خواطر الكلمة الطيبة.. الأصل في العبادات التوقيف
- من القواعد العظيمة عند أهل السنة أن الأصل في العبادات التوقيف؛ أي إنه لا يجوز للعبد أن يتقرب إلى الله -تعالى- بعبادة إلا بدليل شرعي صحيح
- عامة المسلمين يعظمون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحرصون على اتباعها متى تبين لهم الدليل، وما على الدعاة إلا البلاغ بالحكمة وحسن البيان والرفق
ما زلنا نتحدث عن انتصارات دعاة التوحيد في بيان قضايا العقيدة والعبادة والمعاملة وفق ما دلَّ عليه كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بفهم السلف الصالح، وهذه الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُنّة، وفهم السلف الصالح، هي الأساس الذي يقوم عليه منهج أهل السُنّة والجماعة، أهل الحديث، أما كثير من الفرق الأخرى فإنها قد تعتني بالكتاب والسُنّة، لكنها لا تعطي لفهم السلف الصالح منزلته اللائقة، ومنهم من يعتمد على الأحاديث الضعيفة، ومنهم من يقتصر على القرآن الكريم ويعرض عن السنة، كالقرآنيين وأصحاب المدرسة العقلية.
الأصل في العبادات التوقيف
من القواعد العظيمة عند أهل السنة أن الأصل في العبادات التوقيف؛ أي إنه لا يجوز للعبد أن يتقرب إلى الله -تعالى- بعبادة إلا بدليل شرعي صحيح يدل على مشروعيتها. فالعبادات أمور غيبية لا تُعرف بالعقول والآراء، وإنما تُعرف بالوحي. والله -سبحانه- بيَّن ما يحبه ويرضاه لعباده عن طريق القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم نقل الصحابة -رضي الله عنهم- ذلك إلى الأمة؛ ولذلك فإن أي عبادة لا يدل عليها نص صحيح بفهم السلف الصالح لا يجوز إحداثها أو التقرب بها إلى الله -تعالى-؛ لأنها تدخل في دائرة البدع المحدثة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل بدعة ضلالة».من البدع المحدثة
ومن المسائل التي انتشرت في بعض البلاد خلال فترات سابقة: قيام بعض الناس لصلاة ركعتين بعد الأذان الأول للجمعة، بل وربما بعد الأذان الثاني، أو أثناء جلوس الإمام بين الخطبتين. وقد كان بعض المصلين يأتي مبكرًا إلى المسجد، فيصلي تحية المسجد وما شاء الله له من النوافل، ثم إذا أُذِّن الأذان الأول قام يصلي ركعتين مخصوصتين لذلك الأذان، ثم يعيد الأمر بعد الأذان الثاني، وربما أثناء الخطبة، مع عدم وجود دليل شرعي يثبت هذه الصلاة المخصوصة.هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي
لقد تركنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على المحجة البيضاء، فقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال أيضًا: «ما من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد دللتكم عليه». والصلاة من أعظم القربات إلى الله -تعالى-، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنواعها وأوقاتها وأعدادها، فشرع السنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، والنوافل المطلقة. ومع ذلك لم يُنقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه أنهم خصصوا ركعتين بعد أذان الجمعة. كما إن الأذان الأول للجمعة لم يكن موجودًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أمر به الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لتنبيه الناس واستعدادهم للصلاة بسبب اتساع المدينة وكثرة أهلها، ولم يشرع معه صلاة مخصوصة.جهود دعاة التوحيد في إحياء السُنّة
ومن فضل الله -تعالى- أن هذه الظاهرة قد انحسرت كثيرًا في زماننا، واختفت بنسبة كبيرة، وكان لدعاة التوحيد والدعوة السلفية دور بارز في ذلك من خلال نشر السنة وبيان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من البدع بالحكمة والموعظة الحسنة. فقد بذلوا جهودًا كبيرة في تعليم الناس السنن الصحيحة، وتصحيح المفاهيم الخطأ، وإحياء ما اندرس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى أصبح كثير من المصلين يعرفون هذه المسائل ويحرصون على موافقة السنة فيها.الدعوة إلى السنة بالحكمة والموعظة الحسنة
ومن الوسائل النافعة في محاربة البدع بيان الحق للناس بلطف وأدب. وأذكر أني كنت في مسجد سعد بن أبي وقاص، فلما انتهى الأذان قام أحد المصلين ليصلي، فنصحته بلطف وقلت له: «لو سمحت اجلس، فليس هناك سنة مخصوصة بعد هذا الأذان». ومثل هذه المواقف الهادئة أمام الناس تترك أثرًا كبيرًا في نشر السنة وإماتة البدعة؛ لأن عامة المسلمين يعظمون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحرصون على اتباعها متى تبين لهم الدليل، وما على الدعاة إلا البلاغ بالحكمة والرفق وحسن البيان.محبة الصحابة -رضي الله عنهم-
من أصول عقيدة أهل السُنَّة والجماعة محبة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والترضي عنهم، وذكرهم بالخير والثناء، والكف عما شجر بينهم من خلافات، اعتقادًا بأنهم خير هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وقد دلَّ على ذلك القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، فأمر الله المؤمنين بالدعاء للصحابة وسلامة الصدور تجاههم، وجعل ذلك من صفات أهل الإيمان، كما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - محبة الأنصار علامة على صدق الإيمان، فقال: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق»، وقال: «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار»، وهذا الحكم لا يختص بالأنصار وحدهم، بل يشمل سائر الصحابة؛ لما لهم من فضل السبق إلى الإسلام، والهجرة والجهاد، ونصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبذل الأموال والأنفس في سبيل إعلاء كلمة الله، وقد أجمع علماء أهل السُنَّة على وجوب محبتهم والترضي عنهم، ونشر فضائلهم ومحاسنهم، والاقتداء بهديهم، فهم الذين نقلوا إلينا القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، وحملوا أمانة هذا الدين إلى من بعدهم؛ فكانوا خير القرون بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تمام محبتهم الإمساك عما وقع بينهم من اجتهادات وخلافات، واعتقاد أنهم مجتهدون مأجورون، مع حفظ ألسنتنا وقلوبنا من الوقوع في أحد منهم؛ ولهذا كان حب الصحابة من الإيمان، وبغضهم أو الانتقاص منهم من علامات الانحراف عن منهج أهل السُنَّة والجماعة، فنسأل الله -تعالى- أن يملأ قلوبنا بمحبتهم، وأن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرضى عنهم أجمعين.
لاتوجد تعليقات