عام 2014 أشد الأعوام صخبًا واضطرابًا وتوترًا- ملفات مفتوحة ونهايات غير مكتملة لقضايانا العربية المصيرية
أكثر من 15 مليون طفل يعانون من الصراعات والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الوسطى
الأزمة في سوريا والعراق وظهور تنظيم داعش على رأس هذه الأزمات في منطقة الشرق الأوسط
لا تزال الأزمة السورية تراوح مكانها، فالنظام السوري يدعمه (حزب الله) وإيران يمارس أبشع أنواع الإجرام بحق الشعب السوري
لقي 37 ألف مسلم مصرعهم في أعمال العنف والإبادة التي اجتاحت العديد من الدول العربية وغيرها من البلدان الإسلامية.
أجرى معهد كارنيجي للسلام استطلاعًا لرأي الخبراء حول أهم أحداث عام 2014، وأي من هذه الأحداث أكثر محورية وتأثيرًا في الأحداث السياسية خلال العام الفائت، وتعرضت الأسئلة لأهم الأزمات التي تفجرت خلال عام 2014 والمرشحة للاستمرار لفترة أطول خلال العام الحالي 2015؛ وسننتقي من هذا التقرير أهم ما جاء فيه، كما نتعرض بالتحليل لأهم الأحداث السياسية في منطقتنا العربية التي أثرت عموما على مجريات الأحداث في تلك البلدان.
أكثر الأزمات أهمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تعد منطقة الشرق الأوسط بؤرة كبيرة من الأزمات التي تفاوتت أهميتها بالنسبة للباحثين المستطلعة آراؤهم، فقد جاءت الأزمة في سوريا والعراق وظهور تنظيم داعش على رأس هذه الأزمات بنسبة بلغت 47%، تلتها الأزمة الأوكرانية وتداعياتها على العلاقات بين روسيا والغرب بنسبة 27%، بينما حصل كل من وباء الإيبولا والأزمة في قطاع غزة على نسبة بلغت 4٪.، وحصلت أزمة تنظيم داعش منفردة على نسبة بلغت 63%، تلتها الحرب في سوريا بين نظام بشار الأسد وبين معارضيه بنسبة 29%، بينما جاء النزاع القائم في مصر بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين على رأس الأولوية عند 6% فقط من الباحثين.
الحرب على غزة
كان من أهم الأحداث في العام الفائت الحرب على غزة والتي أطلق عليها حرب الخمسين يومًا، التي قامت فيها إسرائيل بشن الهجوم على غزة وتدمير المنازل وقتل الآلاف وتشريدهم، والذي بدأ فيها النزاع فعليًا يوم 8 يوليو 2014 على إثر موجة تظاهرات قامت جراء خطف القوات الإسرائيلية للطفل الفلسطيني محمد أو خضير وتعذيبه وحرقه على أيدي مجموعة مستوطنين، تبعها دهس إسرائيلي لعاملين فلسطينيين.
استمر النزاع حتى تم وقف إطلاق النار رسميًا في أواخر أغسطس من العام الفائت، وراح ضحية هذا الصراع ما يقارب الـ 3 آلاف فلسطيني، فضلاً عن أكثر من 10 آلاف جريح، ويعد هذا النزاع من أكثر الاشتباكات دموية خلال العام المنصرم؛ حيث اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل بارتكاب جرائم حرب لتدميرها ما يقرب من 120 ألف منزل، وإسقاط آلاف الجرحى.
ظهور داعش وشن الحرب عليها
إلا أن الحدث الأكبر الذي شهده العام الفائت ولا تزال تداعياته واضحة هو اجتياح تنظيم (داعش) شمال العراق وسيطرته على ثاني كبرى المدن العراقية – الموصل – وتمدده إلى مناطق أكبر في كل من العراق وسوريا، الأمر الذي يمثل أكبر امتحان للعالم العربي، فالتنظيم الذي برز من ركام الحرب الأهلية السورية، وتوسع بسبب السياسات الطائفية في العراق والتي انتهجتها الحكومة السابقة بقيادة نوري المالكي، تحول خلال العام الماضي إلى تهديد واضح ليس للمنطقة العربية فقط ولكن لأوروبا وأمريكا، بسبب الخوف من إعادة إنتاج ظاهرة الأفغان العرب.
وقد أدت سياسات جماعات العنف التي تتبنى الأفكار المغالية إلى تدخلات غربية – إيرانية بقيادة الولايات المتحدة لوقف زحف تلك الجماعات التي يبدو أنها تجاوزت الخطوط الحمراء المرسومة؛ حيث أجبر (داعش) الرئيس باراك أوباما على التخلي عن تردده وإنهاء استراتيجية (النأي بالنفس) ولاسيما فيما يتعلق بسوريا والعراق، وأعاد طائراته الحربية للمنطقة وأرسل أكثر من 3 الآف جندي أمريكي إلى العراق.
وإذا كانت (داعش) قد رسمت بدايات الخيوط المشتعلة خلال عام 2014، إلا أنه أبقى على تلك الخيوط ممتدة مرهونة باستراتيجيات جديدة لتكمل النهايات المفتوحة، التي باتت أمرًا محيرًا، ولاسيما مع عدم وضوح الهدف من طريقة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن بشأن مستقبل هذا التنظيم.
الأزمة السورية تراوح مكانها
لا تزال الأزمة السورية تراوح مكانها، فالنظام السوري ومن أمامه ومن خلفه (حزب الله) وإيران يمارسون أبشع أنواع الإجرام بحق الشعب السوري، فيما يقف العالم العربي يشاهد الموقف من بعيد، والمجتمع الدولي لا يحرك ساكنًا، ولا يوجد أحداث مؤثرة في المشهد السوري خلال العام المنقضي إلا فيما يخص (داعش)، التي تعد جزءًا من لغز معقد، يواصل فيه نظام الأسد عملياته ومحاولته البقاء في اللعبة ويواجه عددًا من قوى المعارضة، فيما تقف الإدارة الأمريكية حائرة بين رغبتين متضاغطتين هما رغبة تركيا في الإطاحة بنظام بشار ورغبة إيران في الإبقاء عليه رغم كل ما تشهده البلاد من دمار.
مصر وأهم خمسة أحداث سياسية
برغم أن مصر نجت من محرقة ما يعرف بالربيع العربي باستثناء المواجهات المسلحة بين جماعة الإخوان المسلمين والجيش والشرطة فيما عرف بفض ميدان رابعة، الذي راح ضحيته المئات من أبناء الشعب المصري عقب الإطاحة بالدكتور محمد مرسي، إلا أن عام 2014 شهد أيضًا أحداثًا شديدة الخطورة، ومن أهم هذه الأحداث، الاستفتاء على الدستور في شهر يناير، وفوز عبد الفتاح السيسي بالرئاسة، ثم تدشين مشروع قناة السويس الجديدة في أغسطس الماضي، فضلا عن عودة مصر إلى حضن إفريقيا في يوليو، وأخيرًا تبرئة القضاء لمبارك من قتل المتظاهرين بنوفمبر الماضي، الذي لم يلق القبول لدى الكثير من المراقبين والمعارضين فضلا عن رجل الشارع العادي، الذي رأى هذا القضاء نفسه يأمر بإحالة أوراق 683 متهمًا إلى المفتي والحكم نهائيًا علي 37 متهمًا بالإعدام وعلي 491 بالمؤبد، تلك الأحكام التي وصفها بعضهم بأنها أحكام قياسية في تاريخ القضاء المصري لم يسبق لها مثيل.
تونس والنجاة من محرقة الثورة
أما على الصعيد التونسي فقد نجت تونس أيضًا من محرقة الثورة وتداعياتها الكارثية دون خسائر تذكر على الصعيد الشعبي، وقد شهدت تونس حدثين مهمين خلال العام المنصرم، وهما:
1. انتخابات برلمانية: فازت فيها حركة نداء تونس التي يتزعمها أحد رموز نظام الرئيس المخلوع بن علي بالمركز الأول، تليه حركة النهضة الإسلامية بالمركز الثاني بفارق نحو عشرين مقعدًا.
2. الانتخابات الرئاسية: وكان أبرز المتنافسين فيها هو الباجي قائد السبسي زعيم حركة نداء تونس، والمنصف المرزوقي الرئيس السابق، وفاز فيها السبسي في الجولة الثانية.
ويرى كثير من المراقبين أن المال السياسي كان له دور كبير في حسم نتيجة الانتخابات التونسية، وهو ما أثر جدا على النتيجة.
السعودية والتنظيمات الإسلامية
أما الحدث الأبرز في المملكة العربية السعودية فكان إعلانها أن جماعة الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وحزب الله منظمات إرهابية، فضلا عن إعطائها مهلة أقصاها 15 يوم لعودة السعوديين المشاركين في هذه التنظيمات.
اليمن والأزمة الحوثية
شهد عام 2014 توقيع القوى اليمنية المختلفة على وثيقة مخرجات الحوار الوطني، وهو مؤتمر جرى التحضير والإعداد له بدعم خارجي غير مسبوق، استمر لمدة عشرة أشهر حتى 25 يناير 2014، في سعي طموح لمداواة جروح البلد بعد الإطاحة بـ «علي عبد الله صالح» بعد حكم دام 33 عامًا.
وشارك الحوثيون المدعومون من إيران - في الحوار الوطني، لكنهم سرعان ما انقلبوا على مخرجاته، وبدؤوا في فرض أنفسهم بقوة السلاح والسيطرة على بعض المدن في المحافظات التي يوجدون فيها، ثم كشروا عن أنيابهم وبدأت مرحلة الحسم لديهم، فسيطروا على المحافظات المحيطة بالعاصمة صنعاء واحدة تلو الأخرى، ثم أعلنوا الاعتصام في العاصمة بحجة الاعتراض على قرارات اقتصادية عدة اتخذتها الحكومة، ثم سرعان ما بسطوا سيطرتهم على العاصمة والوزارات كافة، وسط اتهامات كثيرة بتواطؤ رجال الدولة وعلى رأسهم الرئيس عبد ربه منصور هادي ووزير الدفاع، وأجبر الحوثيون القوى السياسية على توقيع اتفاق (السلم والشراكة) بقوة السلاح، لكنهم سرعان ما نقضوا هذا الاتفاق واستمروا في بسط السيطرة على البلاد.
يمكن القول باختصار: إن عام 2014 هو العام الذي ابتلع فيه الحوثيون اليمن، وباتوا يتحكمون في كل شاردة وواردة فيه، وبالتبعية صار اليمن ولاية إيرانية وشوكة جديدة في حلق السنة ودول الخليج.
تداعيات أحداث 2014 على الواقع العربي
ويبدو في المشهد العربي المضطرب أهم مصادر القلق التي دشنتها الأحداث خلال عام 2014، موجات اللجوء التي لم تتوقف، ولاسيما مع استمرار الحرب في سوريا الذي خلق موجات متلاطمة من اللجوء، كما اضطرت أقليات عراقية مثل المسيحيين (الكلدان) والأيزيديين متسابقين مع العرب السنة للهرب من وجه تنظيم (داعش)، إلا أن الحالة السورية تبقى نموذجًا صارخًا على تخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته مع استمرار بعض الدول بإدارة ظهرها للاجئين ومنعهم من الدخول لأراضيها.
ومع استمرار صرخات الأمم المتحدة بالتعاون لتوفير الحماية للاجئين ولاسيما السوريين، ينتظر أصحاب المأساة وعودًا قالت المنظمة الدولية: إنها حصلت عليها من 28 دولة، بشأن قبول عشرات الآلاف من هؤلاء اللاجئين ليصل العدد إلى 130 ألفا في العام القادم 2015، وهو ما يعني أيضًا أن البدايات المنفجرة لأزمة اللاجئين لم يضع لها عام2014 نهاية مكتملة.
حصاد الدم: 37 ألف قتيل من المسلمين في 2014
لقي 37 ألف مسلم مصرعهم في أعمال العنف والإبادة التي اجتاحت العديد من الدول العربية وغيرها من البلدان التي يوجد فيها أقليات مسلمة خلال عام 2014 فقط، وما زال حصاد العنف مستمرًا مع اشتعال تلك الصراعات.
وذكرت صحيفة (واشنطن تايمز) الأمريكية أن عدد الضحايا لا يشمل سوي عدد قليل من الدول بما فيها فلسطين والعراق وسوريا وباكستان وأفغانستان وجمهورية أفريقيا الوسطي وبورما.
وتشير الإحصاءات إلى أن ما بين 50 إلى 80٪ كانوا من المدنيين غير المقاتلين بمن فيهم الأطفال الصغار، وتواجه جمهورية إفريقيا الوسطي (CAR) واحدة من أشد الأزمات؛ حيث يقتل نحو ألف من المدنيين شهريا لدرجة أن المراقبين الدوليين يؤكدون عدم قدرتهم علي إحصاء عدد القتلى، كما بدأت الأمم المتحدة في أبريل الماضي إعداد تقرير حول إمكانية إعلان حالي للإبادة الجماعية في إفريقيا الوسطي وسط نزوح أكثر من مليون مسلم من البلاد.
وخلال العام الفائت، ووفقا لقاعدة بيانات إحصاء الجثث العراقية لقي نحو 7658 مدنياً مصرعهم منذ بداية العام، بمعدل يقترب من ألف عراقي شهريا، وقد أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من ألف شخص قتلوا في العراق خلال شهر واحد فقط مع تقدم تنظيم (داعش) وسيطرته علي العديد من المدن العراقية.
كما شهدت أفغانستان تناميًا خطيرًا في العنف العام الحالي؛ مما أدي إلى مقتل أكثر من ألف طفل.
ووفقا للأمم المتحدة بلغ عدد الضحايا من المدنيين الأفغان خلال العام الحالي نحو 5 آلاف شخص.
المرأة والطفل ضحايا صراعات 2014
ومما يلفت الانتباه في أحداث عام 2014م، الأحداث الجسيمة والآثار الوخيمة التي خلفتها تلك الأحداث على المرأة والطفل في البلدان التي عانت من ويلات هذه الأحداث؛ حيث يعاني أكثر من 15 مليون طفل من الصراعات والنزاعات في جمهورية إفريقيا الوسطى، والعراق، وجنوب السودان وفلسطين، وسورية؛ وأصبح الكثير منهم بفعل هذه الصراعات نازحين أو لاجئين، ويقدر أن 230 مليون طفل في العالم يعيشون حاليًا في دول ومناطق تتأثر بالنزاعات المسلحة.
وفي تقرير الأمم المتحدة حول ما تعرض له الأطفال من عنف وقتل وتشريد خلال عام 2014م أن أثر النزاع الجاري في جمهورية إفريقيا الوسطى على 2,3 مليون طفل، وتسبب في تجنيد ما قد يصل إلى 10,000 طفل من قبل المجموعات المسلحة، وتعرض أكثر من 430 طفلا إلى القتل والتشويه أي ثلاثة أضعاف ما كان عليه سنة 2013م.
أما في غزة، فقد تسبب العدوان الصهيوني الذي استمر لخمسين يوما خلال الصيف الماضي في فقدان 54.000 طفلا لمنازلهم، فضلا عن مقتل 538 طفلا وإصابة 3.370 آخرين، بحسب ما ذكرت (اليونيسيف).
وفي سورية، يتأثر 7.3 ملايين طفل تحت اضطهاد النظام السوري، منهم 1،7 مليون طفل لاجئ، وبحسب الأمم المتحدة كان هناك 35 هجمة على المدارس خلال الشهور التسعة الأولى من السنة، تسببت في مقتل 105 أطفال، وإصابة 300 آخرين.
أما في العراق، فيقدر أن 2،7 مليون طفل يتأثرون بالصراع، ويعتقد أن 700 طفل تعرضوا للإصابة والقتل وحتى الإعدام، وفي كلتا الدولتين كان الأطفال ضحايا للعنف الوحشي كما كانوا شهودًا عليه، وشاركوا بارتكابه في بعض الحالات.
أطفال جنوب السودان سوء تغذية وصراع مع الإيبولا
وفي جنوب السودان، يقدر أن 235،000 طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد والشديد، كما وصل عدد الأطفال النازحين إلى 750.000، ووصل عدد اللاجئين منهم إلى 320،000، وبحسب البيانات التي تحققت منها الأمم المتحدة قتل أكثر من 600 طفل، بينما تعرض 200 آخرون للإصابات والتشويه، وتم استخدام 12،000 طفل من قبل المجموعات والقوات المسلحة.
كما شهد عام 2014 تهديدات خطيرة جديدة على صحة الطفل وسلامته، ولاسيما مع تفشي مرض الإيبولا في غينيا وليبيريا وسيراليون؛ مما يتّم الآلاف من الأطفال، وتسبب في عدم ذهاب 5 مليون طفل تقريبا إلى المدرسة.
أشد الأعوام صخبًا واضطرابًا
ختامًا: إذا كان العام الفائت 2014 أشد الأعوام صخبًا واضطرابًا وعنفًا وتوترًا، فإن الأمل ما زال معقودًا على الآتي من الأيام، وتبقى السيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات، لكنها تأتي هذه المرة مغلفة بمزيد من الترقب الحذر لاكتمال النهايات المفتوحة التي دشن العام الماضي بداياتها المحترقة، نسأل الله أن يجنب بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن.
لاتوجد تعليقات