رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 27 يونيو، 2019 0 تعليق

الضابط الرابع عشر – الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية -الراجح صحّة وقف المنافع المباحة، ولو دون الأعيان


باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه؛، ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط، ولاسيما بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله- واليوم مع الضوابط المتعلّقة بالعين الموقوفة، ومنها أن الراجح صحّة وقف المنافع المباحة، ولو دون الأعيان.

معنى الضابط

     هذا ضابطٌ متعلّقٌ بمواصفات الموقوف في ذاته، ويتعرّض لفكرةٍ اختلف فيها أهل العلم، وهي: هل يُشترط في الوقف التأبيد على ما ذهب إليه الجمهور؟ أم لا يُشترط فيه ذلك كما اعتمده المالكيّة؟ وممّا يتفرّع عن ذلك: هل يصحّ وقْف منفعةِ عينٍ استقلالاً دون العين نفسها؟ وسيتبيّن الجواب على ذلك بالآتي -إن شاء الله.

المنافع: جمع منفعة، وهي أعراضٌ مستفادةٌ، من الأعيان يمكن استيفاؤها منها.

وقد قيل في حدّها: ما لا تمكن الإشارة إليه حسًّا دون إضافة، يمكن استيفاؤه، غير جزء ممّا أُضيف إليه.

ومن أمثلتها: سُكنى الدّار، ولبن الدّابة وركوبها، وغلّة الأرض.

     وقد اختلف أهل العلم ابتداءً في ماليّة المنافع، وقابليّتها للتّقويم؛ فكان ذلك خلافاً مؤثّراً ولابدّ في أحكام ما يرد على المنافع من العقود، كعقد الإجارة؛ لأنّه تمليكٌ للمنفعة دون العين، ومن ذلك أيضاً وقف المنافع، على أنّ الخلاف في صحّة وقف المنافع لم يتفرّع فقط عن القول بماليّة المنافع أو عدمه، وإنّما عن اشتراط التأبيد في الوقف أيضاً؛ لذلك فقد اختلف في هذه المسألة المتّفقون على القول بماليّة المنافع، لاختلافهم في هذا الشرط.

ماليّة المنافع

     أمّا عن ماليّة المنافع؛ فيؤول الخلاف فيها إلى قولين: «أحدهما للحنفية: وهو أن المنافع ليست أموالاً متقَوَّمةً في حدّ ذاتها؛ لأنّ صفة الماليّة للشيء إنما تثبت بالتموُّل، والتموُّل يعني صيانة الشيء وادّخاره لوقت الحاجة، والمنافع لا تبقى زمانَيْن، لكونها أعراضاً؛ فكلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلاشى؛ فلا يُتصوّر فيها التموُّل.

غيرَ أنّ الحنفيّة يعدون المنافع أموالاً متقَوَّمةً إذا ورد عليها عقد معاوضة، كما في الإجارة، وذلك على خلاف القياس، وما كان على خلاف القياس؛ فغيره عليه لا يقاس.

     والثاني لجمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة: وهو أنّ المنافع أموالٌ بذاتها؛ لأنّ الأعيان لا تُقصد لذاتها، بل لمنافعها، وعلى ذلك أعراف الناس ومعاملاتهم. ولأنّ الشرع قد حكم بكون المنفعة مالاً عندما جعلها مقابلةً بالمال في عقد الإجارة، وهو من عقود المعاوضات المالية، وكذا عندما أجاز جعلها مهراً في عقد النكاح؛ ولأنّ في عدم اعتبارها أموالاً تضييعاً لحقوق النّاس، وإغراءً للظّلمة في الاعتداء على منافع الأعيان التي يملكها غيرهم، وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشريعة وعدالتها. وقال الشربيني الخطيب: المنافع ليست أموالاً على الحقيقة، بل على ضرب من التوسع والمجاز، بدليل أنها معدومةٌ لا قدرة عليها».

أمّا وقف المنافع استقلالاً، دون وقف العين المنتفَع بها، كوقف سُكنى بيتٍ معيّنٍ دون البيت؛ فقد اختلف فيها أهل العلم على قولين أيضاً.

القول الأوّل

عدم صحّة وقفها، وهو قول الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة.

وجُلّ استدلالات هؤلاء المانعين تدور حول ما تقدّمت الإشارة إليه، من كون المنفعة ليست مالاً، أو لكونها ليست شيئًا يمكن استيفاؤه على التأبيد وإن أقررنا بكونها مالاً، ولكون العين هي الأصل، ومنفعتها فرعٌ تابعٌ لها، ولا قيام للفرع دون أصله.

القول الثاني

 أنّ وقف المنافع دون الأعيان صحيحٌ، وبه قال المالكيّة في المعتمد من المذهب، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله-.

     قال الدّردير: «وأرادَ بالمملوك: ما يشمل مِلْك الذّات ومِلْك المنفعة؛ فلذا قال: (وإنْ) كان المِلْك المدلول عليه بمملوك (بأجرةٍ) كدارٍ استأجرها مدّة معلومةً؛ فله وقف منفعتها في تلك المدة، وينقضي الوقف بانقضائها؛ لأنه لا يُشترط فيه التأبيد كما سيأتي، وشمل قولُه: بأجرةٍ، من استأجر داراً محبَّسَةً مدّةً؛ فله تحبيس منفعتِها على مستحقٍّ آخر غيرِ المستحقّ الأوّل في تلك المدة، وأمّا المحَبَّسُ عليه فليس له تحبيسُ المنفعةِ التي يستحقّها؛ لأنّ الحَبْس لا يُحَبَّس».

لو وقف منفعةً يملكُها

     وقال شيخ الإسلام: «ولو وقف منفعةً يملكُها؛ كالعبد الموصى بخدمته، أو منفعةِ أمِّ ولده في حياته، أو منفعة العين المستأجرة؛ فعلى ما ذكره أصحابنا: لا يصحّ، وعندي هذا ليس فيه فقه؛ فإنّه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوبٍ على الفقراء يلبسونه، أو فرس يركبونه، أو ريحان يشمّه أهل المسجد، وطِيب الكعبة حكمه حكم كسوتها؛ فعُلم أنّ الطّيب منفعةٌ مقصودةٌ، لكن قد يطول بقاءُ مدّة التطيُّب، وقد يقصر، ولا أثر لذلك».

اعتبار المنافع

     وبهذا يظهر لنا ألا شيء يمنع من اعتبار المنافع مقصودةً، وأنّ استيفاءها والانتفاع بها وتحقُّق مصالح وجودها قابلٌ للانفكاك عن الأعيان، بل قال الزّنجاني في بعض تقريراته الحسنة: «معتقدُ الشافعيُّ رضي الله عنه أنّ منافع الأعيان بمنزلة الأعيان القائمة في الماهية، وحقيقتها عندنا تهيُّؤ الأعيانِ واستعدادها بهيئتها وشكلها لحصول الأغراض منها.

مثاله: إنّ الدّار بسُقُوفِها لَتُهَيَّأ لدفع الحَرِّ والبرد، وبحيطانها لدفع السُّرَّاق والغُصَّاب عمّا فيها، وبأرضها لمعنى الهُوِيِّ بسكّانها إلى أسفل، وكذلك كل عين لها هيئة تتميّز بها عن الأخرى، وبها تستعدّ لحصول الغرض منها؛ فهي منفعتها.

أعراضٌ متجدّدة

وهذه الهيئات أعراضٌ متجدّدة، توجد وتفنى كسائر الأعراض، وهي أموالٌ متقوّمة؛ فإنها خلقت لمصالح الآدميّ وهي غير الآدميّ، وإطلاقُ لفظ المال عليها أحقّ منه على العين؛ إذ التّضمين لا يسمّى مالاً إلا لاشتمالها على المنافع؛ ولذلك لا يصحّ بيعها دونها.

     وأنكر أبو حنيفة -رحمه الله- كون المنافع في أنفسها أموالاً قائمة بالأعيان، وزعموا أنّ حاصلها راجعٌ إلى أفعالٍ يحدثها الشخص المنتفع في الأعيان بحسب ارتباط المقصود بها؛ فيستحيل إتلافها؛ فإنّ تلك الأفعال كما توجد تنتفي، والإتلاف عبارةٌ عن قطع البقاء، وما لا بقاءَ له لا يُتصوَّر إتلافُه، غير أنّ الشرع نزّلها منزلةَ الأعيان في حقّ جواز العقد عليها رخصةً؛ فتعيّن الاقتصارُ عليها.

النظر إلى الحقائق

     ونحن نقول: هذا مسلَّم إذا نظرنا إلى الحقائق وسلكنا طريق النظر، ولكن الأحكام الشرعيّة غيرُ مبنيّة على الحقائق العقليّة، بل على الاعتقاداتِ العُرفيّة، والمعدوم الذي ذكروه، مالٌ عُرفًا وشرعاً، وحُكْمُ الشّرع والعُرف غالبٌ في الأحكام، والشّرع قد حكم بكون المنفعةِ موجودة مقابلة بالأجرة في عقد الإجارة، وأثبتت الإجارة أحكام المعاوضات المحصنة، وأثبتت للمنفعة حكم المال، والعُرف يقضي بأنّ من أثبتَ يدَه على دارٍ وسَكَنَهَا مدّةً، أنّه يفوّت منافعَها».

جذور الخلاف

     فهذا استعراضٌ متينٌ لجذور الخلاف في ماليّة المنافع، وجوابٌ محكمٌ على قول من نفى ذلك، بأنّ العُرف قاضٍ بماليّتها، والشّرع مقرٌّ بذلك، وقد رأينا كيف أجرى الحنفيّة أنفُسهم سلطانَ العُرف في تجويزهم لوقف المنقول إذا جرى العُرف به؛ فمن سلّم بماليّة المنافع لتقرير الشرع لذلك بناءً على جريان العُرف به، وهو عرفٌ قويٌّ عامٌّ مستقرٌّ غالبٌ، متوفّرةٌ فيه شروط الإعمالِ والاعتبار، ولا يكاد يخلو منه زمانٌ ولا مكان؛ فلا مناص من أن يسلّم بصحّة وقف المنافع ولو منفكّةً عن الأعيان، وهذا هو القول الراجح -إن شاء الله.

     على أنّنا نُضيف فيما يتعلّق بمنع وقْف المنافع؛ لأنّ وقفها لا يتأبّد، بأنّ ذلك غير لازمٍ، بل التأبيدُ واردٌ فيها جدًّا، كما في الوصيّة؛ فإنّهم يصحّحون أن يوصي إنسانٌ لإنسانٍ بسُكنى داره أبداً، وبخدمة عبده أبداً، واستيفاؤه منها ممكنٌ ما بقي الموصى له، وما بقيت تلك الأعيان؛ فالتوقيت ليس ملازماً أصلاً للمنافع، بل تأبيدها ممكنٌ، وعليه فتصحيح وقفها ينبغي ألا يشكل على قول من يشترط التأبيد، والوقف في ذلك مقيسٌ على الوصيّة بجامع أنّ كليهما من عقود التبرّع.

التطبيقات

يصحّ وقف سُكنى الدّار المستأجرة مدّة معلومةً؛ فإذا انقضت مدّة الإجارة رجعت الدار ومنافعها إلى ملك صاحبها.

يصحّ وقف ركوب السيارة واستعمالها للتنقّل؛ فإذا انعدمت منفعتها بالتلف والعطب، رجعت إلى صاحبها يتصرّف فيها بما يراه.

يصحّ وقف حقوق الطبع والنّشر للكتب.

     يصحّ وقف حقوق الابتكار، سواءً كان حقًّا نتيجة التأليف في الأدب والعلم الشرعيّ، أو ما يتعلّق بالعلامات التجاريّة، أو ما ينشأ عن براءات الاختراع في العلوم الطبيعية، أو التكنولوجيا، لكونها جميعاً حقوقٌ معنويّة لها مردودٌ ماديٌّ مملوكٌ لأصحابها، ويتوصّل إليها لمن أراد الانتفاع بها بالشّراء، وتوهَب وتُباع وتُعار؛ فيصحّ وقفها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك