رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 13 يوليو، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. الغيرة من دلائل الإيمان ومكارم الأخلاق (١-٢)

  • كانت غيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مظهراً لكمال العبودية لله وتعظيمًا لحرماته وسدا لكل ما يفضي إلى انتهاكها أو التهاون بها
  • غيرةُ الله سبحانه صفةُ كمالٍ تليق بجلاله وليست كغيرة المخلوقين فهي تقتضي كراهيةَ المعاصي وانتهاكَ حدوده ومقت ما حرَّمه على عباده
  • الغيرة وثيقة الصلة بالحياء والمروءة فمَن فَقَدَ حياءه ماتت غيرته ومن ضاعت مروءته هانت عليه الكرامة ولم يغر على محارمه
  • لم تنظر الشريعة الإسلامية إلى الغيرة على أنها مجرد انفعالٍ نفسي بل جعلتها خُلُقًا فطريًا تُصان به الأعراض وتُحفَظ به الحرمات

خلق الله -سبحانه وتعالى- الإنسان واستودع فيه غرائز شتى تُقيم مصالحه، وتحفظ كرامته، وتحوط حماه من الابتذال والضياع، ومِن أَجَلِّ هذه الغرائز قَدْرًا، وأعظمها في سياسة النفس والمجتمع أثراً خلق الغيرة، إنها النبضة الحية في قلب الحر، والمقياس الدقيق الذي يقاس به بقاء الفطرة على نقائها، أو هبوطها في دركات التحلل والابتذال، والغيرة في حقيقتها ليست مجرد انفعال طارئ أو مزايدة أخلاقية؛ بل هي سياج نفسي وعقدي متين، يحمي الحرمات، ويصون الأعراض، ويقمع عاديات الفساد قبل أن تستشري في جسد الأمة.

  • المعنى اللغوي للغَيْرَة: مأخوذة من مادة (غَ يَ رَ) التي تدل على صلاحٍ وإصلاحٍ ومنفعةٍ، قال ابنُ فارسٍ: ومن هذا الباب الغَيْرَة؛ لأنها صلاحٌ ومنفعةٌ.
  • وفي الاصطلاح: قال الكفوي: هي كراهة الإنسان اشتراك غيره فيما هو من حقه، وقال ابن حجر: الغيرة: تغير القلب وهيجان الغضب؛ بسبب الإحساس بمشاركة الآخر فيما هو حق الإنسان، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، وهذه الغريزة يشترك فيها الرجال والنساء، بل قد تكون في النساء أكثر وأشد.

أقسام الغيرة

الغيرة تنقسم من حيث المتعلَّق إلى قسمين رئيسين:
  • غيرة الدين والعقيدة: وهي ثوران القلب غضباً إذا انتُهكت محارم الله -تعالى-، أو عُصي أمره، أو جُهر بالباطل في أرضه، وهذه غيرة شرعية إنما تحصل للمؤمن؛ لأنه يحب الله ويكره ما يغضبه.
  • غيرة العرض والحِمى: وهي حمية الرجل على أهله، ومحارمه، وصيانتهن عن أعين الأجانب، وعن مواطن الريب والتبذل، وهذه غيرة فطرية تحصل للكافر كما تحصل للمؤمن، مالم تنتكس الفطرة لدى الكافر؛ فأول ما يذهب بسببها الغيرة الفطرية وليس له دين يردعه ويأمره بصيانة العرض، أما المؤمن فله حاملان يحملانه على صيانة عرضة فطرته ودينه.
والغيرة بمفهومها العام وثيقة الصلة بخلقين عظيمين: الحياء والمروءة، فمَن فَقَدَ حياءه ماتت غيرته، ومَن ذهبت مروءته رضي بالدون وسقط في دركات الدياثة؛ فالغيرة هي الثمرة الفطرية    للمروءة.

المفهوم الشرعي للغيرة

         إذا كانت الغيرة خُلُقاً فطريًا أودعه الله في النفوس لصيانة الأعراض وحماية الحرمات، فإن الإسلام لم يتركه خاضعاً لمجرد الانفعالات العاطفية أو الأعراف المتقلبة، بل تبناه وهذّبه وربطه بمقاصد الشرع وأحكامه، فليست الغيرة في الإسلام اندفاعاً أعمى تحركه الأوهام والشكوك، ولا هي تبلدٌ وتفريط يفضي إلى ضياع الحرمات، وإنما هي خُلُقٌ يتوازن فيه مقتضى الفطرة مع هداية الوحي ورشد العقل، ومن هنا جاءت النصوص الشرعية لتجعل الغيرة المحمودة من دلائل الإيمان ومكارم الأخلاق، ولتضع لها من الضوابط ما يحفظها من الإفراط والتفريط؛ فلا تتحول إلى سوء ظنٍّ وتوجسٍ مرضيٍّ يفسد العلاقات ويهدم الثقة، ولا تذوب حتى تصل إلى التساهل المذموم الذي يفضي إلى انتهاك الحدود الشرعية. وبهذا التوازن الدقيق تتجلى الغيرة في الإسلام خُلُقاً راشداً، يجمع بين حرارة العاطفة وحكمة العقل، وبين قوة الحمية والانضباط بأحكام الشرع.

حماية الغيرة وصيانة الأعراض

          لم تنظر الشريعة الإسلامية إلى الغيرة بوصفها انفعالاً نفسياً مجرداً، وإنما عدتها إحدى الوسائل الفطرية التي تحفظ بها الأعراض، وتصان بها الحرمات، وتستقر بها الأسر؛ ولذلك لم تكتفِ بإقرار هذا الخلق، بل أحاطته بمنظومة متكاملة من الأحكام والتوجيهات التي تجعل منه أداة بناء وإصلاح، لا سبباً للاضطراب أو الفساد.

حماية العفاف وحفظ المجتمع

          فمن تأمل التشريع الإسلامي وجد أن جانباً كبيراً من أحكامه يدور حول حماية العفاف وصيانة المجتمع من أسباب الانحراف؛ فحرّمت الفواحش وشدِّدت في أمرها، وسدَّت الذرائع المفضية إليها من خلوة محرمة، أو نظر محظور، أو تبرج وإبداء للزينة، قال -تعالى-: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}. وقال - صلى الله عليه وسلم -: « إياكم والدخول على النساء!..»، وقال: «لا يَخلونَّ رَجُلٌ بامرَأةٍ إلَّا ومعها ذو مَحرَمٍ، ولا تُسافِرِ المَرأةُ إلَّا مع ذي مَحرَمٍ، فقامَ رَجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ امرَأتي خَرَجَت حاجَّةً، وإنِّي اكتُتِبتُ في غَزوةِ كَذا وكَذا، قال: انطَلِقْ فحُجَّ مع امرَأتِكَ»، وهذه الأحكام في مجموعها تعكس غيرة الشريعة على الأعراض قبل وقوع الاعتداء عليه؛ إذ لم تقتصر على معالجة الجريمة بعد حدوثها، بل سعت إلى منع أسبابها وتجفيف منابعها، وسد الذرائع المفضية إليها.

مسؤولية الأسرة

        ولم تقف هذه الحماية عند حدود التشريعات العامة، بل أُنيطت بالأسرة مسؤولية مباشرة في رعاية هذا المقصد من خلال نظام القوامة والرعاية الأسرية، فجعل الله -تعالى- الرجل مسؤولاً عن حماية أهله وتوجيههم وصيانة بيته من أسباب الفساد، في إطار من الرحمة والحكمة والمسؤولية، لا في صورة تسلط أو استبداد؛ ولهذا جاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» ليؤكد أن الغيرة ليست مجرد شعور قلبي، بل مسؤولية عملية تقتضي الحفظ والرعاية والنصح.

دائرة الغيرة

         ثم وسّعت الشريعة دائرة الغيرة من نطاق الأسرة إلى نطاق المجتمع كله عبر شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن صيانة الفضيلة ليست واجب الأفراد وحدهم، وإنما هي مسؤولية جماعية تتكامل فيها جهود الأمة لحماية قيمها وأخلاقها. فالمؤمن يغار إذا انتهكت حدود الله، ويسعى إلى الإصلاح بحسب استطاعته، محافظةً على سلامة المجتمع وحمايةً له من مظاهر الانحلال والفساد، فقال صلى الله عليه وسلم :» مَن رَأى مِنكُم مُنكَرًا فليُغَيِّرْه بيَدِه، فإن لَم يَستَطِعْ فبِلِسانِه، فإن لَم يَستَطِعْ فبِقَلبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ».

رفض التبلُّد وفقدان الحمية

         وفي المقابل، لم تُقِرّ الشريعة حال التبلُّد وفقدان الحمية التي تؤدي إلى إهدار الحرمات والتساهل في المنكرات، بل عدّتها انحرافاً خطيراً يناقض مقصود الحفظ والرعاية، وجاء الوعيد الشديد في شأن الدياثة؛ لما يترتب عليها من ضياع الأمانة الأسرية وانهيار الحواجز الأخلاقية التي تحفظ المجتمع، ففي الحديث:» ثلاثةٌ لا يدخلون الجنَّةَ أبدًا: الدَّيُّوثُ والرَّجِلةُ من النِّساءِ ومدمنُ الخمرِ، قالوا يا رسولَ اللهِ، أمَّا مدمنُ الخمرِ فقد عرفناه فما الدَّيُّوثُ؟ قال: الَّذي لا يُبالي بمن دخل على أهلِه! قلنا فما الرَّجِلةُ من النِّساءِ؟ قال الَّتي تُشبَّهُ بالرِّجالِ»،، وفي الأثر عن زيد بن أسلم: «إنَّ الغَيرةَ منَ الإيمانِ، وإنَّ المِذاءَ منَ النِّفاقِ، والمذاءُ الدَّيُّوثُ».

ضوابط الغيرة

        ومع ذلك كله لم تترك الشريعة الغيرة بلا ضابط، بل قيدتها بالعدل والبصيرة، حتى لا تنقلب إلى سوء ظن أو وساوس أو اتهامات لا تقوم على بينة. فالغيرة المحمودة هي التي تنشأ عن ريبة معتبرة أو أمارات ظاهرة تستدعي الحذر والاحتياط، أما الغيرة المبنية على الأوهام والشكوك المجردة فهي مذمومة؛ لأنها تهدم الثقة وتفسد العلاقات وتوقع الناس في الظلم والعدوان، ومن هنا اجتمع في التشريع الإسلامي مقصدان متكاملان: حماية الأعراض من جهة، وحماية النفوس والبيوت من الشكوك والاتهامات الباطلة من جهة أخرى، وبذلك تظهر الغيرة في الإسلام جزءاً من منظومة متكاملة لحفظ العرض والعفاف، تقوم على الوقاية قبل العلاج، والمسؤولية قبل العقوبة، والتوازن بين الحزم والعدل، حتى يبقى المجتمع مصوناً من أسباب الفساد، وتحيا الأسر في ظل الثقة والطهر والاستقرار.

غيرة الله -تعالى- ومعناها في التشريع

        غيرة الله -سبحانه- ليست كغيرة المخلوقين، بل هي صفة كمال تليق بجلاله، حقيقتها كراهة وقوع المعاصي وانتهاك حدوده، ومقتُ ما حرّمه على عباده، وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى فقال: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ». وتظهر آثار هذه الغيرة الربانية في التشريع كله؛ إذ جاءت النصوص مشددة في باب حفظ الأعراض وصيانة المجتمع من الفواحش، قال -تعالى-: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، وقال -سبحانه-: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. وفي الحديث الصحيح: «لا أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن»، فكل ما شرعه الله من سدّ الذرائع إلى الفساد، وتحريم الزنا والقذف، والأمر بالحجاب وغض البصر، إنما هو من آثار غيرته -سبحانه- على عباده، وحفظه لهم من التلوث بالمعاصي وانهيار القيم.

غيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -

       كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكمل الناس غيرةً وأعظمهم تعظيماً لحدود الله، حتى قرن غيرته بغيرة ربه -سبحانه-، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي»، وقد كانت غيرته -صلى الله عليه وسلم - غيرةَ تعظيمٍ لحرمة الله قبل أن تكون غيرة شخصية، فكان إذا انتُهكت محارم الله تغيّر وجهه وغضب لله، ولا ينتقم لنفسه قط، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: «ما انتقم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لنفسه قط، إلا أن تُنتهك حرمات الله فينتقم لله بها».

أبرز صور  غيرة النبي -صلى الله عليه وسلم -

        ومن أبرز صور غيرته - صلى الله عليه وسلم - ما وقع في شأن فاطمة -رضي الله عنها- حين خطب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ابنة أبي جهل؛ فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا»، فامتنع على - رضي الله عنه - مراعاةً لحقها وصيانةً لمكانتها. ولا تعارض بين حديث عائشة -رضي الله عنها- وقصة علي - رضي الله عنه -؛ فمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - لعليٍّ - رضي الله عنه - من تلك الخطبة لم يكن دافعه غيرةً شخصية أو انتصاراً للنفس، بل كان غيرةً تشريعية لحرمات الله وصيانةً لجناب النبوة، وبيان ذلك أن الجمع بين ابنة نبي الله وابنة عدو الله تحت سقف واحد يؤول إلى فتنة فاطمة -رضي الله عنها- في دينها بسبب الغيرة الفطرية، وهو ما يورثها غماً يفضي بالضرورة إلى إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما كان أذى النبي - صلى الله عليه وسلم - محرماً في التشريع، جاء منعه - صلى الله عليه وسلم - صيانةً لصهره عليٍّ من الوقوع في هذا المحظور العظيم وحمايةً لبضعته، فدارت غيرته - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموقف مع الحق والشرع تماماً كما وصفتها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-.

مظهر لكمال العبودية

       وهكذا كانت غيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مظهراً لكمال العبودية لله، وتعظيماً لحرماته، وسداً لكل ما يفضي إلى انتهاكها أو التهاون بها، فكانت سنته -[- الميزان الذي تُضبط به الغيرة: غيرةٌ قائمة على الحق، منضبطة بالعدل، متجهة إلى صيانة الدين لا إلى اتباع الهوى، وفي قصة الإفك وسلوك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ما يدل على أهمية التريث والحلم والحيطة والتوسط في الأمور والتثبت فيها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك