رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 23 يناير، 2019 0 تعليق

الوحدة الإسلامية أدلتها، سماتها، وسائل تحقيقها (1)


إنّ الأخوّة الإيمانيّة قد عقدها الله وربطها أتمَّ ربط، بعقيدة التوحيد الذي هو الغاية في إيجاد الخلق، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو دعوة المجدّدين في كلّ عصر ومصر؛ إذ لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بالحجّة؛ فلا تنقطع دعوة الحقّ عن هذه الأمّة حتى يأتي أمر الله، وتقويةً لهذا الرابط الإيماني فقد أمر الله -عز وجل- بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، وبين هذا في كتابه بياناً شافياً يفهمه العقلاء جميعهم، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من قبلنا فهلكوا قال -تعالى-: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(آل عمران: 105).

ولا يشك عاقل في أنَّ الفرقةَ في الدين من أعظم مصائب الأمَّة؛ لأنَّ فيها إضعافاً لها، وجماعة الحق إن ضعفت عجزت عن تحقيق الكثير من مصالحها وأمورها، والوحدة الإسلامية من أصول الإسلام العظيمة؛ فإن أهميتها تتجلى من جهات عدة، أبرزها:

نصوص القرآن الكريم

     نصوص القرآن الكريم تحث على الوحدة الإسلامية، ونبذ الفرقة، فقد جاء التأكيد في القرآن الكريم على مراعاة هذا الأصل؛ فقال -عز وجل-:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}(آل عمران: 101-102)، وقال -عز وجل-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}(هود: 118) .

     روى ابن جرير  في تفسيره عـن الحسـن في قــوله -تعالى-: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}: «وأما أهل رحمة الله؛ فإنهم لا يختلفون اختلافاً يضرهم»، وروى أيضا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «خلقهم فريقين: فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم يختلف؛ وذلك قوله: فمنهم شقي وسعيد.

هذا الأصل مما بعث الله به الأنبياء

كان الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- دعاة للوحدة الإسلامية، وجمع الكلمة، قال الإمام البغوي: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة».

نصوص السنة

     لقد تكررت الوصية في السنة النبوية بالاعتناء بالاجتماع والوحدة الإسلامية، وتكرر النهي عن التفرق والاختلاف؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم  ثلاثاً،  ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».

واقع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

     لقد كان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اهتمام بالغ بهذا الأمر، وكان الخلاف في الرأي يحصل بينهم، ومع  ذلك كانت النفوس صافية نقية، نقل الحافظ في الفتح عن القرطبي قوله: «مَنْ تَأَمَّلَ مَا دَار بَيْنَ أَبِي بَكْر وَعَلِيٍّ مِنْ الْمُعَاتَبَةِ وَمِنْ الاعْتِذَارِ وَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنْ الإنْصَافِ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِ الآخَرِ، وَأَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُتَّفِقَة عَلَى الاحْتِرَام وَالْمَحَبَّة، وَإِنْ كَانَ الطَّبْع الْبَشَرِيّ قَدْ يَغْلِب أَحْيَانًا لَكِنَّ الدِّيَانَة تَرُدُّ ذَلِكَ».

الاجتماع من سمات أهل السنة وصفاتهم

من سمات أهل السنة الاجتماع والائتلاف، وهم من أشد الناس حرصاً عليه ودعوة له، كيف لا وهم الجماعة وهم السواد الأعظم. قال الطحاوي -رحمه الله-: «ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً».

من الأصول العظيمة التي بني عليها دين الإسلام

     إن الأمر بالجماعة والائتلاف، والنهي عن الفرقة والاختلاف أصل عظيم، بل إن هذا الأصل هو آكد أصول الإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -:« وهذا الأصل العظيم هو الاعتصام بحبل الله جميعا، وألا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام؛ ومما عظمت وصية الله -عز وجل- به في كتابه؛ ومما  عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة، وخاصة».

من أعظم مقاصد الشريعة

     إن الناظر في جل الأحكام الشرعية يلاحظ مزيدا من الاهتمام بهذا الأصل واعتباره مقصدا من مقاصد الشريعة العظيمة؛ ففي الأمر بتحقيق التوحيد والخضوع والانقياد لرب واحد، مع الأمر بمتابعة قدوة واحدة، بناء رابط من أقوى الروابط التي تجمع المسلمين وتوحد صفوفهم.

     أضف إلى ذلك أن كثيرا من التشريعات الإسلامية العامة لوحظ في تطبيقاتها جانب هذا الأصل العظيم، ومن ذلك أمر المسلمين بأداء كثير من شعائرهم التعبدية جماعة، كما قد جاء حث الشرع على التآخي، والمحبة والتعاطف، والتراحم بين المسلمين، ونهى عن التشاحن، والتدابر، والتباغض، والتحاسد، والتهاجر بين المسلم وأخيه المسلم لأكثر من ثلاث، كما جاءت النصوص الشرعية تترى في النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه المسلم، وسومه على سوم أخيه، وعن الغش، والكذب، والغيبة والنميمة، والهمز واللمز، إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التي شرعت لحفظ كيان المجتمع المسلم من التصدع والانهيار، وحفظ الرابطة الإيمانية التي تجمع بين أفراده.

غياب هذا الأصل سبب الضعف والهوان

 نظرا لعدم مراعاة هذا الأصل العظيم فقد وقع ما وقع من فرقة المسلمين، وتدابرهم، وتناحرهم؛ فتفرقت صفوفهم، وضعف اتحادهم، وذهبت ريحهم؛ فصاروا شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون؛ فباتوا صيدا سهلا لكل صائد وكاسر.

من الجهاد

     نبه على ذلك العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في فصل عقده بعنوان: (الجهاد المتعلق بالمسلمين بقيام الألفة واتفاق الكلمة)، ثم قال- بعد أن سرد الآيات والأحاديث الدالة على ذلك-: «فإن من أعظم الجهاد السعي في تحقيق هذا الأصل في تأليف قلوب المسلمين، واجتماعهم على دينهم، ومصالحهم الدينية والدنيوية» .

أهداف الموضوع

     نظرا للحاجة إلى تحقيق الغايات السامية التي ذكرتها آنفا؛ فلابد من وجود دراسات جادة، تبحث عن أسباب فرقة المسلمين، وتسعى لعلاجها، وهذا البحث محاولة للإسهام في ذلك، ومعلوم أنه منذ أن بدأت عوامل الفرقة تدب في صفوف المسلمين، وبزغت فرق أهل الأهواء والبدع تدك أركان الوحدة الإسلامية، بدأ الأئمة الأعلام في مواجهة هذه المحنة؛ فألفوا الكتب والمصنفات، وذكروا الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب لزوم الجماعة، وبينوا ما جاء في النهي عن الابتداع في الدين وعن الفرقة، ومن أهداف هذا البحث ما يلي:

- تشخيص مرض من أخطر أمراض المجتمع، ووصف الدواء الناجع لهذا الداء العضال.

- توضيح وبيان لحقيقة الوحدة المنشودة، وسماتها، وحقيقة الخلاف المذموم لئلا يختلط بالخلاف الذي لابد منه؛ إذ من المعلوم أن الخلاف الممنوع والمذموم هو الذي أدى إلى الفرقة.

- الدلالة على السبيل إلى الوحدة الإسلامية بذكر وسائلها الشرعية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك