الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – ما وُقف على جهة عامّة فلا زكاة فيه
لا يخفى على مسلمٍ فضلُ وقْف المسجد نفسِه، فقد جاء في الحديث: «من بنى مسجداً لله كمِفْحَصِ قَطَاةٍ أو أصغر، بنى الله له بيتاً في الجنّة». وما زال النّاس يتقرّبون إلى الله -تعالى- بوَقْف المساجد، والإنفاق عليها، غير أنّ المسجد في ذاته، بناء وأدوات وموجودات، لا ريعَ له، بل هو في نفسه يُستهلَك ويحتاج إلى صيانةٍ وتعميرٍ دوماً.
إذا أصبح الوقف خاصا فتجب فيه الزكاة، كأن يكون في أفراد معينين أوقف الواقف عليهم أمواله، أما إذا كان الوقف عاما، ليس محددا بأحد بعينه فلا تجب فيه الزكاة، كأن يوقف ماله على العلماء أو طلبة العلم أو الأرامل أو الأيتام.. وهكذا.
الضابط الرابع:
ما وُقف على جهة عامّة فلا زكاة فيه
- معنى الضّابط: لا تجب الزّكاة في مال وقف وُقِفَ على جهةٍ عامّة، لا على أفرادٍ معيّنين، وذلك كقول الواقف: هذا وقْف على الأرامل أو الأيتام أو المساكين أو طلبة العلم.
- وتعليل ذلك: أنّ الوقْف خرجَ عن ملك الواقف على الصحيح، ولم يصِر إلى مالكٍ بعينه إذا كان الموقوف عليه جهةً عامّة، وما ليس له مالكٌ معيّنٌ فلا زكاة فيه.
- قال شيخ الإسلام: «قال أبو بكر عبد العزيز في (الشافي): نقل الميموني عن أحمد: أنّ الدّراهم إذا كانت موقوفةً على أهلِ بيته ففيها الصدقة، وإذا كانت على المساكين فليس فيها صدقة. قلت: رجل وَقَفَ ألف درهم في السبيل؟ قال: إن كانت للمساكين فليس فيها شيء. قلت: فإن وَقَفَهَا في الكُرَاع والسّلاح؟ قال: هذه مسألة لَبْسٍ واشتباه».
- وقال شيخ الإسلام: «وأحمدُ توقّف في وجوب الزكاة؛ لا في وقْفها؛ فإنه إنّما سُئل عن ذلك؛ لأنّ مذهبه أنّ الوقف إذا كان على جهة خاصة كبني فلان، وجبت فيه الزكاة عنده في عينه، فلو وَقَفَ أربعين شاةً على بني فلان وجبت الزكاة في عينها في المنصوص عنه، وهو مذهب مالك، قال في رواية مُهَنّا -فيمن وقف أرضاً أو غنمًا في سبيل الله-: لا زكاة عليه ولا عُشْر، هذا في السبيل؛ إنما يكون ذلك إذا جعلَه في قرابتِه».
ليس في الأوقاف زكاة
وقد سردَ أبو بكر الخلّال عدّة مسائل عن الإمام أحمد فيها التنصيص على أنّه ليس في الأوقاف زكاة إذا كانت على جهةٍ عامّة، منها قوله:
«أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن رجل دُفعت إليه ألفُ درهم ليشتري بها داراً في السبيل، فحبس الدّراهم عنده سنةً ثمّ اشترى بها، هل عليه فيها الزكاة؟ قال: لا إنما هو مؤتمن، إلا أنْ يزكّيها صاحبها. قيل له: فإنّ صاحبها ميّت؟ قال: لا زكاة فيها. ثمّ قال: قال مكحول وطاووس: ليس في الأوقاف صدقة».
وتطبيقات هذا الضّابط في غاية الوضوح والظّهور، فلا داعي للاستكثار منها مع دورانها حول مفهومٍ واحدٍ هو الذي سبق شرحُه.
الضابط الخامس
إذا فاض ريع الوقف صُرف في نظيره ثم في أقرب مقاصد الواقف فالأقرب.
- معنى الضابط: إذا زاد ريع الوقف على تغطية المصارف المعتادة له، من مستحقّات الموقوف عليهم، ونفقات الصيانة والإعمار ونحو ذلك، فإنّ الفائض عن هذه الحاجات من غلّة الوقف، يُصرف في أقرب الجهات إلى الجهة الموقوف عليها.
أقوال أهل العلم
والحقّ أنّ أهل العلم قد اختلفوا في مسألة صرف فائض الوقف على أقوال، هي:
- القول الأوّل: يجوز صرفه في مثل مصرف الوقف ونظيره، وكذلك في المصالح الخيريّة العامّة، ولا يجوز التصدّق به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله، وتفريعٌ منه على إحدى الروايات عن أحمد، أنّه يجوز صرف الفاضل في مثل مصرف ذلك الوقف، فزاد شيخ الإسلام رحمه الله التعميم على سائر المصالح.
- القول الثاني: يُصرف في جنس ما وُقف فيه فقط، دون ما سواه، وهو مذهب المالكيّة، وبعض الشافعيّة، وبعض الحنابلة، وأبي يوسف من الحنفيّة، وزاد الشافعيّة: إذا لم يمكن صرفُ الزائد لنفس الموقوف عليهم.
- القول الثالث: يجوز صرفُه في مثل مصرف ذلك الوقف، ويجوز التصدّق به كذلك، وهو المعتمد عند الحنابلة.
- القول الرابع: يجب حفظُه وعدم إنفاقه، حتى يُحتاج إليه فيما وُقف فيه، وهو قول بعض الحنفية، والمذهب عند الشافعية.
- القول الخامس: أنّه يرجع إلى ملك الواقف، قال به محمد بن الحسن.
الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام
والراجح من هذه الأقوال هو الأوّل، لقوّته ووضوح أدلّته وعلله، إذ الأصل مراعاة شروط الواقف ما أمكن، ورعاية مقاصده، مع جواز مخالفة أصوله إذا تعذّر تحقيق المصلحة التي قصدها إلا بمخالفة شرطه.
لكن مع بعض التقييد الذي لا بدّ منه لهذا القول، نقول: «الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يُصرف في مثله، وفي سائر المصالح، لكن صرفه في جنس الوقف أولى وأظهر ما لم تكن مصلحة أعلى، لتحقيق مقصود الواقف، وتحقيق مقصود الواقف يراعى ما أمكن ما دام مشروعاً، وإذا ظهرت مصلحةٌ أعلى صُرف، لما تقدّم من الدّليل على جواز تغيير شرط الواقف لظهور المصلحة الراجحة، لكن يقيّد هذا الترجيح بما إذا لم تكن حاجة الوقف للفاضل قريبةً، كما لو كان يحتاج بعد فترة قريبة إلى إصلاح وترميم، ونحو ذلك من الحاجات، فإنّه يظهر القول بإرصاد الفاضل من الوقف للوقف نفسه».
اختيار دقيق
وهذا فيما أحسب اختيارٌ دقيقٌ من صاحبه، تجتمع فيه المصالح والمعاني الفاضلة التي انتثرت في الأقوال المذكورة جميعاً، وعليه: فإنّه يتّضح لنا مجال العمل بهذا الضابط، فنستطيع القول بأنّ هذا الضابط يطبّق على وقفٍ:
1- لم تظهر مصلحةٌ أرجح من مصلحة إنفاق الفاضل منه في نظيره.
2- لم تظهر حاجةٌ قريبةٌ لإعماره وإصلاحه.
هذا فيما يتعلّق بالشقّ الأوّل من الضابط، وهو الصّرف في نظير الوقف، فأمّا الشق الثاني فيُنتقَل إليه عند تخلُّف الأوّل من الشرطين السابقين، لأنّ المصلحة العامّة لا بدّ أن يُراعى فيها شرطُ الواقف ومقصده ما أمكن.
وثمّة قيدٌ آخر لتبيُّن مجال تطبيق هذا الضابط وهو: أن يكون الوقف على غير معيّن، بمعنى أن يكون على جهةٍ بجنسها؛ كالعلماء والفقراء والقرّاء والموتى، أمّا إن كان على معيّنٍ كمن وقفَ على عليٍّ وأولاده، فالفائض من هذا الوقف له نظرٌ آخر سيأتي إن شاء الله.
التطبيقات
1- تُصرف غلّة الوقف على عمارته أولاً، ولو لم يشترط الواقف ذلك، لأن الواقف قد قَصد بوقفه تأبيد صرف غلّة الوقف، وتحقيق قصده دون عمران الموقوف متعذّر، الأمر الذي يثبُت به وجوب التعمير قضاءً باتفاق الأئمة، وهذا بدوره يقتضي أن يُحتاطَ لتكاليف الإعمار بما سبق بيانه في القول الرابع في مصرف الفاضل عن غلّة الوقف، بإرصاده لغرض الإعمار إذا كانت حاجة الوقف المتوقّعة قريبة.
2- الفاضل عن مصلحة المسجد من وقْفه يجوز صرفه في مساجد أخرى، وفي المستحقّين للصّدقة من أقارب الواقف، وجيران المسجد، أو في غير ذلك من المصالح.
3- يجوز تحويل الحُصُر والزيت المستغنى عنها في مسجد إلى مساجد أخرى تحتاجه.
إذا أُنشئت قناةُ سبيل للسُّقيا، ففاضَ ماؤها عن الحاجة، وأمكن سَوْق ذلك الفائض أو نقله إلى قناة أخرى قليلة الماء -مع كونها مُحتاجاً إليها-، فإنّ ذلك جائزٌ بإذن الجهة المسؤولة عنها، ويتعيّن على تلك الجهة القبول بالنّقل إذا كان الفائض مهدوراً ضائعاً.
لاتوجد تعليقات