحد يعرض على الدليل، وقد قال الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك