اعداد: وائل رمضان
22 أبريل، 2026
0 تعليق
باختصار .. حقّان عظيمان
ليستِ الأزمةُ التي عصفت بالأمّة مؤخرًا، وما رافقها من اعتداءٍ آثمٍ من إيران على الكويت ودول الخليج العربي، مجرّدَ صراعٍ سياسيٍّ يُقرأ بميزان المصالح والمفاسد فحسب؛ بل هي -في ميزان الشرع- نازلةٌ تُوزن بميزان الحقّ والباطل، والعدل والظلم، ولا يمكن عزلُ تلك الأحداث عن هذا الميزان؛ إذ هي باطلٌ بيّن، واقعٌ في مواجهةِ حقَّين عظيمين: حقِّ الإسلام، وحقِّ الجوار.
- الأول: انتهاكُ حقِّ الإسلام؛ إذ قرَّر الشرعُ أن رابطةَ الإيمان هي أوثقُ الروابط وأعلاها قدرًا، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10)، وهذه الأخوّةُ عهدٌ شرعيٌّ مُلزِم، يُحرِّم العدوان، ويوجب النُّصرة، ويمنع الظلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه»، فإذا آل الأمرُ إلى تهديدٍ أو اعتداءٍ صريح، كان ذلك خرقًا بيِّنًا، وانتهاك صريح لمقتضى هذه الأخوّة.
- الثاني: انتهاكُ حقِّ الجوار, وهو حقٌّ أكّده الشرع تأكيدًا بالغًا، قال -تعالى-: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} (النساء: 36)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورّثه»؛ فالجارُ في الإسلام يُؤمَّن، ولا يُخوَّف، ويُحفظ، ولا يُعتدى عليه، بل إن أذيته من أعظم الذنوب، حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: «واللهِ لا يؤمِنُ، واللهِ لا يؤمِنُ، واللهِ لا يؤمِنُ؛ قالوا وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال جارٌ لا يؤمنُ جارُهُ بوائقَهُ، قالوا يا رسولَ اللهِ: وما بوائقُهُ؟ قال شرُّهُ».
إنَّ أخطرَ ما في هذه الأزمات وأمثالها ليس مجرّدَ الفعلِ في ذاته؛ بل ما يتولَّد عنه من اضطرابٍ في المفاهيم، وقلبٍ للحقائق، وتزييفٍ للوعي؛ فحين يُلبَّس العدوانُ لباسَ المصلحة، أو يُسوَّغ باسم السياسة، ينتقل الخطرُ من كونه سلوكًا منحرفًا إلى كونه وعيًا مختلًّا، فالشرعُ لا يُجيز العدوانَ تحت أيِّ ذريعة، قال -تعالى-: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}؛ فالأحكامُ لا تتبدَّل بتبدُّل المصالح، ولا ينقلبُ الظلمُ عدلًا بتغير الأسماء.
فتسويغ الباطل الذي تمَثَّل في هذا العدوان الآثم؛ لا يقلُّ خطرًا عن مباشرته، بل قد يكون أشدَّ أثرًا؛ لما يُضفيه عليه من مشروعيّةٍ زائفة، قال -تعالى-: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}؛ فالركونُ إلى الظالم -تأييدًا أو تسويغا- داخلٌ في الوعيد، وقال -سبحانه-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، ومن أعظمِ أنواع التعاون على الإثم والعدوان: تزيينُه، والدفاعُ عنه، وصرفُ الأنظارِ عن حقيقته.
إنَّ الموقفَ الشرعيَّ الحقَّ لا يُبنى على العصبيّات، ولا يُستمدّ من الانحيازات والاستقطابات، بل يقوم على ميزانٍ جليٍّ قِوامُه العدلُ مع الجميع، ورفضُ الظلم كائنًا من كان مصدرُه، قال تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا»؛ قيل: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تمنعُه من الظلم»، فليست النصرةُ الحقّة في تبرير الخطأ، ولا في تسويغ الباطل، وإنما في كفِّ الظالم عن ظلمه، وتقويمه بالحق.
إننا نقف اليوم أمام جريمةٍ متعدّدة الأبعاد؛ حقٌّ مُستباح كان حريًّا أن يُصان، وباطلٌ متغطرس جديرٌ أن يُستنكر ويُدان، وعدوانٌ يُبرَّر بحججٍ واهية، وتُسوَّغ آثامه بمصالح سياسية زائفة؛ وذلك -ولا مراء- من أعظم أبواب الفتنة، وأشدّها خطرًا، وأعمقها أثرًا في القلوب والعقول.
لذلك، فإن من أوجب الواجبات في خِضمِّ هذه الأحداث العِظام أن يُبصِر الناسُ الحقَّ على وجهه الصحيح، وأن يُسمُّوا الأشياءَ بأسمائها، وأن يقفوا مع الحقِّ حيثما كان، فبالوعي الصادق تُصان الأمة، وبالعدل الراسخ تقوم دعائمها، وبإنكار الباطل تُحفَظ وحدتها، وتشتدُّ شوكتها، وتبقى لها قوتها وهيبتها في وجه العواصف والمحن.
لاتوجد تعليقات