رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ محمد السنين 13 يوليو، 2026 0 تعليق

الوفاء.. من أخلاق الإسلام الراقية        (٢-٢)

  • من أقل درجات الوفاء أن يحفظ الإنسان لسانه عن إخوانه فلا يذكرهم بسوء ولا يخوض في أعراضهم فليس كل خلاف يبيح الكلام ولا كل خصومة تسوغ الوقيعة
  • الوفاء خلق عظيم لا يحمله إلا أصحاب النفوس الكريمة وهو من دلائل صدق الإيمان وكمال المروءة وحسن الخلق
  • الوفاء بين الزوجين من أعظم أسباب استقرار الأسرة ودوام المودة والرحمة وتعميق أواصر المحبة
   

مازال حديثنا مستمرا عن خلق الوفاء؛ حيث ذكرنا أنه من أخلاق الإسلام العظيمة الراقية، التي متى انتشرت بين الناس ملأت حياتهم صفاءً ونقاءً، وعمت بينهم المحبة والمودة والألفة، والوفاء من التوفية، وذكرنا منزلة الوفاء في القرآن الكريم كما ذكرنا عددا من صور الوفاء منها: وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، والوفاء للوالدين، والوفاء لأهل الفضل والعلم، واليوم نكمل الحديث عن تلك الصور.

الوفاء للإخوان والأصدقاء

        من الوفاء، الوفاء للإخوان والأصدقاء، الذين صاحبتهم في الحياة، وعاشرتهم سنين طويلة، فهؤلاء لهم حق الصحبة، وحق العِشرة، وحق المعروف ولا يليق بالمؤمن، إذا وقع بينه وبين أخيه خلاف، أن ينسى سنوات المحبة، أو يتنكر لما بينهما من المعروف بل من قلة الوفاء أن يتحول الخلاف إلى سبٍّ، أو طعن، أو انتقاص، أو تتبعٍ للعثرات ومع الأسف، فهذا مما ابتُلي به كثير من الناس في زماننا فالوفاء يقتضي أن تحفظ لأخيك سابق إحسانه، وإن وقع بينكما اختلاف. ومن أقل درجات الوفاء أن يحفظ الإنسان لسانه عن إخوانه، فلا يذكرهم بسوء، ولا يخوض في أعراضهم فليس كل خلاف يبيح الكلام، ولا كل خصومة تسوغ الوقيعة؛ ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي -رحمه الله- كلمات ينبغي أن تُكتب بماء الذهب: ليكن حظ أخيك منك ثلاثًا: «إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه»، فهذه الكلمات من أجمع ما قيل في الوفاء فليس مطلوبًا منك أن تنفع كل أحد، ولا أن تمدح كل أحد، ولكن أقل الوفاء أن تكف أذاك، وأن تحفظ لسانك عن الناس.

الوفاء بين الزوجين

         ومن أعظم صور الوفاء: الوفاء بين الزوجين، وهو من أهم أسباب استقرار الأسرة ودوام المودة والرحمة، وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في الوفاء لزوجاته، كما حثَّ الزوجة على الوفاء لزوجها، وحذر من نكران إحسانه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء» قيل: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»، فمن أعظم صور الوفاء أن يحفظ كل واحد من الزوجين فضل صاحبه، وألا ينسى سنوات الإحسان بسبب موقف عابر أو خطأ يسير. وكما تُطالب المرأة بالوفاء لزوجها، فإن الزوج كذلك مأمور بالوفاء لزوجته، وألا ينسى ما قدمته من تضحية، وصبر، وخدمة، وتربية للأبناء؛ فالذي يبيت معك على وسادة واحدة، ويشاركك هموم الحياة، أولى الناس بحسن العشرة، والصبر، والتغافل عن الزلات.

وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم -

 لخديجة -رضي الله عنها-

       ومن أعظم صور الوفاء ما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، تقول عائشة -رضي الله عنها-: «ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر من ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعث بها إلى صديقات خديجة»، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: «كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة»! فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «إنها كانت وكانت»، ويذكر من فضائلها: «صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إني قد رُزقت حبها»، وهذا من كمال الوفاء، إذ لم ينسَ فضلها بعد وفاتها بسنوات طويلة.

حسن العهد من الإيمان

        وروى الحاكم عن عائشة -رضي الله عنها-، أن عجوزًا جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عندها، فقال لها: «من أنت؟» قالت: أنا جثامة المزنية، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بل أنتِ حسَّانة المزنية، كيف أنتم؟ وكيف كنتم بعدنا؟» فلما خرجت، قالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»، فحفظ - صلى الله عليه وسلم - ودَّها؛ لأنها كانت من صديقات خديجة -رضي الله عنها-.

نماذج من وفاء السلف

        ومن صور الوفاء: لما حوصر عثمان - رضي الله عنه -، ألقت زوجته نائلة نفسها عليه؛ لتقيه ضرب السيوف، فقطعت أصابعها وهي تدافع عنه، حتى قُتل - رضي الله عنه -، وهذا من أعظم صور الوفاء بين الزوجين، كما يذكر أهل السير أن زوجة مصعب بن الزبير لما قُتل، أُكرهت على التبرؤ منه، فأبت، وشهدت له بالصلاح، مع علمها بما قد يصيبها من الأذى.

الوفاء للوالدين عند الكبر

          ومن أعظم ما يبتلى به الناس في زماننا قلة الوفاء للوالدين عند الكبر، وقد رأيت بنفسي رجلًا كبيرًا في السن، قد فقد وعيه، وليس عنده أحد من أولاده، فلما لقيت أحد أبنائه وعاتبته، قال: إنه لا يعرفنا، فقلت له: هو لا يعرفكم، ولكن هل نسيتم أنتم فضله؟ هل نسيتم تعبه؟ هل نسيتم تربيته؟ هل نسيتم سهره عليكم؟ إن الأب والأم إذا بلغا من الكبر مبلغًا لا يعرفان معه من حولهما، فهما أحوج ما يكونان إلى أولادهما! فوجودك عند أبيك، وإمساك يده، وترطيب فمه، والدعاء له، والجلوس بجانبه، كل ذلك من أعظم الوفاء، ومن أعظم رد الجميل، أما أن يترك وحده بحجة أنه لا يعرف أحدًا، فهذا من قلة الوفاء التي ابتلي بها كثير من الناس.

الدعاء بظهر الغيب من الوفاء

        ومن صور الوفاء كذلك: الدعاء بظهر الغيب، فادعُ لإخوانك، ولمعلميك، ولوالديك، ولمن أحسن إليك، ولا حاجة إلى أن تخبره بذلك، أو تقول له: دعوت لك عند الكعبة، أو دعوت لك في الحرم، بل اجعل الدعاء بينك وبين الله، فإن الملك يقول: «ولك بمثل»، وهذا من أعظم الوفاء، وأصدق الإخاء.

أصحاب النفوس الكريمة

        إن الوفاء خلق عظيم، لا يحمله إلا أصحاب النفوس الكريمة، وهو من دلائل صدق الإيمان، وكمال المروءة، وحسن الخلق، فدرِّب نفسك على الوفاء مع الله، ومع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومع والديك، وزوجتك، وأولادك، وأرحامك، وإخوانك، ومعلميك، وكل من أسدى إليك معروفًا وتذكر دائمًا أن الناس قد ينسون الإحسان، أما المؤمن الحق فلا ينسى فضلًا، ولا ينكر جميلًا، ولا يقابل المعروف إلا بالمعروف، مصداقًا لقوله -تعالى-: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك