سلسلة الأخلاق الإسلامية .. البشارة {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}
- البشارة منهج رباني وسنة نبوية عظيمة بها تُفتح القلوب وتُبعث الهمم ويقوى الرجاء ويثبت المؤمن على طريق الطاعة
- البشارة والنذارة جناحان متكاملان لا تستقيم الدعوة إلا بهما فالبشارة تغرس الرجاء والنذارة توقظ القلب من الغفلة
- البشارة من أعظم ما يشرح الصدور ويبعث الطمأنينة ويقوي العزائم ويجدد الأمل ولذلك كانت من أنجح وسائل التربية والدعوة
من أعظم الأساليب التربوية التي اعتنى بها القرآن الكريم والسُنَّة النبوية أسلوب البشارة؛ لما له من أثر بالغ في بعث الأمل، وتقوية الإيمان، وتحفيز النفوس على الطاعة، وتثبيت المؤمنين في أوقات الشدة والابتلاء؛ ولذلك أكثر القرآن من تبشير أهل الإيمان والاستقامة، وجعل البشارة سمةً ملازمة لدعوة الأنبياء والمرسلين، حتى تظل أبواب الرجاء مفتوحة أمام عباد الله، ويعلموا أن فضل الله ورحمته أوسع من ذنوبهم وآلامهم.
مفهوم البشارة
البِشارة لغةً -بكسر الباء، وهو الأشهر، ويجوز ضمها- مأخوذة من مادة: (بشر)، وهي تدور حول معنى الظهور والحسن والجمال. قال ابن فارس: الباء والشين والراء أصل واحد يدل على ظهور الشيء مع الحسن والجمال، ومنه البشير؛ لأنه يُظهر السرور على الوجه، وقال الزجاج: أصل ذلك أن بشرة الإنسان تنبسط عند السرور، ومنه قولهم: لقيني ببِشر؛ أي بوجهٍ طلقٍ منبسط، والبشارة في أصل استعمالها لا تكون إلا في الخير، وإنما تستعمل في الشر إذا قُيِّدت به؛ كقوله -تعالى-: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وهذا من باب التهكم والتقريع. واصطلاحًا: هي كل خبرٍ صادقٍ يترتب عليه انشراح الصدر، وانبساط الوجه، وظهور أثر السرور على البشرة، ولذلك كان استعمالها في الخير أكثر وأشهر.البشارة في القرآن الكريم
جعل الله -تعالى- البشارة من أعظم ما يثبت به قلوب عباده، فجاءت في القرآن الكريم بأنواع متعددة، منها:- بشارة أهل الإنابة والهداية، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر).
- بشارة المخبتين، قال -تعالى-: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (الحج: 34).
- بشارة المستقيمين بالأمن والجنة، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا... وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} (فصلت: 30).
- بشارة المتقين، قال -تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى} (يونس).
- بشارة أهل الخشية بالمغفرة، قال -تعالى-: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (يس: 11).
- بشارة المجاهدين بالرضوان والنعيم المقيم، قال -تعالى-: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ} (التوبة: 21).
- بشارة التائبين بسعة الرحمة، قال -تعالى-: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الحجر: 49).
- بشارة المؤمنين بالجنة، قال -تعالى-: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} (البقرة: 25).
- بشارة المؤمنين بحسن المنقلب، قال -تعالى-: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (يونس: 2).
- بشارة المؤمنين بالفضل العظيم، قال -تعالى-: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} (الأحزاب: 47)، قال ابن القيم -رحمه الله-: «الفضل الكبير هو الجنة». وروى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن الصحابة لما نزل قوله -تعالى-: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله -تعالى-: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}، وفي المقابل جاءت البشارة للمنافقين بالعذاب على سبيل التهكم والتقريع، قال -تعالى-: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (النساء: 138)، وقد تكرر ذكر البشارة ومشتقاتها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، واقترنت غالبًا بالنذارة؛ لأن دعوة الرسل تقوم على الترغيب والترهيب معًا.
أهمية البشارة وأثرها في النفوس
البشارة من أعظم ما يشرح الصدور، ويبعث الطمأنينة، ويقوي العزائم، ويجدد الأمل، ولذلك كانت من أنجح وسائل التربية والدعوة، وفي صحيح مسلم، لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - من يهدم صنم ذي الخلصة، جاءه البشير فقال: «والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب»، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأحمس ورجالها خمس مرات، قال الإمام النووي -رحمه الله-: «وفيه استحباب إرسال البشير بالفتوح ونحوها مما يسر المسلمين».
البشارة في الدعوة إلى الله
اعتمد القرآن الكريم والسنة النبوية على البشارة وسيلةً أصيلةً في الدعوة، فقال -تعالى-: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} (الأنعام: 48)، وقال -سبحانه-: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (الأحزاب: 45)، وقد قُدمت البشارة على النذارة؛ لأن النفوس مجبولة على قبول من يفتح لها أبواب الأمل والرجاء، ومن أعظم صور ذلك تبشير النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، حين قال له جبريل -عليه السلام-: «اقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». فكانت هذه البشارة مكافأةً لها على ما قدمته من سكينة وطمأنينة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيها دلالة على أن الكلمة الطيبة، والتقدير، وبث الأمل، من أعظم وسائل تثبيت القلوب.البشارة بالنصر والتمكين
وكذلك بشَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالنصر والتمكين وهم في أشد مراحل الاستضعاف، فقال لخباب بن الأرت -رضي الله عنه -: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»، وكان يدعو الناس بقوله: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فجمع بين سهولة الدعوة، وعظم البشارة، ووضوح المقصد. أما إذا أصر الناس على الإعراض والاستكبار، جاء مقام الإنذار، كما قال -تعالى-: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»؛ فالداعية الحكيم هو الذي يوازن بين فتح أبواب الرجاء، والتحذير من أسباب الهلاك.الموازنة بين البشارة والنذارة
البشارة والنذارة جناحان متكاملان، لا تستقيم الدعوة إلا بهما؛ فالبشارة تغرس الرجاء، والنذارة توقظ القلب من الغفلة، ومن تأمل
دعوة الأنبياء وجدها قائمة على هذا التوازن؛ فلا إفراط في التخويف حتى يورث القنوط، ولا إفراط في الرجاء حتى يؤدي إلى التهاون بالمعاصي، قال -تعالى-: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} (البقرة: 213)، وقال -سبحانه-: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} (النساء: 165)، وقال -تعالى-: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (الرعد: 6)، وقال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-: «جمع الله في هذه الآية بين الوعد والوعيد؛ ليقوى رجاء العباد ويشتد خوفهم، فإن النفوس لا تستقيم إلا بالخوف والرجاء»، ولهذا كانت خديجة -رضي الله عنها- أول من بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - وثبته عند نزول الوحي، فقالت: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا...»، كما بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته فقال: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض».
البشارة منهج رباني أصيل
إن البشارة منهج رباني أصيل، وسنة نبوية عظيمة، بها تُفتح القلوب، وتُبعث الهمم، ويقوى الرجاء، ويثبت المؤمن على طريق الطاعة، وهي لا تنفصل عن النذارة، بل تكملها؛ فالمؤمن يسير إلى ربه بين خوفٍ يمنعه من المعصية، ورجاءٍ يحمله على العمل، كما قال بعض السلف: «القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر؛ رأسه المحبة، وجناحاه الخوف والرجاء». فجدير بالدعاة والمربين أن يجعلوا البشارة حاضرة في خطابهم، وأن يفتحوا للناس أبواب رحمة الله، مع تحذيرهم من أسباب سخطه، تحقيقًا لهدي القرآن، واتباعًا لمنهج سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -.
لاتوجد تعليقات