سلسلة الأخلاق الإسلامية – التسامح ..من أعظم الأخلاق
- إن صاحب السماحة لا تطيب نفسه بأخذ حقٍّ لم تطب به نفسُ صاحبه فيؤثر العفو والتنازل متى كان الحق له ابتغاءً لسلامة القلوب وحسن العشرة
- صاحب السماحة لا يتتبع حقوقه على الناس ولا يوقعهم في الحرج بل يوازن بين ما له وما عليه ويعامل إخوانه برفق ويقدر ظروفهم ويلتمس لهم العذر
- إن إنظار المعسر أو التجاوز عن القرض أو عن جزء منه صورة عظمية من صور الكرم وسماحة النفس
- سماحة النفس سببٌ لجلب الخير الدنيوي إذ يحب الناس صاحبها ويقبلون على التعامل معه فتكثر منافعه وتتسع دائرة علاقاته
- السماحةُ لغةً: مصدرُ سَمَحَ يَسْمَحُ سَمَاحَةً، وتدلُّ مادةُ (سَ مَ حَ) -كَمَا يقولُ ابنُ فارسٍ-: على معنى السلاسةِ والسهولةِ، وقال الجوهري: السماحُ والسماحةُ: الجود. والمسامحةُ: المسَاهَلَةُ. وتَسَامَحُوا: تَسَاهَلُو. وقالَ ابنُ الأعرابي: سَمَحَ لَه بِحَاجَتِهِ، وأَسْمَحَ أيْ: أَسْهَلَ لَهُ.
- وفي الأَثَرِ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ سُئِلَ عنْ رجلٍ شَرِبَ لَبَنَاً مَحْضَاً، أيَتَوضَّأُ؟ قالَ: اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ، ومعنَاه سَهِّلْ يُسَهَّلْ لَكَ وَعَلَيْكَ، وقولُهُم: الحَنِيفَةُ السمْحَةُ ليسَ فيها ضِيقٌ ولا شِدَّةُ، ولَقَدْ سَمُحَ ــ بالضم ــ سَمَاحَةً وجَادَ بِمَا لَديْهِ.
- السماحةُ اصطلاحاً: السماحة في الاصطلاح تقال على وجهين:
- والمعنى الآخر: في معنى التسامح مع الآخر في المعاملات المختلفة ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها التي تتجلى في التيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين التي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.
السماحةُ في القرآنِ الكريمِ
جاءَ القرآنُ يدعو إلى السماحةِ والعفوِ عن الآخرينَ في جميعِ شؤونِ الحياةِ، ورغَّبَ فيهَا في غير مَا موضعٍ منْ القرآنِ منها: قوله -تعالى-: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (البقرة:237)، وقال -تعالى-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:256).السماحة في السنة النبوية
عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنْهُمَا- قالَ: قيلَ لرسول ِاللهِ - صلى الله عليه وسلم -:»أيُّ الأديانِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قالَ «الحنفية السَّمْحَةُ»، وعنْه - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:» اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ»، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- انْظُرُوا فِي النَّارِ هَلْ تَلْقَوْنَ مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: فَيَجِدُونَ فِي النَّارِ رَجُلًا؛ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُسَامِحُ النَّاسَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَسْمِحُوا لِعَبْدِي كَإِسْمَاحِهِ إِلَى عَبِيدِي ...»، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى»، وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا؛ فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ؛ تَجَاوَزُوا عَنْهُ».نماذج سماحة النبي - صلى الله عليه وسلم -
عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقُلْتُ: لَا أَجِدُ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَعْطِهِ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». وعَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ؛ فَأَرْسَلَهَا مَعَ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنْ التَّنْعِيمِ}. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَيْنٌ؛ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ؛ فَقَالَ: دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَقَالَ: اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ سِنًّا إِلَّا سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً».من صور السماحة
1- التنازل عن الحق إن صاحب السماحة لا تطيب نفسه بأن ينال حقـا لم تطب به نفس الطرف الآخر، فيؤثر التنازل أو السماحة إن كان الحق له، وهذا ما كان من عثمان ــ رضي الله عنه ــ حين اشترى من رجل أرضـا، فتأخر صاحب الأرض في القدوم عليه لقبض الثمن، وتبين له أن سبب تأخره أنه بعد أن تم العقد شعر البائع أنه مغبون، وكان الناس يلومونه كيف تبيعها بهذا الثمن ؟ قال عثمان: «فاختر بين أرضك ومالك» ثم ذكر له الحديث: «أدخل الله عز وجل الجنة رجلا، كان سهلا مشتريـا وبائعـا، وقاضيـا ومقتضيا». 2 ــ إنظار المعسر إن إنظار المعسر، أو التجاوز عن القرض أو عن جزء منه، صورة عظمية من صور الكرم وسماحة النفس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه ؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه»، بل إن التوفيق في الدنيا والآخرة مرهون بتيسيرك على أخيك المعسر: «من يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». 3 ــ رد القرض بأحسن منه وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد القرض بخير منه وبالزيادة فيه، ويقول: «أعطه؛ فإن خيار الناس أحسنهم قضاء». وما ترك صاحب القرض يمضي إلا وهو راض. 4 ــ السماحة مع الشريك كما شهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شريكه في التجارة قبل البعثة: (السائب بن عبدالله) بقوله له: «كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك، كنت لا تداريني ولا تماريني» أي كنت لا تدافعني في أمر ولا تجادلني، بل كنت شريكـا موافقـا، ولم ينسها له، وكانت سببـا من أسباب محبته له، وتكون سببـا من أسباب النجاة من النار لمن تخلق بها «حرم على النار كل هين لين سهل، قريب من الناس». 5 ــ رفع الحرج عن الناس صاحب السماحة لا يحرص على إيقاع الناس في الحرج، ولا يشغله التفكير بما له عن التفكير بما عليه من سماحة مع إخوانه وتقدير لظروفهم، وفي الحديث الصحيح:» أن الصحابي أبا اليسر ــ رضي الله عنه ــ كان له على رجل قرض، فلما ذهب لاستيفاء حقه اختبأ الغريم في داره ؛ لئلا يلقى أبا اليسر، وهو لا يملك السداد، فلما علم أبو اليسر أن صاحبه يتخفى منه حياء لعدم تمكنه من أداء ما عليه، أتى بصحيفة القرض فمحاها، وقال: «إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل» وبسماحته تلك أخرج أخاه من الحرج الشديد. 6 ــ السماحة مع من أساء وأبرز مواقف السماحة ما يكون مع من أساء إليك، كالذي جرى مع أبي بكر - رضي الله عنه - حين أقسم ألا ينفق على مسطح بن أثاثة ؛ لتورطه في حديث الإفك، فأمره الله -تعالى- أن يعفو ويصفح، فكفر عن يمينه، وعاد ينفق عليه، وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم» ، وقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله: «وإذا ما غضبوا هم يغفرون»(الشورى: 37). 7 ــ السماحة بين تهمة العجز أو الفجور وقد يوسوس الشيطان للمسلم: إنك لو تسامحت وصفك الناس بالعجز، وظنوا فيك الضعف، ولأن تؤثر أن يقال فيك ما يقال خير لك من الوقوع في الفجور. ولابد من الإشارة إلى أن السماحة هنا مع أصحاب الفلتات من المسلمين، أما الذين يظلمون الناس، ويصرون على ذلك، فيعاملون بخلق الانتصار.
وسائل اكتساب السماحة
- التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها من يتحلى بهذا الخلق، وتأمل الفوائد التي يجنيها سمح النفس في العاجل والآجل.
- التأمل في المحاذير والعواقب التي يقع فيها نكد النفس، وما يجلبه ذلك من مضار، ومتاعب، وخسائر مادية، ومعنوية.
- الاقتناع الإيماني بسلطان القضاء والقدر.
من فوائد السماحة
- يحبها الله ورسوله والملائكة المقربون.
- يضفيها الله على وجوه المؤمنين لتكون لهم علامة مميزة في الدنيا والآخرة.
- السمح محبوب لدى أهله ومجتمعه.
- السماحة في البيع والشراء باب عظيم من أبواب كسب الرزق وتكثيره.
- السماحة تجلب التيسير في الأمور كلها.
- بالسماحة يغنم الإنسان أكبر قدر من السعادة وهناءة العيش.
- سماحة النفس سببٌ لجلب الخير الدنيوي؛ إذ يحب الناس صاحبها، ويقبلون على التعامل معه، فتكثر منافعه وتتسع دائرة علاقاته.
- السماحة في التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى تجلب لهم الطمأنينة والأم؛ فيؤدي ذلك إلى حبهم للمتسامحين معهم ومعاونتهم، ثم الدخول في هذا الدين الذي يقر مبدأ التسامح مع الآخرين، وقد حدث ذلك عقب الفتوح الإسلامية.
لاتوجد تعليقات