القواعد الأصولية والفقهية المنظمة للعمل الخيري
بحث مقدم لمؤتمر العمل الخيري في جامعة أم القرى
علم القواعد الفقهية
يعد علم القواعد الفقهية فرعًا من فروع علم الفقه الإسلامي ونتيجة له، ويتميز من زاوية ما، بكونه يمثل خُلاصات مهمّة أنتجتها وصاغتها أذهان الفقهاء ليعبِّروا بها عن مدى الرقي العقلي والتنظيمي الذي وصلت إليه العقلية العلميّة الإسلاميّة؛ بحيث استطاعوا تقديم قواعد كلية يمكن إسقاطها على ما لا يحصى من الحوادث العملية؛ فالقواعد الفقهية بعمومياتها، وكذلك الضوابط وإن كانت أقلّ عموماً، تعد مرجعاً وأداةً لضبط المسائل وحلِّ المشكلات، قال العلّامة ابن رجب الحنبلي في مقدّمة كتابه العظيم في القواعد: «فهذه قواعدُ مهمّة، وفوائدُ جَمَّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتُطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغَيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيِّد له الشوارد، وتقرِّب عليه كلَّ متباعد».
تأصيل العمل الخيري
أهميّة تأصيل العمل الخيريّ على طريقة القواعد الفقهيّة: من مميّزات العمل الخيريّ أنّه دوماً مواكبٌ للنّوازل، ومُصاحبٌ للكوارث، وهو من قَبيل العلاج الشرعيّ للتقديرات الكونيّة التي يقضيها الله -عز وجل- على عباده بحكمته، فمن نظر إليه من هذه الزاوية، رأى بوضوحٍ الجانب التعبُّديّ فيه، وما كان كذلك فالحاجة ماسّة إلى سياسته بالعلم الشرعيّ، الذي من أرقى أبوابه بابُ القواعد الفقهيّة؛ لما لها من أهميّة معروفة عند أهل العلم.
فاتخاذ هذه القواعد دليلاً علميًّا ومنهجاً تطبيقيًّا يجنِّب الأعمال الخيرية ومؤسساتها الزلل والوقوع في الأخطاء بنوعَيْها: المفهوميّ والعمليّ، بل تتعاظم حاجة المؤسسات الخيرية إلى الأخذ بتلك القواعد التي هي أشبه بالقوانين والنظم الداخلية التي تحكم عمل المؤسسة الخيرية ومخرجاتها المجتمعية، مع تعاظم الحاجات والكوارث والنكبات التي يعيشها عالمنا الإسلامي.
فوائد دراسة القواعد
ونُجمل فوائد دراسة القواعد الفقهية للقائمين على المؤسسات الخيرية بالآتي:
1- أنها تعين من تولَّى إدارة الأموال المتبرَّع بها على ضبط كثير من المسائل التي قد تشتبه عليه.
2- أنها تُكَوِّن لدى الباحث في الأعمال الخيرية، وكذلك متولِّي إدارتها ملكة فقهية، يستطيع من خلالها أن يتعامل مع الوقائع المتجددة، وفي أقلّ أحوالها توفِّر له أداةً عقليّةً يقوِّم بها تفكيرَه ويضمنُ له الاتجاه الصحيح، وتكون مفتاحاً للنّظر والاستفتاء والتحرِّي من زاوية صحيحة.
3- أنها تضبط الفروع الفقهية وتجمع شتاتها، وهذا من فوائدها العامّة، قال القرافي: «ومن ضبط الفقه بقواعده، استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات»، ومن المسائل الفقهيّة: نوازل العمل الخيريّ وفروعه وقضاياه.
4- أنها تعين المفتين والقضاة والمحكَّمين عند البحث عن حلولٍ للمسائل الخيرية المعروضة والنوازل الطارئة، ولذلك قال بعض العلماء: إن حكم دراسة القواعد الفقهية والإلمام بها على القضاة والمفتين فرض عين، وعلى غيرهم فرض كفاية.
5- أنها تجعل الأداء في المؤسسات الخيرية والوقفية والتطوعية مبنياً على قواعد وضوابط مرعية، ومطابقاً لأحكام الشريعة، وتؤهّل العاملين بالقَدْر المطلوب من العلم بأحكام المسائل التي تخص وظائفهم، وتناسب مهمّاتهم.
6- أنها بابٌ لضمان حفظ الأصول والأموال الخيرية والوقفية ونمائها والتحسين المستمر للأعمال، التي هي وقود الديمومة والتطوُّر والنماء.
7- أنها تجنِّب العاملين الوقوع في المخالفات والشبهات التي قد تلحق بالمؤسسات الخيرية والعاملين فيها.
نوازل العمل الخيري
القواعد الأصولية المؤثرة في نوازل العمل الخيري، من بين القواعد الأصوليّة، جملةٌ من القواعد التي يستفاد منها في دراسة أفعال المكلّفين وتصرّفاتهم القوليّة والفعليّة، وبيان آثارها الشرعيّة على المكلّف وغيره، ممّا جعلها قواعد أصوليّة فقهيّة في آنٍ، لوجود التطبيقات المشتركة لها، فهي قواعد عاملةٌ عند التعامل مع النّصوص الشرعيّة وتصرّفات الشارع، وفي الوقت ذاته يُستفاد منها أحكامٌ مباشرةٌ لبعض تصرّفات المكلّفين، فتتأدّى بها الثمرة نفسها المؤدّاة بقواعد الفقه.
1- الأصل في الأشياء الإباحة
- التوضيح: هذه قاعدة استصحاب البراءة الأصلية في كلّ ما لم يرد دليلٌ على منعه، وأنّه حلالٌ مباح، وذلك على السّواء في الأعيان والتصرّفات، ويتفرّع عليها: مشروعيّة كلّ ما تتّخذه المؤسّسات الخيريّة من التنظيمات الإداريّة، والهيكليّات، وتقسيم المؤسّسة إلى دوائر واختصاصات وإدارات محليّة وإقليميّة، وكذلك جدولة الصّرف والإنفاق، وكذا الشروط التي تشترطها في عقود العمل والتوظيف، وعقود المشاريع من إنشاءات وتوريد وغيرها، كلّها إجراءاتٌ مشروعةٌ على الأصل، إلّا إذا اصطدمت بدليلٍ يدلّ على المنع منها، فيُرجع فيها إلى حكم الدّليل.
2- ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب
- التوضيح: هذه قاعد أصوليّة، فكلُّ ما كان مُباحًا في ذاته، ولم يرد نصٌّ شرعيٌّ يدلُّ على وجوبه، وكان لا يُمكن التوصُّل إلى أداء واجب شرعيٍّ إلّا به، فالأخذ به واجبٌ، فنظام البحث الاجتماعيّ ومعاييرُه المدروسة في المؤسسات الخيرية وضعُها واجب، ومراجعتها المستمرّة واجبة؛ لأنّ إبراء ذمم المُزَكِّين بوضع الزكاة المفروضة في أهلها فقط واجب، وهو مقتضى الوكالة التي يجب على المؤسسة الخيرية أداؤها على الوجه الأكمل، ومن ضمن النّشاط الخيريّ الواجب، إقامة مراكز الإغاثة الطبيّة، وتوفير الأطبّاء والأدوية اللّازمة فيها؛ لأنّ واجب الحفاظ على صحّة المتضرّرين من النوازل المختلفة لا يتمّ إلّا بذلك.
3- للوسائل أحكام المقاصد
- التوضيح: المقاصد والأغراض، لا يُتوصّل إليها إلّا بوسائل وأسباب، فهذه الأسباب والوسائل تُسوّى في الحكم بالمقاصد والأغراض التي يُتوصّل إليها من طريقها، فتكون الوسيلة إلى الواجب واجبة، والوسيلة إلى الحرام محرّمة، والوسيلة إلى المستحبّ مستحبّة، وإلى المكروه مكروهة، وكذلك ما يُتوسّل به إلى المباح مباحٌ، وعلى هذا المعنى فالقاعدة السابقة تكون فرعاً من هذه القاعدة، وهذه أصلٌ عامٌّ يتعلّق بما لا يتمّ به المقصود والغرض عموماً، وليس الواجب فقط.
وممّا يتخرّج عليها: دفع المال لدفع الخطر عن الأموال الخيريّة والتبرّعات، ولتفادي إتلافها والاعتداء عليها ومصادرتها لبعض الجهات المتنفّذة في أماكن الاضطرابات وبقاع الانفلاتات الأمنيّة، مشروعٌ لأجل أنّه موصلٌ إلى غايةٍ مشروعة، ومحقّقٌ لمصلحةٍ راجحة، مع أنّ الأصل أنّ دفع المال لمثل تلك الجهات لا يُشرع، وليس قانونيًّا.
4- النفل أوسع من الفرض
- التوضيح: الشارع يتسامح في النوافل والتطوّع أكثر ممّا يتسامح في الفُروض، في شروطها وأحكامها، مع كون الجميع يشهد بأنّ الدّين يُسرٌ، فالنافلة من عبادةٍ ما، يصحّ فيها بعضُ ما لا يصحّ في الفريضةِ التي من جنسها، فلا يجوز إعطاء الزكاة المفروضة إلّا في حدود مصارفها الثمانية، بينما يجوز صرف صدقة التطوُّع حيثما يراه العبد مناسبًا، حتى إنّ إعطاءها للكافر لا حرج فيه، بل تكون مقبولة يُؤجر عليها صاحبها. كما يجوز إدخال غير المسلمين من أهل الذمّة في الموقوف عليهم، فيشملهم رَيْع الوقف، بشرط ألا يكون ذلك في عبادتهم، فتؤول الطّاعة إلى أن يكون سبيلها الإعانة على الشرك، فإنّ هذا لا يجوز بحال.
5 - الترك فعلٌ
- التوضيح: هذه القاعدة ذكرها العلّامة الزركشي -رحمه الله- بلفظ: «الترك فعلٌ إذا قُصد»، وهي قاعدة أصوليّة فقهية، فالتركُ، وإن كان -في الظاهر- حالةً عدميّةً وليس فعلاً قائمًا بالمكلّف، إلّا أنّه شرعًا يأخذ حكم الفعل الوجوديّ، ويُؤاخذ به المكلّف إن كان تركاً على خلاف الشّرع، كما يُؤاخَذ بالفعل، ويُؤجَر عليه إن كان موافقاً للشرّع، كما يُؤجَر على الفعل، فتركُ إطعام الجائع حتى يموت، أو ترك إنقاذ الغريق حتى يغرق، أو ترك الأسير في يد الكفّار مع القدرة على افتكاكه، كلُّ ذلك يأثم القادرون عليه إذا لم يفعلوه.
وممّا يتخرّج على هذه القاعدة: التلكُّؤ والتباطؤ -فضلاً عن الترك التامّ- في تنفيذ البرامج الإغاثيّة، حتى يفوت وقت الإمكان ويتحقّق الضّرر الذي كان من الممكن أن يُدفع بالتنفيذ، إثمٌ يؤاخذ به التاركون المكلّفون بالتنفيذ، إن كان تركهم من غير عذر مقبولٍ شرعاً.
لاتوجد تعليقات