في ظل استمرار العدوان الإيراني الآثم – أمن الكويت.. ثوابت وتحديات!
قراءة في النوازل وانعكاساتها على الكويت والخليج العربي
واجب الوفاء وحكم الإسلام في خيانة الأوطان
مقتضيات الانتماء والمواطنة ولوازمها
سفارات الكويت ورسائل التضامن الخيرية حول العالم
- تمر الكويت ومنطقة الخليج العربي اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخهما السياسي والأمني، تتسم بتسارع التحولات وتعدد مستويات التهديد
- تعد الأزمة الحالية نازلة عامّة تستوجب استحضار الواجب الشرعي في التعامل معها، وفق نصوص الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، كما تستدعي المسارعة إلى إعلان التأييد والتضامن مع الحق ورفض الاعتداء والخيانة
- أظهرت الكويت -قيادةً وشعبًا- يقظةً ومسؤولية وطنية عالية في مواجهة التطورات المتسارعة، وهو ما ينسجم مع المبدأ الشرعي في وجوب إعداد العدة والأخذ بالأسباب
- أثبت هذا الموقف التكاملي أن الدولة قادرة على التوازن بين الحزم الأمني واليقظة الميدانية من جهة واستمرارية المرافق العامة والخدمات الحيوية من جهة أخرى، وهو ما يعكس عمق الخبرة الإدارية والالتزام الوطني
- تُعدّ الاعتداءات الإيرانية في ميزان الشريعة انتهاكًا صريحًا لسيادة الدولة وترويعًا للآمنين؛ فالإسلام دين الحياة والسلام والأمن والأمان
- حفظ الأمن والاستقرار بل تكليف شرعي ووطني أصيل، يندرج ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الضرورات الخمس كما دلت نصوص الكتاب والسنة
- القوة الرادعة في ميزان الشريعة ضرورة لحماية الأمن والسلم وهو ما يستدعي تطوير منظومات دفاعية وتنسيقية أكثر تكاملا على المستوى الإقليمي
- المرحلة الراهنة تستدعي اليقظة الإعلامية ومناعة المجتمع ضد الإشاعة والاختراق الفكري؛ ففي ظل الأزمات لا يقل الوعي المجتمعي أهمية عن الجاهزية العسكرية
- تعـــزيز وحـــدة الصــف والالتـفــــاف حــــــول مؤسســـات الدولـــة والتــزام النظام العام واجبات شرعية قبــل أن تكون التزامات وطنية
- ما تمرّ به الكويت والخليج العربي اليوم هو ابتلاء وتمحيص ومرحلة اختبار حقيقية لكنها في الوقت ذاته منحة إلهية لإعادة الاصطفاف حول الدين والوطن والقيادة
- باتت دول الخليج أمام واقع جديد يتطلب قراءة أكثر عمقًا لطبيعة التهديدات ومواجهتها بالتعاون والعمل جسدًا واحدًا
إعداد: ذياب أبو سارة - وائل سلامة
تمر الكويت ومنطقة الخليج العربي اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والأمني، تتسم بتسارع التحولات وتعدد مستويات التهديد؛ فقد تفاقمت الأزمة الإيرانية وتعددت أبعادها العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، حتى تجاوزت حدود التوتر التقليدي لتغدو تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية والممرات البحرية والمطارات والمنشآت الاقتصادية في الكويت وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تعد الأزمة ملفًا نوويًا أو تفاوضيًا فحسب؛ بل تحولت إلى أزمة أمن مباشر تمسّ المطارات وأسعار الطاقة والاستثمار، وهو ما يجعلها نازلة عامّة تستوجب استحضار الواجب الشرعي في التعامل معها، وفق نصوص الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، كما تستدعي المسارعة إلى إعلان التأييد والتضامن مع الحق ورفض كل أشكال الاعتداء والخيانة.
اعتداءات سافرة وأضرار مادية
شهدت الساحة الكويتية مؤخرًا اعتداءات سافرة طالت المنشآت الوطنية، كان من أبرزها الأضرار الكبيرة التي لحقت بمطار الكويت الدولي جراء الضربات الإيرانية الأخيرة، ثم الهجوم الذي حيث استهدفت خزانات الوقود إكثر من مرة ولله الحمد لم تقع خسائر بشرية - فضلًا عن استمرار الغموض حول مصير الأزمة وآفاق نهايتها. وهذه الاعتداءات تُعدّ في ميزان الشريعة انتهاكًا صريحًا لسيادة الدولة وترويعًا للآمنين؛ فالإسلام دين الحياة والسلام والأمن والأمان، وقد أقرَّ حقَّ الحياة للبشر جميعًا! وحرَّم الاعتداء على النفس البشرية، ونهى عن ذلك أبلغ ما يكون النهي؛ فقال -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 151). ورغم لطف الله -تعالى- بعدم وقوع خسائر بشرية، إلا أن هذه الأحداث تؤكد أن طبيعة الأزمة لم تعد محصورة في المجال السياسي؛ بل أصبحت تمس الأمن الوطني والخليجي وامتداداته الاقتصادية والإنسانية؛ ولذا باتت دول الخليج أمام واقع جديد يتطلب قراءة أكثر عمقًا لطبيعة التهديدات، ومواجهتها بالتعاون والعمل جسدًا واحدًا والاستعداد لسيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاحتواء والتصعيد المحدود، وهو ما يقتضيه واجب الحذر والحيطة المأمور بهما شرعًا.الكويت.. أكثر تماسكًا
في أعقاب أسابيع على اشتعال الأزمة وآثارها الكارثية على منطقة الخليج، تدخل الكويت هذه المرحلة وهي أكثر تماسكًا، وتمضي الدولة في مسار أكثر كفاءة في إدارة القرار واتخاذ الإجراءات المناسبة على مختلف المسارات الداخلية والاقتصادية والخارجية والاجتماعية والصحية والتعليمية، وتبدو الكويت محافظة على قدرٍ ملحوظ من التوازن بين الجاهزية الأمنية واستمرارية الحياة العامة، في نموذج يعكس خبرة الدولة في إدارة الأزمات وتغليب منهج الاعتدال، وهو ما يُعرف فقهيًا بمبدأ (الموازنة بين المصالح والمفاسد).المعادلة الكويتية والمرتكزات الثلاثة
وكما ذكرنا فإن المشهد الكويتي يقوم اليوم على معادلة واضحة تتمثل، في ثلاثة مرتكزات رئيسية، تنسجم مع مبادئ السياسة الشرعية، أولها: رفع الجاهزية الأمنية والمؤسسية والدفاعية إلى أقصى مستوياتها امتثالًا لقوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، وثانيها: ضمان استمرارية الخدمات الحيوية والمرافق العامة والعمل المدني؛ وذلك إعمالًا لمبدأ حفظ المصالح العامة الذي هو من مقاصد الشريعة الكلية، وثالثها اتباع نهج دبلوماسي متزن ومتعقل مع عدم التهاون في الشأن السيادي، اقتداءً بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم- في الجمع بين القوة والحكمة، وهي معادلة تؤكد أن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل عملية إدارة مستمرة للتحديات، مع السعي لمواءمة مستجدات الأوضاع والبحث عن الحلول المناسبة للتحديات المستقبلية، ولا سيما في مجال تصدير النفط وتنويع الاقتصاد ومسائل التمويل والسيولة، والأبعاد الجيوسياسية المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وغيره من المنافذ البحرية، والتهديدات الإيرانية في مجال الحدود البحرية والبرية.
الواجب الشرعي في حماية الوطن ووحدة الصف
لا شك أن حفظ الأمن والاستقرار ليس خيارًا؛ بل هو تكليف شرعي ووطني أصيل، يندرج ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الضرورات الخمس، وقد دلّت نصوص الكتاب والسنة على هذا المعنى دلالة قاطعة؛ فقال -تعالى-: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وقوله -سبحانه-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}؛ فهذه الآيات الكريمة تؤصل لمبدأ وحدة الصف وحماية الوطن من الفتن والاختراقات، وتنهى عن أي تهاون أو تفريط في الأمانة؛ فالوطن أمانةٌ في عنق كل مواطن ومقيم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته». ومن هذا المنطلق الشرعي الراسخ، فإن تعزيز وحدة الصف والالتفاف حول مؤسسات الدولة والتزام النظام العام واجبات شرعية قبل أن تكون التزامات وطنية، وإن كل تهاون في أمن الكويت أو خضوع للأجندات الخارجية يُعد خيانةً للأمانة التي عظّمها الله في كتابه، مصداقًا لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وقد قرر علماء الإسلام أن حفظ بيضة المسلمين ودار الإسلام من أوجب الواجبات، وأن الدفاع عن الوطن من فروض الكفاية التي قد تصير فرض عين إذا تعيّن.الاستجابة المؤسسية وإدارة الأزمة
لقد أظهرت الكويت -قيادةً وشعبًا- يقظةً ومسؤولية وطنية عالية في مواجهة التطورات المتسارعة، وهو ما ينسجم مع المبدأ الشرعي في وجوب إعداد العدة والأخذ بالأسباب؛ فقد اتسمت الاستجابة الرسمية بسرعة رفع الجاهزية وتكامل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة؛ حيث أعلن مجلس الوزراء البقاء في حال انعقاد دائم لمتابعة التطورات ومراجعة خطط الطوارئ واستمرارية الخدمات، وعقدت رئاسة الوزراء اجتماعات خاصة بخطط الطوارئ، وتفقد رئيس الوزراء الطيران المدني وراجع الجاهزية؛ كما رفعت وزارة الداخلية مستوى الاستعداد وأكدت استقرار الوضع الأمني، وأكدت وزارة الدفاع الجاهزية القصوى لمختلف الأسلحة والقطاعات. وفي الشأن الصحي فعّلت وزارة الصحة خطط الطوارئ ورفعت جاهزية المرافق الطبية، وجرى تأمين سلاسل الإمداد والمخزون الاستراتيجي من الغذاء والدواء والوقود؛ فيما أكد البنك المركزي استمرارية العمليات المصرفية وصلابة القطاع البنكي والمركز المالي للبلاد. وقد أثبت هذا الموقف التكاملي أن الدولة قادرة على التوازن بين الحزم الأمني واليقظة الميدانية من جهة واستمرارية المرافق العامة والخدمات الحيوية من جهة أخرى، وهو ما يعكس عمق الخبرة الإدارية والالتزام الوطني، ويُعدّ تطبيقًا عمليًا لمبدأ التدبير الرشيد في السياسة الشرعية.
الدبلوماسية الشرعية والبعد الخارجي
من جانبها تتحرك الخارجية الكويتية في مسارين متوازيين ينسجمان مع الحكمة النبوية في التعامل مع الأزمات؛ أما المسار الأول فهو المسار السيادي الاحتجاجي، وقد ظهر ذلك في إحاطة مجلس الوزراء بالجهود الدبلوماسية واستدعاء السفير الإيراني والتنديد الرسمي بالاعتداءات، تأكيدًا على رفض أي مساس بالسيادة الوطنية أو تحويل الكويت إلى ساحة ضغط متبادل، وأما المسار الثاني فهو المسار التنسيقي الإقليمي والدولي عبر التشاور المستمر مع وزراء خارجية الخليج والدول الشريكة، بما يعزز وحدة الموقف الخليجي ويرسّخ التعاون مع الشركاء الدوليين لتجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد، ولا شك أن مثل هذا النهج ينسجم مع استراتيجية الكويت ورؤيتها الدائمة في عدم الاندفاع إلى التصعيد العسكري مع التأكيد الدائم والصارم على رفض المساس بالسيادة الوطنية، وهو نهج يعكس تقاليد السياسة الكويتية القائمة على الحكمة وتجنب الانزلاق إلى التصعيد، كما يتّسق هذا النهج مع القاعدة الشرعية القاضية بأن درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، وأن الأخذ بأخف الضررين من مقتضيات الحكمة والفقه السياسي الإسلامي.التفكير الاستراتيجي الخليجي ومشروعيته
تشير المعطيات الحالية إلى تحول استراتيجي جديد في الرؤية الخليجية، من سياسة «احتواء إيران» إلى سياسة «منع التهديد الإيراني من إعادة إنتاج نفسه كأداة ابتزاز جيوسياسي»؛ فلم يعد كافيًا الحديث عن اتفاقات جزئية؛ بل بات لزامًا العمل على إطار أمني جماعي يحقق الردع، ويضمن حماية البنى التحتية ومصادر الطاقة وأمن الممرات المائية، ولم يعد الأمن الخليجي يُنظر إليه بمعزل عن أمن الممرات البحرية وخصوصًا مضيق هرمز الذي يمثل شريان حياة للاقتصاد العالمي، واستقرار أسواق الطاقة والاستثمار العالمي، وحماية البنية التحتية الحيوية في دول المجلس، وتقليص قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة وقدرتها على تهديد المنطقة.. وهناك شبه إجماع خليجي على رفض ترك أمن الممرات والبنى التحتية رهينة الأحداث، بل البحث عن ضمانات دولية وأممية حقيقية وشاملة، ويأتي هذا التوجه منسجمًا تمام الانسجام مع التوجيه الرباني في قوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}؛ فالقوة الرادعة في ميزان الشريعة ضرورة لحماية الأمن والسلم، لا وسيلة عدوان أو بغي، وهو ما يستدعي تطوير منظومات دفاعية وتنسيقية أكثر تكاملًا على المستوى الإقليمي، إعمالًا لمبدأ التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به.
البعد المجتمعي والإعلامي
إن المرحلة الراهنة تستدعي اليقظة الإعلامية ومناعة المجتمع ضد الإشاعة والاختراق الفكري؛ ففي ظل الأزمات لا يقل الوعي المجتمعي أهمية عن الجاهزية العسكرية؛ إذ إن الحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح فقط؛ بل بالمعلومة والإدراك والوعي والثقة؛ فالحرب على الكويت والخليج ليست صاروخًا ولا مسيّرة فحسب؛ بل هي حرب وعي وثقة، وقد وضع القرآن الكريم المنهج الأمثل للتعامل مع الأخبار والشائعات، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}. ومن هذا المنطلق فإن الواجب الشرعي يفرض دعم الدولة ومؤسساتها وعدم الانجرار خلف الدعايات المغرضة والأراجيف المضللة؛ فكل مواطن هو (جندي الكلمة والعقل)، يذود عن وطنه بالصبر والوعي والالتزام كما يذود الجندي بسلاحه عن الأرض والعرض، وعليه فإن المسؤولية المجتمعية الشرعية تقتضي التثبت من الأخبار والمعلومات قبل نشرها أو تداولها، وتجنب الشائعات والأخبار المضللة التي تخدم أجندات خارجية، ودعم الاستقرار الداخلي والالتفاف حول القيادة والمؤسسات الوطنية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الرسمية ومنظومة الأمن الوطني. وكل ذلك من مقتضيات النصيحة التي هي الدين كله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة».
العمل الخيري والإنساني.. صمام الأمان
إن من خصائص الكويت التي ميّزها الله بها، أنها جمعت بين السيادة المشرّفة والعمل الخيري الراسخ؛ فصارت بحقّ (بلد الخير والإنسانية)، كما شهد بذلك القاصي والداني، وتتميّز الكويت بإرثها الخيري العريق الذي لا يقتصر على البعد الإنساني، بل يمتد ليكون عنصرًا داعمًا للاستقرار الاجتماعي والأمني. واليوم تزداد أهمية هذا الدور؛ لأن العمل الخيري ليس ترفًا إنسانيا، بل هو صمام أمان اجتماعي وأمني، وفريضة شرعية أكدها النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء».. وفي أوقات الأزمات يتعاظم دور العمل الخيري ويصبح من آكد الواجبات الكفائية؛ ولذلك فإن الجمعيات الخيرية الكويتية مدعوة اليوم إلى توسيع برامجها الإغاثية داخل البلاد وخارجها بما يرسّخ صورة الكويت بوصفها منارة خير عالمية، ودعم الفئات المتضررة وتخفيف الآثار النفسية والاقتصادية على الأسر، وتعزيز التكافل المجتمعي وثقافة الأمن الإنساني كجزء من منظومة الأمن الوطني الشامل، مع الالتزام المطلق بالقوانين الوطنية والموجهات السيادية في العمل الإغاثي والدعوي؛ فتحويل مشاريع الخير إلى أدوات استقرار وتماسك مجتمعي هو من أرفع أنواع الجهاد في سبيل الله وأنفعها للأمة.
التوصيات المستقبلية في ضوء الرؤية الشرعية
في ضوء ما تقدم من تحليل وتأصيل، يمكن إيجاز جملة من التوصيات المستقبلية المستوحاة من الرؤية الشرعية والمصلحة الاستراتيجية:- تعزيز التحالف والتكامل الأمني الخليجي المشترك، وتفعيل آليات الدفاع الجوي والبحري الموحدة، وتطوير منظومات الدفاع المشترك، إعمالًا لمبدأ التعاون على البر والتقوى وتحقيقًا لقوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}.
- رفع كفاءة الجبهة الداخلية عبر الإعلام التوعوي والتربية الوطنية والتحصين الفكري ورفع مستوى الوعي المجتمعي والإعلامي؛ فإن تحصين العقول من الشائعات هو من أوجب واجبات العصر.
- توطيد العلاقة بين العمل الخيري والبعد الوطني عبر برامج تخدم الاستقرار الاجتماعي وتوظيف العمل الخيري في تعزيز الاستقرار الداخلي والتماسك المجتمعي.
- الاستثمار في الدبلوماسية الوقائية وتوسيع قنوات الحوار مع القوى الدولية على قاعدة الندية والاحترام المتبادل والاستمرار في النهج الدبلوماسي الحكيم.
- إعداد خطط استدامة اقتصادية تعتمد على التنويع بما يقلل من أثر الأزمات النفطية المحتملة ويدعم الاقتصاد الوطني ومصادر الدخل.
- تعزيز الجانب الشرعي والقيمي في الخطاب العام لحماية المجتمع من الفتن والانقسام، وتأصيل فكرة: (أمن الوطن عبادة ومسؤولية شرعية)، وأن حمايته من الفرائض التي لا يجوز التهاون فيها.
الخاتمة
إن ما تمرّ به الكويت والخليج العربي اليوم هو ابتلاء وتمحيص ومرحلة اختبار حقيقية، لكنها في الوقت ذاته منحة إلهية؛ لإعادة الاصطفاف حول الدين والوطن والقيادة، ولتعزيز التماسك الداخلي وترسيخ القيم الإسلامية في إدارة الأزمات والنوازل المعاصرة، ومهما تعاظمت التحديات واشتدت المحن، فإن إيماننا العميق بصدق وعد الله -تعالى- يبقى يقينًا راسخًا لا يتزعزع؛ إذ يقول -سبحانه-: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}؛ ولذلك نؤكد أن الكويت - بعون الله وتوفيقه - قادرة على الخروج من هذه الأزمة إلى بر الأمان بفضل قوتها الداخلية، ورسوخ قيمها الإسلامية، وتماسك مجتمعها الذي يرفض الخيانة والتهاون، ويجعل من (صنائع المعروف) سياجًا يحمي الوطن كما تحميه الأسوار والحدود.الاعتداء على ناقلة «السالمي» واستهداف الأبرياء
غدر وإفساد في الأرض وانتهاك للشرع والقانون
- تعاظم الأضرار الناتجة عن مثل هذه الاعتداءات يزيد من فداحة الجريمة وخطورتها على الفرد والمجتمع
- الاعتداء على المنشآت العامة وتعطيل مصالح الناس يدخل في باب الإفساد في الأرض المحرّم شرعًا

أعلنت مؤسسة البترول الكويتية أنه في تمام الساعة (12:10) بعد منتصف ليل يوم الاثنين الموافق 23 مارس 2026، تعرضت ناقلة النفط الكويتية (السالمي) لاستهداف إيراني آثم، وذلك أثناء وجودها في ميناء المخطاف بدبي، وأوضحت المؤسسة أن الناقلة كانت بكامل حمولتها وقت الاعتداء، الذي أسفر عن أضرار مادية في جسمها، واندلاع حريق على متنها.
وكشفت المؤسسة أن طاقم الناقلة، المكوَّن من أربعةٍ وعشرين فردًا، نجوا جميعا من أي إصابات، مشيرةً في الوقت ذاته إلى عدم وقوع أي تسرب نفطي أو تلوث في البيئة البحرية المحيطة، كما أعلنت استمرارها في التنسيق مع الجهات المعنية لتقييم الأضرار بدقة، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق المعايير المعتمدة؛ بما يضمن سلامة الناقلة وحماية البيئة.سلسلة من الاعتداءات الإجرامية
ولا شك أن هذا الاعتداء الآثم يأتي ضمن سلسلة الاعتداءات الإجرامية التي استهدفت دولة الكويت، وطالت عددًا من منشآتها الحيوية، وفي مقدمتها المنشآت النفطية، ولا شك أن هذا الفعل الإجرامي اعتداءٌ آثم، وتجاوزٌ لحدود الله، ومخالفٌ للقوانين الدولية والأعراف الأممية كافة. فبأي مسوغ سوّغ هؤلاء لأنفسهم الاعتداء على هذه الناقلة، والسعي في تدميرها؟! كما أن استهدافها لم يقتصر على الإضرار بالممتلكات، بل عرّض حياة العاملين عليها لخطر القتل، وهي جناية أعظم وأشد؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»، وقال أيضًا: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله»، فهؤلاء العاملون الآمنون لا ذنب لهم إلا قيامهم بواجبهم، وأداؤهم لعملهم؛ فبأي حق يُعتدى عليهم ويُسعى في إزهاق أرواحهم؟!تعاظم المفاسد والآثار
ولا ريب أن تعاظم المفاسد والآثار السيئة لهذه الاعتداءات يبرز فداحة الجرم، ويكشف شناعته، ويؤكد أن هذا العمل الإجرامي لا يُوصف -في أدنى مراتبه- إلا بأنه من أنواع الفساد والإفساد في الأرض، وأنه غدر وخيانة، ومخالف لما وصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - الجيوش المسلمة من وصايا واضحة جلية، حين قال: «ولا تغدروا»، ولم تكن هذه الوصية خاصةً بمعاملة المسلمين لإخوانهم فحسب، بل شملت حتى التعامل مع العدو الذي يحاربهم ويكيد لهم. وقد بلغت خطورة الغدر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حدَّ البراءة من فاعله، ولو كان مسلمًا، بل ولو كان المغدور كافرًا؛ إذ قال -صلى الله عليه وسلم -: «من أمَّن رجلًا على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا».عدم الإفساد في الأرض
وكذلك لم تكن حروب المسلمين يومًا حروب تخريبٍ وإفساد، كما يحدث اليوم من اعتداءات آثمة على المنشآت العامة والحيوية، وتعطيلٍ لمصالح الناس، بل كان المسلمون يحرصون أشد الحرص على الحفاظ على العمران، حتى في بلاد أعدائهم. وقد تجلّى هذا المعنى بوضوح في وصايا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لجيوشه المتجهة إلى فتح الشام؛ حيث قال: «ولا تفسدوا في الأرض»، وهي وصية جامعة لكل ما هو حميد، مانعة لكل أنواع الفساد، كما جاء في وصيته أيضًا: «ولا تغرقن نخلاً ولا تحرقنه، ولا تعقروا بهيمة، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تهدموا بيعة»، وهذه التوجيهات تفصيلٌ لماهية النهي عن الإفساد في الأرض؛ حتى لا يظن أحد أن عداوة الخصم تبيح شيئًا من الفساد أو العدوان؛ فالفساد -بأنواعه- مرفوض في الإسلام، ومحرمٌ تحريمًا قاطعًا.
لاتوجد تعليقات