رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ياسر حسين محمود 18 فبراير، 2020 0 تعليق

الظواهر السلبية في حياتنا.. أسباب وعلاج ( 2) ترك الصلوات والعبادات وإهمالها

            

ما زال الحديث مستمرًا حول الظواهر السلبية في حياتنا وطرائق علاجها، وقد ذكرنا في مقدمة المقال السابق، أن تلك الظواهر تعددت بطريقة غير مسبوقة مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ»، قَيلَ: ومَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ»، قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ»، قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَمَعَنَا عُقُولُنَا؟ قالَ: «لَا، إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكُم الزَّمَانِ حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ». (أخرجه أحمد وابن ماجه بنحوه، وصححه الألباني)، واليوم نتكلم عن ظاهرة إهمال الصلوات والعبادات في الأجيال الناشئة.

     من الظواهر السلبية التي بدأت تتفشى في مجتمعاتنا، ترك الصلوات والعبادات وإهمالها في الأجيال الناشئة، بل في كثيرٍ مِن الأجيال الحالية شبابًا وكهولًا، رجالًا ونساءً؛ فانتشر ترك الصلاة، والإفطار في رمضان، وانتشر كذلك إهمال الأبوين أمر الأولاد حتى تعودوا على ترك الصلاة والعبادات، مع أن ترك صلاةٍ واحدةٍ مِن بالغٍ تَعَمُّدًا أكبر من كل الكبائر، ومعصيةٌ سَمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرًا أعظم بكثيرٍ مِن الكبائر دونها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» (رواه مسلم)، وقال: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ». (رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال: «لَا تَتْرُكِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره)، وقال: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (رواه البخاري)، وقال: «مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» (متفق عليه).

تعظيم الأُمَّة لأمر الصلاة

     ورغم أن جمهور العلماء مِن أهل السُنَّة حملوا أحاديث كفر تارك الصلاة على الـ«كفر دون كفر»، وليس على «الكفر الأكبر»، إلا أن طائفة من علماء أهل السُنَّة يرون تكفير تارك الصلاة كفرًا، ناقلًا عن المِلَّة بترك صلاةٍ واحدة، أو صلاتين مجموعتين، أو ثلاث صلوات، ومع أننا نرجح قول الجمهور، إلا أن الخلاف -مع اتفاق العلماء على أنه خلاف سائغ لا يُضَلَّل فيه المخالِف- يبيِّن لنا مدى تعظيم الأُمَّة باتفاقها لأمر الصلاة.

شناعة ترك الصلاة

     وقال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مبينًا شناعة ترك الصلاة وارتباطه باتباع الشهوات: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم: 59)، ولاشك أن مراقبة الله خمس مرات في اليوم والليلة، تَمنع العبد من العدوان والقسوة، والاعتداء على الآخرين، وذِكر الله سببٌ لِلِين القلب، ورحمة الإنسان بالخَلق، ورِفقه بهم ورِقَّتِه عليهم.

تعويد الأولاد الصلاة

     ولقد أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم الوالدين بتعويد الأولاد -ذكورًا وإناثًا- على الصلاة قبل البلوغ، فقال: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (رواه أحمد وأبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح)؛ فيجب على الوالدين كل يوم خمس مرات أمر الأولاد بالصلاة في وقتها وبشروطها وأركانها، وهذا يستلزم تعليمهم ذلك من الطهارة وستر العورات وغيرها، وهذا وإن لم يكن الطفل مُكَلَّفًا إلا أن الوالدين مُكَلَّفان، وهما يأثمان بترك الأولاد هملًا في هذا الأمر، ولاشك أن الصغار إذا أُمِروا ثلاث سنين -دون عقوبة- بأداء الصلاة على وقتها من سن 7 سنين يوميًّا 5 مرات إلى سن 10 سنين -وقد يحتاج الأمر في السَّنَة الواحدة لمرات عدة حتى يؤديها الطفل-، لاشك أن هذا يغرس فيه حُبَّ الصلاة والتعود عليها؛ فإذا بلغ الصبي والصبية 10 سنين، فكل صلاة يتركها يجب على الوالدين ضربه عليها ضرب غير مبرح.

ليست قسوة أو عنفا

     ولا يَظُنَّن ظانٌّ أن ذلك فيه قسوة على الطفل، أو عنف غير مسوغ؛ فأرحم الراحمين هو الذي شرع ذلك على لسان الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم ، وهل لو ترك الوالدان أولادهما هملًا في باب الدراسة وحضور المدارس وأداء الواجبات؛ لأن الأطفال يؤثرون اللعب واللهو، تكون هذه شفقة ورحمة، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ جاهلين لاهين لاعبين يُصَاحِبون المجرمين بكى الوالدان على ضياعهم، ولاشك أن الصلاة في ذلك أوجَب وأحصَن للطفل والطفلة عن الانحراف في مجال الفساد التي مظاهر القسوة من ملامحها.

مَن فيكم صلى الفجر؟

     ولقد سألتُ مرةً عددًا مَارًّا بباب المسجد بعد شروق الشمس من طلاب المرحلة الإعدادية وأواخر الابتدائية، ذاهبين إلى مدرستهم -وكانوا نحو العشرين- مَن فيكم صلى الفجر؟ فلم يكن هناك إلا طالبٌ واحدٌ أو طالبان -إن كانا قد صَدَقَا-، وسألتُ مُدَرِّسين وطُلَّابًا عن عدد مَن يُصَلِّي في الفصل الذي يُدَرِّس فيه فأكثرهم لا يَعرف؛ لأنه لا يَسأل ولا يَهتم، ومَن أجابني كانت النسبة مُفزِعة في الضعف (حوالي 2% أو 4%)، وأعلى نسبة كانت 25% في مدرسة ثانوية أزهرية -أعني قد أوشك طلابها على تحمل مسؤولية الدعوة إلى الله -عَزّ َوَجَلَّ- رسميًّا، إلا أن مُدَرِّسًا واحدًا فاضِلًا في مدرسة أزهرية، قال لي: الأولاد جميعهم يصلون، ثم استطرَد؛ لأني كل حصة أُكَلِّمهم عن الصلاة، وهل أَدَّيتم الصلاة أم لا، وآخذهم في وقت الراحة للصلاة -بارك الله فيه-، وهذا يدلنا على أهمية دور المدرس الإيجابي أو السلبي في هذه القضية؛ فأصل التربية التربية الإيمانية، والتربية العِبَادِيَّة، والتربية السلوكية، والتربية الأخلاقية، كما دلت على ذلك وصية لقمان لابنه وهو يعظه كما بَيَّنَها القرآن؛ فلن تنفعنا الشكوى مما نحن فيه من مظاهر القسوة، ونحن قد أهملنا تربية أجيالنا على أهم سببٍ لِلِين القلب من ذكر الله وإقامة الصلاة.

حث الشباب على الصلاة

     وعلى الإخوة المُصَلِّين في طريقهم إلى المسجد أن يَحُثُّوا الشباب الواقفين على نواصي الشوارع على الذهاب إلى المسجد لأداء الصلاة في جماعة؛ فإن ذلك من أعظم أسباب الهداية، ولابد أن نهتم بالدعوة الفردية، وقوافل الدعوة، وخطب الجمعة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك المقاطع التي ننشرها- بالتنبيه على أهمية أداء الصلاة في وقتها؛ لأنها سبب لمراقبة الله -عَزَّ وَجَلّ-، وسبب لمنع القسوة في علاقتنا بِرَبِّنا، ويُثمر منع القسوة في معاملاتنا مع الناس.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك