رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 22 أبريل، 2026 0 تعليق

النجــدي:  لا صلاح للأمَّة إلا بعلمٍ راسخ على منهاج النبوة وفقهٍ عميق بالواقع

  • الأصل في طلب العلم الأخذ عن أهل العلم الراسخين فغيابهم يفتح الباب لتصدر الجهال ما يؤدي إلى الضلال والإضلال
  • من أخطر مظاهر الخلل تصدّر غير المؤهلين للفتوى والتعليم ما يترتب عليه اضطراب الأحكام وتضليل العامة
  • العالم الرباني لا يكتفي بالعلم الشرعي المجرد بل لابد أن يعي واقع الناس وظروفهم لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره
  • الشيخ ابن باز: على طالب العلم ألا يقتصر على التلقي فقط بل عليه أن يجمع بين العلم والدعوة والعمل والإصلاح
  • طالب العلم يسير على منهج الصحابة والتابعين في المبادرة إلى كل ما ينفع الناس ويتحرك في حدود ما يعلم فينشر الخير دون تكلف أو تجاوز
  • منهج الدعوة قائم على الحكمة والرفق فالتأثير الحقيقي في المجتمعات يكون بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالشدة والتنفير
  • الدعوة والتعليم من أعظم القربات لكنها مشروطة بالعلم والبصيرة والإخلاص مع الحذر من طلب الشهرة أو إثارة الفتن
  • طالب العلم ليس مجرد متلقٍّ بل هو داعية ومعلّم ومصلح يعمل على قدر علمه وطاقته في نفع الناس
  • التعليم بابٌ عظيم من أبواب الخير، فلا يؤجله الطالب  إذا فتح له بابه اليوم، فقد تعترضه عوائق غداً، فيفوته ما وعد الله به معلم الخير من عظيم الأجر ودوامه
 

في زمنٍ كثرت فيه المتغيرات، وتشابكت فيه المفاهيم، وعلت فيه أصواتٌ لا تستند إلى علمٍ راسخ، تشتدّ الحاجة إلى بيان دور العلماء الربانيين، واستحضار مسؤوليتهم في حفظ الدين، وبناء الوعي الصحيح، وترشيد مسيرة الدعوة والتعليم، وفي هذا السياق، يأتي هذا الحوار مع فضيلة الشيخ: د. محمد الحمود النجدي، ليلقي الضوء على جملةٍ من القضايا الملحّة التي تمسّ واقع العلم والدعوة، وتُعالج إشكالات التصدر بغير علم، وتُبرز معالم المنهج الصحيح في التلقي والتعليم، وتوازن العالم بين فقه النص وفقه الواقع.

 
  • ما واجبُ العلماء تجاه المتصدرين للدعوة والتعليم والفتوى وغيرها في الساحة وهم ليسوا أهلا لذلك؟
  • الأصل أنْ يأخذ طالب العلم العلم الشرعي عن العلماء الربانيين العاملين، أهل التقوى والصلاح، ليتعلم منهم العلم والعمل، والمنهاج والسبيل، والأخلاق والقدوة الحسنة، فإذا لم يجدهم فلينتقل إلى الأمثل فالأمثل من الصالحين، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُه مِنَ العِبادِ، ولَكِن يَقبِضُ العِلمَ بقَبضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لَم يُبقِ عالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا»، ففي هذا الحديثِ يُخبِرُنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ لا يَرفَعُ العِلمَ مِن النَّاسِ بإزالتِه مِن قُلوبِ العُلماء، أو مَحوِه مِن صُدورِهم، ولكنْ يَقبِضُ العلمَ بقَبْضِ العُلماءِ وموتِهم، فيَضيعُ العِلمُ، فلا يُوجَدُ فيمَن يَبْقى مَن يَخلُفُ مَن مَضَى، وكلَّما مات عالِمٌ، ذهَبَ بما معه مِن العِلمِ، حتَّى إذا لم يُبْقِ اللهُ عالِماً، ومات أهلُ العلمِ الحقيقيِّ، وصَلَ الجُهلاءُ إلى المراكزِ العِلميَّةِ الَّتي لا يَستحِقُّونها، مِن تَدريسٍ وتعليم وإفتاءٍ ونحوِه، وجعَلَ النَّاسُ منهم عُلماءَ يَسأَلونهم، فيُفتونَ بغيرِ عِلمٍ لجَهْلِهم، فيُحِلُّون الحرامَ، ويُحرِّمون الحلالَ، فيَضِلُّون في ذاتِ أنفسِهم عن الحقِّ، ويُضِلُّون مَن اتَّبَعهم وأخَذَ بفَتْواهم مِن عامَّةِ النَّاسِ، ولا تُغْني المُؤلَّفاتُ والرَّسائلُ وغيرُها عن وُجودِ العُلماءِ؛ لأنَّها لنْ تُفهَمْ على وَجْهِها الصَّحيحِ دُونِهم.
إذن لا يؤخذ العلم ممّن ليس أهلاً للقدوة، من أهل البدع والأهواء، أو عن أهل المعاصي، بل عليه أنْ ينتبه ويحذر من بدعهم ومنهاجهم وانحرافهم، فقد كان السلف الصالح -رحمهم الله- ينتقون المشايخ الذين يأخذون عنهم العلم، ويحذرون من أهل البدع والأهواء، وربّما تجنبوا بعض العلماء الصالحين الذين عندهم بعض الغفلة؛ فالإمام مالك -رحمه الله -تعالى-- يقول: إنّ هذا العلم دينٌ، فانظروا عمّن تأخذونه. رواه ابن عبدالبر في التمهيد، والذهبي في السير، والحاصل أنه ينبغي لطالب العلم أن ينتقي مشايخه.
  • كيف يُوازن العالم بين العلم الشّرعي والعلم بالواقع؟
  • من متطلبات العالم والمفتي، والداعية الناجح، والحاكم والقاضي، معرفته بالواقع داخليّاً وخارجيّاً، كي يُصدِر حُكماً صحيحاً إذا حكم، كلٌّ بحسب طاقته وقدرته، وذلك أنّ الحُكم على الشيء، فرعٌ عن تصوُّرِه، وهذا ما يُعرَف بلغة العصر اليوم بـ(فقه الواقع)، أو (فقه الأحْوال المعاصرة)، بل فقه المقاصد القائم على تحقيقِ مقاصد الشريعة، هو وَفْق متطلّبات العصر ووقائع الأحْوال، وفي ذلك دليلٌ على عَظمة التشريع الإسْلامي، وأنّه صالحٌ للتطبيق والعمل في كلّ زمانٍ ومكان، بل لا يصلُح الزمانُ والمكان إلا بتطبيقه.
والقرآن الكريم قد فصَّل لنا كثيراً مِنْ أحْوال أعداء الإسْلام وعقائدهم ومخْططاتهم، وكذلك سُبُل مواجهتهم، بما يكفي عن غيره من الكتب، لكن لمن أنْعم النّظر فيه، وتدبّر معانيه، وربط واقعه بوقائعِ مَنْ سبقه مِنَ الأمم، وأنزَل الآيات على الواقع تشخيصاً وعلاجاً، فالله -عزوجل- يقول: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام: 55)، أي: قد بينَّا لكم أدلتنا وحُججنا على أهل الباطل، لإيضاح طريق المُجرمين ومنهجهم، لاجتنابه والحذر منه.

استبانةُ سبيل المجرمين

       ومن استبانة سبيل المجرمين، فهم مخطَّطاتهم وأهدافهم، والسُّبل التي يتَّخِذونها للوصُول إلى تلك الأهداف، وكيفية مواجهتها والردّ عليها، وسيرة النبيّ -[- العمليَّة، تدلُّ على أنّه كان واسع النّظر، عميق الفهم لأحوال العالم المُحيط به، فها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - في العام الخامس منَ البعثة، يأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، بعيداً عن الجزيرة العربية بكاملها، وبعيدًا عن دولتَي فارس والروم؛ وذلك لأنّ بالحبشة ملكًا لا يُظلَم عنده أحدٌ، ولأن ثمة عَلاقة قُرْبٍ بين المسلمين والنصارى، بخلاف أهل الشّرك والأوثان. وفي الصحيحين: من حديث الصدِّيقة عائشةَ -رضي الله عنها-: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ألمْ تَرَي أنّ قومك لَمَّا بنوا الكعبة، اقْتصرُوا عن قواعد إبراهيم؟»، فقلت: يا رسول الله، ألا تردُّها على قواعد إبْراهيم؟ قال: «لولا حِدْثانُ قومِك بالكفْر، لفعلتُ»، فمراعاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لواقع قومه، منعَه مِنْ هدم الكعبة، وبنائها على قواعد إبراهيم.

حَرب فارس والروم

        وحكى لنا القرآن الكريم حَرب فارس والروم، وموقف المسلمين منها؛ حيثُ تابعوها واهتمُّوا بها، وحزنوا أولًا لهزيمة الروم، ثم وعَدَهم الله بنَصر الرّوم على فارس؛ ففرِحوا بهذا النصر الذي هو مِن الله -عز وجل-، قال -تعالى-: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم)، وهذا من أدلِّ الدلائل، على اهتمام الصحابة -رضي الله عنهم- بواقع العالم المحيط بهم، وهكذا كان علماء السلف بعدهم على هذا الطريق.
  • ما واجب العلماء تجاه من يتحدث في النوازل الكبرى وهم ليسوا بأهلٍ لذلك؟
  • أولاً: لا شك أنَّ تعليم القرآن والسُنَّة، ودعوة الناس إلى الخَير، فيها مِنَ الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله -تعالى-، ويجبُ على المُسْلمين أن يُعِدوا مَنْ يقوم بهذه المهمّة العظيمة التي فرضها الله -سبحانه وتعالى- عليهم، حيثُ يقول -جل وعلا-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104)، ويقول الله -تعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف: 108)، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بلغوا عني ولو آية»، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليُبلّغ الشاهدُ منكم الغائب» وهو في الصحيحين، ويقول: «إنّ الله وملائكته وأهلَ السّماوات والأرضين، حتّى النّملة في جُحْرها وحتّى الحوت، ليُصلّونَ على مُعلّم الناسِ الخَير».
وعلى هذا، فالدعوة إلى الله -تعالى-، وتعليم الناس الخير من أعظم القربات إلى الله -تعالى-، ولكن الذي يتصدر لدعوة الناس وتعليمهم، لا بُدّ أن يكون على بصيرةٍ بما يدعو إليه ويعلمه؛ ففاقد الشيء لا يُعطيه، والذي ليس عنده علمٌ، لا يُمكن أنْ يُعلّم غيره! فمن أراد أنْ يقيم الدّروس الشرعية، يجب عليه أولاً أنْ يتعلم العلم الشرعي الذي يريد تعليمه للناس، وأنْ يختار المواضيع النافعة لمَن يُدرّسهم، وأن يحرص على تصحيح الأحاديث التي يستشهد بها، وتحقيق الأقوال التي يوردها، وبذلك ينفع وينتفع بما يقول، وأنْ يخلص في عمله لله -تعالى-، ويكون قد أدى ما فرض الله -تعالى- عليه، أمّا الرغبة في الضجيج الإعلامي واختلاق المشكلات والتفريق بين المسلمين، فإنه لا يجوز للمسلم أن ينشغل به، وقد حذرنا الله -تعالى- من ذلك في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والحاصل أنّ كل من سعى لإقامة الدين والدعوة إليه، وتعليمه للناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر السُنَّة، وتثقيف الأمة على نهج السلف القويم فهو على خيرٍ وصلاح، وكل جماعة التزمت منهج أهل السُنَّة والجماعة، وسعت لتحقيق تلك الأهداف، فهي على خيرٍ وهدى إن شاء الله -تعالى-.
  • ما أبرز الأدوات التي يسلكها العلماء والدعاة للتأثير في المجتمعات؟
  • الحرص على هداية الآخرين، أمرٌ يُشكر عليه المسلم، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم ناصحاً مُحبا لهداية للآخرين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه، ما يحب لنفسه». رواه البخاري، وأما طريقة الدعوة، فإن الله -عزوجل- بين ذلك في كتابه فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125).

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

        فالدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، قال ابن جرير: وهو ما أنزله الله من الكتاب والسُنَّة، وبالموعظة الحسنة، كذكر الزواجر والعقاب الذي أنزله الله على الأمم الماضية، والتذكر بالجنة والنار ونحو ذلك، وتكون الدعوة بالمجادلة بالتي هي أحسن، لمن احتاج منهم إلى جدال ومناظرة، فيناظر بالوجه الحسن، برفقٍ ولينٍ وحسن خطاب، وقوله -تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: قد علم الله الشقي والسعيد، وكتبَ ذلك عنده في اللوح المحفوظ وفرغ منه، فادعهم إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات؛ فإنه ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء.

الاستعانة بوسائل التأثير

        وينبغي الاستعانة بوسائل التأثير، ومن أهم ذلك محاضرات المواعظ والدروس النافعة، فإذا سلكت هذه الطريقة في الدعوة فقد أحسنت، واحذر التشديد في الدعوة! لأنّ ذلك سببٌ في نفور المدعو، وقد قال -تعالى-: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (آل عمران: 159)، فيسلك طريق اللين والصبر على المدعوين. فالمسلم إذا واتته فرصة إرْشاد الناس إلى الخير، وتعليمهم ممّا علّمه الله -تعالى-، لا يفوت هذه الفرصة بعقباتٍ عارضة، فالحافظ لكتاب الله -تعالى- يشتغل بتحفيظ غيره، والدارس إذا لمْ ينته من أبواب الفقه كلّها، بل درس فقط كتاب العبادات، اكتفى بتعليم أبواب العبادات للناس دون غيرها، وهكذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن عبداللَّهِ بنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وعَن مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا».

بابٌ عظيم من أبواب الخير

        فالتعليم بابٌ عظيم من أبواب الخير، فلا يؤجله الطالب إلى غد، إذا فتح له بابه اليوم، فقد تعترضه عوائق غداً، فيفوته ما وعد الله به معلم الخير من عظيم الأجر ودوامه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»، وعَنْه أيضا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».

الوسائل المتاحة لإيصال الدعوة والوسائل المتاحة لإيصال الكلمة الهادفة إلى الآخرين كثيرة، فمنها:

1- المشافهة المباشرة مع الناس. 2- ومنها: المشافهة غير المباشرة، كالدعوة عن طريق الأجهزة المسموعة والمرئية، وهذه الوسيلة أكثر انتشارًا من الأولى في الوقت الحالي. 3- ومنها الكتابة، وهي الكلمة المقروءة، عن طريق التأليف للكتب والرسائل، والصحف والمجلاَّت، وهذه الوسيلة تكمل الوسيلتين الأوليين، لأنّها تبقى عند المدعوين، ويقرؤنها مرة بعد أخرى.  

طالب العلم يجمع بين العلم والعمل والإصلاح

        قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله تعالى-: طالبُ العلم يجمع بين العلم والدعوة، وبين العمل والإصلاح والنصيحة، فلا يقف عند حدٍّ دون آخر، بل يسير في ذلك كلِّه على قدر طاقته، دون أن يُشغله شيء عن واجبٍ عليه. فهو طالبُ علمٍ، وداعيةٌ إلى الله، وناصحٌ، ومعلّم، ومصلحٌ بين الناس، له آثارٌ طيبةٌ حيثما حلّ، وينبغي لطالب العلم - ولا سيما في كليات الشريعة وأصول الدين، أو في حلقات المشايخ - أن تكون له همّةٌ عالية، فلا يقتصر على جانبٍ دون آخر، بل يجتهد في كلِّ خيرٍ بحسب علمه وقدرته، فيكون مع المصلحين، ومع الدعاة، ومع المعلّمين، ومع الناصحين، ومع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهكذا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يُقبلون على كل ما ينفع الناس، ولا يتأخرون عن بابٍ فيه خير.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك