رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 20 فبراير، 2018 0 تعليق

الضوابط الفقهية في الأعمال الوقفية 30 – ما لا يُقدرُ على تسليمِهِ لا يصحُّ وقفُهُ

 

وردت آيات كثيرة تحث على عمل الخير وإعطاء الصدقات التي يتقرب بها إلى الله -عز وجل- كقوله -تعالى-: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وقوله -تعالى-: {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}.

     وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث عدة تشير إلى مدى أهمية الوقف منها ما روي عن أبي هريرة ] أن النبي [ قال: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وكذلك كلُّ عينٍ يصحُّ وقفُها في ذاتها، لكنّها كانت لا تقع عند إنشاء عقد الوقف تحت قدرة الواقف، وكان عاجزاً عن تسليمها بأيّ وجهٍ من وجوه العجز، فإنّ وقْفها لا يصحّ ولا ينعقد، وفي الجملة فإنّ أهل العلم لهم في ضبط العين التي يصحُّ وقفها طريقتان، هما:

الأولى: بالحصر والعدد، وهذه طريقة الإمام ابن حزم -رحمه الله-، قال: «مسألة: والتّحبيس -وهو الوقف- جائزٌ في الأصول من الدُّور والأرضين بما فيها من الغِرَاس والبِنَاء إن كانت فيها، وفي الأَرْحَاء، وفي المصاحف، والدفاتر.

ويجوز أيضا في العبيد، والسّلاح، والخيل، في سبيل الله -عزّ وجلّ- في الجهاد فقط، لا في غير ذلك، ولا يجوز في شيء غير ما ذكرنا أصلاً، ولا في بناءٍ دون القَاعَة».

الثانية: بالصِّفة والحدّ، وهو قول العامّة من أهل العلم، فهم يضبطون ما يصحّ وقفه بضابطٍ معياريٍّ ولا يحصرون ما يصحّ وقفه في أشياء معدودة.

وقد اختلف أهل العلم في هذا الضّابط على قولين:

الأوّل: ما صحّ بيعُه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم من الأئمّة الأربعة.

الثاني: كلُّ عين تصحّ عاريتها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله-.

وأمّا من جهة ضبط أهل العلم لشروط العين الموقوفة، فقد ضبطوها بضوابط واشترطوا فيها شروطاً، منها أنْ تكون تلك العين مقدوراً على تسليمها.

وقد اختلفوا في اشتراط ذلك على قولين:

الأوّل: أنّ القدرة على التسليم ليست شرطاً في صحّة الوقف، فيصحّ وقْف المعدوم والضائع والمسروق، وإلى هذا نحا الإمام مالك -رحمه الله-، واختاره شيخ الإسلام.

الثاني: أنّ وقْف ما لا يُقدر على تسليمه لا يصحّ، وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة.

     أمّا قول المانعين فهو جارٍ على قياس الشريعة وقاعدتها الماضية في عامّة العقود، وهو المنع من إيراد عقدٍ على معدومٍ، أو غير مقدورٍ على تسليمه؛ فإنّ هذا هو الأصل في عامّة العقود، لكن الحقّ أنّ قول القائلين بالجواز والصحّة فيه قوّة ووجاهة، ومستنده ما هو معروفٌ في الشريعة من التخفيف في عقود التبرّعات، وعدم محاكمتها بالضرورة إلى كلّ ما يشترط في عقود المعاوضات.

     وبكلِّ حالٍ فقد جريتُ في إيراد هذا الضابط على قول الجمهور بالمنع؛ إذ إنّ كلًّا من القولين له حضوره ووجاهته، ولا يمتنع أن يكون الترجيح في هذه المسألة بالتفصيل؛ فإنّ تصحيح وقْف المعدوم والمجهول وما لا يُقدر على تسليمه إذا كان معلَّلاً بكونه من عقود التبرّعات، ولا يُشترط فيها ما يُشترط في المعاوضات، فإنّ هذا التبرُّع إذا انقلبَ ضرراً على بعض الجهات، كالجهة الموقوف عليها، أو الجهة المتولِّية له إذا قُدر على تسليمه لاحقًا، فإنّ القول ببُطلان وقْفه قبل القدرة على تسليمه يكون متّجهاً، لا سيما أنّ من المرجّحات في باب الوقف؛ الإفتاء بما هو أنفع له غالباً، والله أعلم.

تطبيقات القاعدة

1- لا يصحّ وقف الحمل استقلالاً، ويجوز تبعاً لأمه، والسبب في عدم الصحّة هو أنّ الواقف لا يملك الحمل الموجود وقت الوقف؛ لأنه لا يقدر على تسليمه للجهة الموقوف عليها، ولأنّ الوقف تمليكٌ منجَّزٌ لمنفعة الموقوف أو عينه -على قولٍ-، وهو متعذّر في الحمل.

2- لا يصحّ وقفُ الطّير في الهواء ولا السمك في الماء ولا البعير الشارد؛ إذ لا يمكن قبض شيء من ذلك عادةً، وما لا يُقدر على تسليمه لا يصحّ وقفُه كما تقدّم.

3- لا يصحّ وقفُ المغصوب ممّن لا يقدر على انتزاعه من الغاصب؛ لأنه ليس في حيازته ولا يقدر على تسليمه، وما لا يقدر على تسليمه لا يصحّ وقفه.

4- لا ينعقدُ وقفُ دارٍ سيبنيها، أو أرضٍ سيشتريها، للعلّة السابقة نفسها، وهذه طريقة يجتمع فيها انعدامُ الموقوف عليه حالَ الوقْف وعدم القدرة على تسليمه بالضرورة

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك